ملخص
يانُوس معبود روماني لا نظير له عند الإغريق، صاحب الأبواب والبدايات، يُصوَّر بوجهين ينظر أحدهما أمامه والآخر خلفه. وباسمه سُمّي أوّل شهور السنة، يانُوارْيُوس، ومنه «يناير». وأتمّ ما بقي من قصّته في كتاب الشاعر أُوفِيد «الأعياد»، الفاسْتِي، في أوّل يوم من السنة: يظهر يانوس للشاعر في بيته، فيسأله الشاعر عن وجهيه، فيجيبه بأنّ الباب له جهة إلى الخارج وجهة إلى الداخل، فعلى حارسه أن يرى الداخل والخارج معاً. ثم يحكي له أنّه كان ملكاً على هذه الأرض في زمن قديم، فلمّا طرد جوبيتر أباهُ هو ساتورن من ملكه، وصل ساتورن بسفينة إلى نهر التِّيبِر، فاستقبله يانوس وآواه.
ثم يحكي يانوس كيف حمى روما بالباب نفسه. هجم السابِينِيُّون على المدينة، ففتحت لهم جونو بوابة كانت مغلقة، فلم يواجهها يانوس، بل فجّر ينابيعه عند البوابة وأحمى ماءها بالكبريت، فانقطع على المهاجمين الطريق. ولهذا كان معبده في وسط روما يُفتح في الحرب ويُغلق في السلم: يُفتح ليبقى للجند الخارجين طريق يعودون منه، ويُغلق ليبقى السلام داخل المدينة. وينسب لِيفِيُوس هذا المعبد إلى الملك نُوما.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ يانوس هو الأوّل في كلّ شيء والحارس في كلّ مدخل. فهو أوّل من يُدعى قبل غيره من المعبودات: يذكر كاتُو أنّ الفلّاح قبل الحصاد يقدّم البخور والخمر ليانوس أوّلاً ثم لجوبيتر وجونو. وهو أوّل السنة وأوّل الشهر، والباب الذي يمرّ منه من يخرج إلى الحرب ومن يرجع منها. ولذلك يقول أوفيد على لسانه إنّ في يده أن يفتح ويغلق كلّ شيء: السماء والبحر والأرض.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اللاتينية -us «ـُس» من Iānus / Janus «يانُوس» فيبقى «يان»، وهو من مادّة «جَنَّ». يقول لين: جَنَّهُ أي ستره وأخفاه وغطّاه وحماه، والجُنّة كلّ ما يُستتر به ويُحتمى من سلاح أو درع، والمِجَنّ الترس، سُمّي بذلك لأنّ صاحبه يستتر به ويحتمي؛ ويقول أيضاً: جِنُّ الشباب أوّله وحدّته، وفعلتُ الأمر بجِنّ ذلك أي في أوّل أمره وطراوته. فيانوس على هذه القراءة يجمع المعنيين اللذين تجعلهما القصّة له: هو الجُنّة التي تحمي المدينة عند بابها، وهو جِنّ الأشياء، أي أوّلها، أوّل السنة وأوّل الدعاء.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| Iānus | يانُس، بياء ثم ألف طويلة | الاسم اللاتيني في الرفع. |
| Iāne | يانِ | صيغة النداء؛ تكشف أنّ -us «ـُس» لاحقة إعراب. |
| Iāne pater | يانِ پاتِر | «يا يانوس الأب» في دعاء كاتو. |
| Ianuarius | يانُوارْيُوس | اسم الشهر المنسوب إليه، ومنه يناير. |
| ianua | يانُوا | الباب في اللاتينية. |
| جَنَّ، جُنّة، جِنّ | جَنَّ، جُنّة، جِنّ | المادّة العربية التي نقرأ بها الاسم. |
بعد نزع اللاحقة يبقى Iān- «يان»: ياء، وألف طويلة، ونون، وهي حروف مادّة ج-ن-ن. فأوّل الاسم ياء لاتينية حيث تبدأ العربية بجيم، وهذه مقابلة يذكرها جدول الإسقاط في قوانين جذور الصوتية: تظهر الجيم العربية في اللغات الأوروبية جيماً أو گافاً أو ياءً. والجيم والياء تتبادلان في العربية نفسها، فقد قال بعض العرب «عَلِجّ» في «عَلِيّ» و«حُجَّتِج» في «حُجَّتِي» كما ينقل لين في حرف الجيم. وهما صوتان متقاربان في تاريخ هذه الأسماء أيضاً، فقد عادت ياء Iuno «يُونُو» جيماً في الإنجليزية Juno «جُونُو» والإيطالية Giunone «جُونُونِه»، كما تبيّن صفحة جونو. والنون تقابل نون «جنّ»، والشدّة في قوانين جذور تظهر صامتاً مضعّفاً أو حركة طويلة، وفي Iān- ألف طويلة قبل النون. والذي لا نجده بعدُ صيغة لاتينية قديمة للاسم تبدأ بالجيم. وتوافق القصّة معنى الجُنّة: يقول يانوس لأوفيد إنّه لا شأن له بالحرب، وإنّه كان يحرس السلم وقوائم الأبواب، ثم يُريه المفتاح ويقول: هذا سلاحي. فحمايته حماية باب يستر من وراءه، لا حماية سيف. وللمادّة نظائر في اللغات الأخوات: العبرية גָּנַן، gānan «گانان» غطّى وحمى، وגַּן، gan «گَن» الحديقة، وهي الجنّة العربية في المعنى، والآرامية ləʾagānā «لِأَگانا» «ليحمي» في ترجوم يونان 4:6.
وتقترح المقالة الرومانية في موضع آخر قراءة ثانية هي «الجانب»: يانوس ينظر من جانبين معاً، والجانب في العربية الناحية، والجَناب عند لين فناء الدار وما امتدّ من جوانبها، والمنزل الذي يُنزل به. المعنى يوافق وجهي الباب وضيافة يانوس لساتورن، لكنّ الباء حرف زائد على الاسم اللاتيني لا يظهر فيه، فهي أبعد من «جنّ» في الأصوات. أمّا المعجم اللاتيني فيصل الاسم بالفعل īre «إيرِه»، أي ذهب، وبـianua «يانُوا»، أي الباب، وهو تفسير من داخل اللاتينية يوافق عمل العبور.
السياق التاريخي
يرتبط يانوس بتلّ اليانِيكُولُوم في الرواية، وبمعبد عند أسفل طريق الأَرْغِيلِيتُوم تُفتح أبوابه في الحرب وتُغلق في السلم. ينسب ليفيوس إنشاء المعبد إلى نوما، لكنّه يكتب بعد زمن الملوك بقرون، فلا يكون خبره نقش تأسيس من عهد نوما.
ويؤرّخ المتحف البريطاني قطعة نقدية من فئة الآس بسنتي 211–210 ق.م. على وجهها رأس يانوس المتوّج بالغار، وعلى ظهرها مقدّمة سفينة، وهي السفينة التي يقول أوفيد إنّها تذكّر بوصول ساتورن. رقم 1958,0510.1 «1958,0510.1» رمز فهرس حديث لا قراءة قديمة. أمّا كاتو في القرن الثاني ق.م فيشهد للدعاء إليه في عمل المزرعة، وأوفيد في مطلع القرن الأوّل للميلاد يروي حواره عن التقويم والباب.
وعند جيران روما الإتروسكيين معبود للأبواب ذو وجهين اسمه Culśanś «كُولْشانْش»، أهدت له امرأة تمثالاً برونزياً صغيراً بوجهين في كُورْتُونا في القرن الثالث ق.م. وتصل إِرِيكَا سِيمُون اسمه بكلمة الإتروسكيين للباب، وتجعله نظير يانوس، وإن كان يظهر شابّاً حيث يظهر يانوس ملتحياً.
| الشخصية | صلتها بيانوس | الرواية |
|---|---|---|
| كامِيسِي | أخته وزوجته وأمّ أَيْثِيكْس وأُولِيسْتِينِي | أَثِينايُوس ينقل النسب عن دْراكُون الكُورْكِيرِي. |
| كاميسي | شريك محلّي في الحكم | ماكْرُوبِيُوس؛ لا يذكر نسب أثينايوس. |
| فِينِيلْيا وكانِينْس | فينيليا أمّ ابنته كانينس، وكانينس زوجة بيكوس «پِيكُوس» | أوفيد؛ الأمومة لا تضيف عقد زواج. |
| ساتورن | وافد يستقبله يانوس ثم يشاركه الحكم | ماكروبيوس؛ ساتورن ليس أباه في هذه الرواية. |
| كْرانايْ، أو كارْنا | حورية يعتدي عليها ثم يمنحها سلطان مفاصل الأبواب | أوفيد؛ ليست قصّة زواج. |
السرديات الأسطورية الرئيسة
الوجهان: خاوس والزمن
يزيد يانوس في جوابه عند أوفيد أنّه كان يُسمّى قديماً خاوُس، أي الخليط الأوّل، فلمّا انفصلت النار والهواء والماء والأرض اتّخذ جسماً، وبقي الوجهان من حالته الأولى. أمّا ماكروبيوس فيجعل الوجهين علامة معرفة الماضي والمستقبل؛ فهما تفسيران مختلفان للصورة نفسها. ويضيف ماكروبيوس أنّ الوافد ساتورن علّم الناس الزراعة وشارك مضيفه الحكم.
كراناي ومفاصل الأبواب
وفي الكتاب السادس من «الأعياد» تهرب كراناي ممّن يلاحقها بأن تجعله يسير أمامها ثم تختبئ. لا تنجح الحيلة مع يانوس ذي الوجهين؛ يقبض عليها ويعتدي عليها، ثم يعطيها سلطان مفاصل الأبواب وغصن زعرور لطرد الأذى. وتستعمل الغصن لاحقاً عند نافذة الرضيع بروكا «پْرُوكا»، فتمسّ قوائم الباب والعتبة وترشّ الماء وتقدّم أحشاء خنزيرة صغيرة بدل جسم الطفل، فيتعافى داخل القصّة. ليس يانوس والد بروكا ولا من يؤدّي الطقس، ومعطي أداة الحماية هو نفسه المعتدي.
القراءة الرمزية
يعطي أوفيد لبداية السنة تمراً وتيناً وعسلاً طلباً لحلاوة الأيّام، ومالاً يتبادله الناس، وعملاً قليلاً حتى لا يبدأ العام بالكسل. وحين يسأل الشاعر لماذا لا تبدأ السنة في الربيع، يجيبه يانوس بأنّ منتصف الشتاء ينهي شمساً ويبدأ أخرى. فيقابل النصّ بين خضرة الزرع ودورة الشمس علامتين للبداية.
ويقرأ محمد رشيد ناصر ذوق أسماء أشهر الهلال الخصيب مع الفصل وعمل الناس، ويصل «كانون» بالموقد والتدفّؤ. يفيد منه هنا ردّ التقويم إلى البرد والعمل، لكنّه لا يشتقّ اسم يانوس. أمّا إغلاق المعبد فعمل سياسي أيضاً: يقول أُغُسْطُس إنّ مجلس الشيوخ أمر به ثلاث مرّات في حكمه، ويصفه بسلام حقّقته الانتصارات. كانت السلطة تعلن به حالها، بينما يثبت كاتو أنّ اسم يانوس حاضر كذلك في عبادة المزرعة.
التوازيات عبر الحضارات
يشبّه أوفيد وجهي يانوس بهِيكاتِي ذات الوجوه الثلاثة عند الطرق المتلاقية. وداخل روما تحمي فيستا الموقد والودائع في الداخل، بينما يتعلّق فتح الباب بخروج الرجال إلى عمل مارس في الحرب. من يخرج يحتاج بيتاً يرجع إليه.
وتقابل المقالة البنيوية، ومنها مقاربة يانوس وحرّاس العتبات، يانوس بحرّاس البوابات في بلاد الرافدين، الثيران المجنّحة عند مداخل القصور والمدن، وتجمع الطرفين تحت معنى الستر والحماية في «جُنّ». وفي «نزول إنانا» غانزير «غانْزِير» اسم القصر، ونيتي «نِيتِي» البوّاب الذي يسأل إنانا عن هويّتها ويرجع إلى إريشكيغال؛ فالمقارنة تحفظ الفرق بين المكان وصاحبه. ومع أنوبيس يظهر عبور جنائزي وحراسة للميت، وهو عمل آخر عند حدّ بين موضعين.