ملخص
هِيبْنُوس وثاناتُوس عند الإغريق النوم والموت، أخوان توأمان من أبناء نِيكْس، الليل. يقول هِسْيُود في «أنساب الآلهة» إنّ الليل ولدت الهلاك والقدر الأسود والموت، وولدت النوم وقبيلة الأحلام. ثم يصف بيتهما في أقصى الغرب عند بيت الليل، حيث لا تنظر إليهما الشمس في طلوعها ولا في غروبها: الأوّل يطوف الأرض وظهر البحر هادئاً لطيفاً بالناس، والآخر قلبه من حديد وروحه لا ترحم كالنحاس، إذا أمسك إنساناً لم يفلته، وتبغضه الآلهة أنفسهم. وتحمل الليل في ذراعيها النوم، «أخا الموت».
وأشهر خبر للنوم في «الإلياذة». أرادت هيرا أن تصرف زيوس عن الحرب لتعين اليونان، فتزيّنت واستعارت من أفروديت حزام الرغبة، ثم لقيت النوم في جزيرة ليمنوس، فأخذت بيده وقالت: أنم عيني زيوس إذا اضطجعت بجانبه، وأعطيك كرسياً من ذهب يصنعه ابني هيفايستوس. فأبى، وقال: أنيم أيّ معبود غيره، ولو كان نهر أوقيانوس، أمّا زيوس فلا، فقد أنمته مرّة بأمرك يوم رجع هرقل من طروادة، فأثرت الرياح على ابنه وحملته إلى جزيرة كوس، فلمّا استيقظ زيوس غضب ورمى الآلهة في قصره وطلبني أوّلهم، ولولا أنّي هربت إلى الليل لرماني من السماء في البحر، فكفّ عنّي لأنّه خاف أن يغضب الليل. فوعدته هيرا بـپاسيثيا، إحدى ربّات الحسن، وكان يتمنّاها طول عمره، فاستحلفها بماء ستيكس، يدها الواحدة على الأرض والأخرى على البحر، وتدعو آلهة ما تحت الأرض شهوداً. فذهبا إلى جبل إيدا، وصعد النوم شجرة صنوبر عالية فاختبأ في أغصانها في صورة طائر جبلي صافي الصوت. فلمّا نام زيوس في حضن زوجته جرى النوم إلى سفن اليونان فقال لـپوسيدون: أعنهم الآن ما دام زيوس نائماً.
ويظهر الأخوان معاً في موت ساربيدون، ملك ليكيا وابن زيوس، حين قتله باتروكلوس. فقال زيوس لـأپولّو: خذه من بين السهام، واغسل عنه الدم في ماء النهر، وادهنه بالأَمْبْرُوزْيَا، وألبسه ثياباً لا تبلى، ثم أعطه للحاملَين السريعين، النوم والموت، يضعانه في أرض ليكيا الواسعة، فيدفنه إخوته وأهله بتلّ وعمود، «فهذا حقّ الموتى». ففعل أپولّو ذلك.
والفكرة التي يدور عليها خبرهما أنّ النوم والموت شيء واحد في الصورة مختلف في العاقبة. هما أخوان من أمّ واحدة، يأتيان من الظلمة نفسها، لكنّ النوم يأخذ الإنسان ثم يردّه، والموت يمسكه فلا يردّه. وحتى زيوس يُغلب بالنوم، ويخاف أمّه الليل. وفي «الإلياذة» لا يقتل الموت ساربيدون، بل يحمله إلى أهله ليُدفن، فعمل الأخوين هنا أن يوصلا الميت إلى حقّه من القبر والذكر.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا: Θάνατος / Thanatos «ثانَاتُوس» من الفعل θνῄσκω «ثْنِيسْكُو»، مات، وأصل الفعل θαν- «ثَن» كما في ماضيه ἔθανον «إِثَانُون»، والباقي -ατος «ـاتُوس» بناء للاسم. ويقرؤه المقال الإغريقي «الفَناء»، بإبدال الثاء فاءً. وهذا الإبدال يحفظه معجم لين في العربية نفسها: يقال «الجَدَف» و«الجَدَث» للقبر، لأنّ العرب يجعلون الفاء والثاء متعاقبتين، و«الفُوم» و«الثُّوم»، وقرأ ابن مسعود «وثومها» مكان «وفومها». وفني الشيء عند لين ذهب وانقضى ونفد وهلك، وهو ضدّ البقاء. فثاناتوس الفناء، الذي إذا أخذ لم يُبقِ. وأمّا Ὕπνος / Hypnos «هِيپْنُوس» فأصله ὑπ- «هُپ» والنون من بناء الاسم، ويقرؤه المقال «غَفا»: الغين تصير في اليونانية نَفَساً في أوّل الكلمة، والپاء فاء. وفي معجم لين: غفا وأغفى نام، أو نام نوماً خفيفاً، أو ثقل بالنعاس. فهيپنوس الإغفاء، النوم الذي يأتي ويذهب.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
| Θάνατος | ثانَاتُوس | اليونانية | الموت |
| θνῄσκω، ἔθανον | ثْنِيسْكُو، إِثَانُون | اليونانية | يموت، مات |
| Ὕπνος | هِيپْنُوس | اليونانية | النوم |
| Νύξ | نِيكْس | اليونانية | الليل، أمّهما |
| فَنِيَ، فَناء | العربية | ذهب وانقضى، ضدّ البقاء | |
| جَدَث، جَدَف | العربية | القبر، بالثاء والفاء | |
| غَفا، أَغْفى | العربية | نام، نام نوماً خفيفاً |
ثاناتوس و«الفناء»
يقول معجم ليدل وسكوت إنّ θάνατος «ثانَاتُوس» الموت، طبيعياً كان أو بالقتل، وإنّه من θνῄσκω «ثْنِيسْكُو». والثاء اليونانية تقابل الثاء العربية في قوانين مشروع جذور، فأصل الاسم «ثن». والمقال الإغريقي يقرؤه «فناء»، ويقول إنّ الثاء والفاء تتعاقبان في الساميّة. والشاهد على ذلك في العربية نفسها عند لين: الجَدَف القبر مثل الجَدَث، لأنّ العرب جعلت الفاء والثاء متعاقبتين، فالأولى لغة نجد والثانية لغة تهامة، والفُوم في الآية هو الثُّوم في قول، وقد قرأ ابن مسعود بالثاء. فالكلمتان «ثنا» و«فنى» على هذا الإبدال كلمة واحدة، ومعناها في لين: فني الشيء ذهب وانقضى ونفد وهلك، وكلّ مخلوق عرضة للفناء، ودار الفناء الدنيا. ومن المادّة «فاناه» أي داراه وسكّنه، وهو قريب من صنيع النوم.
ويذكر المقال قراءة أخرى، «ثوى» أي أقام، ومنها «المثوى»، مكان الإقامة الأخيرة، وهي توافق الثاء دون حاجة إلى إبدال، لكنّ النون في الاسم لا مكان لها فيها، والقراءة بالفناء تحفظ الحرفين.
هيپنوس و«غفا»
يقول معجم ليدل وسكوت إنّ ὕπνος «هِيپْنُوس» النوم، ويُقال أيضاً لنوم الموت، كما في «الإلياذة» 11.241 «نام نوم النحاس» عن قتيل. وفي أوّل الكلمة نَفَس، وهو ما تقابله حروف الحلق العربية حين تسقط في اليونانية، كما في جدول قوانين مشروع جذور الذي يجمع الحاء والعين والخاء والغين في مجموعة واحدة تصير هاءً أو تسقط. ويقرؤه المقال «غفا»: الغين نَفَس، والپاء فاء، والنون من بناء الاسم كما في أسماء يونانية كثيرة. وفي معجم لين: غفا وأغفى نام، أو نام نوماً خفيفاً، أو ثقل بالنعاس، والإغفاءة النومة الخفيفة. ومن المادّة: أغفى الشجر، أي أرخى أغصانه، وهو قريب من الطائر الذي يختبئ في الأغصان في «الإلياذة». وحدّ القراءة أنّ الغين ليست في اليونانية، فالقراءة تأخذ النَّفَس اليوناني بقيّةً لها، ولا شاهد يونانياً على صيغة أقدم بحرف حلقي.
ويقرأ المقال اسم أمّهما Νύξ «نِيكْس» من «نَعَس»، النعاس والظلمة، فيجتمع في الأسرة الليل والنعاس والإغفاء والفناء.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الليل وطفلاها على صندوق كيپسيلوس
يصف پاوسانياس صندوقاً قديماً منقوشاً في أولمپيا، فيه امرأة تحمل على ذراعها اليمنى طفلاً أبيض نائماً، وعلى اليسرى طفلاً أسود كأنّه نائم، وقدما كلّ منهما متّجهتان إلى غير جهة الآخر، وتقول الكتابة إنّهما الموت والنوم، والمرأة الليل مرضعتهما.
الموت المقيَّد والموت المغلوب
يروي خبر سيزيف أنّ زيوس أرسل إليه ثاناتوس فقيّده سيزيف، فكفّ الناس عن الموت حتى فكّه آريس. ويروي يوريپيديس في «ألكستيس» أنّ هرقل أعاد ألكستيس إلى زوجها أدميتوس بعد أن ماتت عنه، فلمّا سأله كيف أصعدها قال: قاتلت المعبود الذي كان يملكها، كمنت له عند القبر فأمسكته بذراعيّ.
التوازيات عبر الحضارات
الموت في أوغاريت شخص له اسم أيضاً، موت، فمه مفتوح شفةً إلى العالم السفلي وشفةً إلى السماء، يبتلع بعل نفسه. وثاناتوس عند هسيود يمسك من أخذه فلا يفلته. فالاثنان صورة لموت لا يشبع ولا يردّ، والفرق أنّ موت الأوغاريتي يُقاتَل ويُقطَّع ويُذرّى ثم يعود، وثاناتوس الإغريقي يُقيَّد ويُصارَع في خبر سيزيف وخبر ألكستيس، ولا يُقتل.
وفي الهند رسولان لـيما، ملك الموتى، يطوفان بين الناس، داكنا اللون لا يشبعان، ويدعو النشيد أن يردّا إلى الأحياء «حياة طيّبة هنا اليوم لنرى الشمس». فرسولا يما يطوفان بين الناس كما يطوف النوم الأرض والبحر، ويأخذان كما يأخذ الموت.
ويحمل النوم والموت ساربيدون إلى ليكيا ليناله «حقّ الموتى» من التلّ والعمود. وفي أوغاريت يُدعى الملوك الموتى، الرفائيم، إلى البيت ويُذبح لهم ويُذكرون، فالميت الملك في الخبرين يُحمل إلى أهله ويبقى له حقّ عندهم.
والأخوان توأمان من أمّ واحدة، يفترقان في العمل: أحدهما يردّ والآخر لا يردّ، وهما بذلك من التوائم الإلهية في الشعوب.