هرمس

ملخص

هرمس «هِرْمِيس» ابن زيوس من مَايَا بنت أَطْلَس، وهو في أساطير الإغريق رسول الآلهة ودليل المسافرين ومرشد الأرواح إلى العالم السفلي. وأتمّ خبر لمولده في «النشيد الهوميري إلى هرمس»: كانت مايا تتجنّب مجالس الآلهة وتسكن كهفاً في جبل كِيلِّينِي، فكان زيوس يأتيها في جوف الليل، حين يغلب النوم هيرا، فلا يراه أحد. فولدت هرمس في الكهف، بعيداً عن الأُولِمْب وعن عين زوجة أبيه.

وُلد هرمس فجراً، وفي الظهيرة كان يعزف على قيثارة صنعها من درع سلحفاة وجدها عند باب الكهف، وفي المساء سرق خمسين بقرة من قطيع أخيه أبولو، وساقها إلى الخلف حتى تنعكس آثارها، ثم عاد إلى مهده كأنّه لم يخرج. وجاء أبولو يطلب بقره، فأنكر الرضيع، فذهبا إلى زيوس، فضحك زيوس من حيلة ابنه وأمرهما بالصلح. وسمع أبولو القيثارة فأحبّها، فأعطاه هرمس إيّاها، وأخذ منه رعاية القطيع وعصاً ذهبية تقيه الأذى، وتعاهد الأخوان على الصداقة.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّه يعبر الحدود التي يقف عندها غيره، ويُعبِر معه من يصحبه سالماً. وُلد خارج بيت الآلهة، فدخله بحيلته وصار له فيه نصيب. وفي «الإِلْيَاذَة» حين خرج بريام ليلاً يفتدي جثّة ابنه هكتور من أخيل، أرسل زيوس هرمس ليصحبه، فأنام الحرّاس وفتح الأبواب وأدخله خيمة أخيل وسط معسكر أعدائه، ثم أخرجه منه سالماً مع الجثّة. وفي «الأُودِيسَة» يقود أرواح الموتى إلى العالم السفلي.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: السين في آخر Ἑρμῆς / Hermēs «هِرْمِيس» علامة إعراب يونانية، تسقط حين يُنادى فيقال Ἑρμῆ «هِرْمِي». يبقى «هرم»، وأوّله نفَس خفيف هو الهاء، وهو أقرب ما تؤدّي به اليونانية الحاء العربية. فالاسم «حَرَم»، والحَرَم والحُرمة في العربية ما لا يحلّ انتهاكه ويُحمى من الأذى. فهرمس على هذه القراءة «الحَرَمي»، صاحب الحرمة الذي لا يُمسّ، ومن دخل في جواره أمِن، وهذا ما تجعله القصّة: الرسول والدليل الذي يمرّ بين الأعداء وبين الأحياء والأموات فلا يعترضه أحد.

الجذر اللغوي

الصيغة القراءة العربية ما تبيّنه
Ἑρμῆς / Hermēs هِرْمِيس الاسم في الرفع، بهاء منطوقة وحركة طويلة قبل السين
Ἑρμῆ / Hermē هِرْمِي النداء، بلا السين الأخيرة
Ἑρμᾶς / Hermās هِرْمَاس صيغة دورية وبويوتية بحركة طويلة مختلفة
Ἑρμείας / Hermeias هِرْمِيَاس صيغة موسّعة في الشعر الملحمي

تبيّن هذه الصيغ أنّ الهاء والراء والميم أرسخ في الاسم من السين الأخيرة، لأنّ السين تسقط في النداء.

الحرم والحرمة

تجمع مادة «حرم» في لسان العرب الشيء المصون الذي لا يحلّ انتهاكه، والمنع من التصرّف، والتخصيص للشعيرة، ومنها «الحَرَم» و«الحُرمة» و«الحريم» و«الحِرْميّ». ولها في العبرية חֵרֶם «حِيرِم» وفي الآرامية חִרמָא «حِرْمَا»، وتأتي فيهما أيضاً بمعنى ما يُخصّص للمعبود ويُمنع عن الناس، وقد تأتي بمعنى الإبعاد والإهلاك. ويختار المقال الإغريقي في هذا المشروع «حرم» في قراءته المفصّلة وفي جدول مقارنته، ويقول إنّ الرسول في الحضارات القديمة لا يُقتل ولا يُعترض لأنّه محميّ بحرمة.

والمقابلة الصوتية: الراء والميم باقيتان بترتيبهما، والحاء العربية تخرج من الحلق ولا مقابل لها في اليونانية، فتصير نفَساً خفيفاً هو الهاء التي يبدأ بها Hermēs «هِرْمِيس». وتذكر العربية أيضاً «الحَيْرَم» للبقر و«الحَوْرَم» للمال، وهما قريبان من قطيع هرمس في المعنى، لكنّ فيهما ياءً وواواً لا أثر لهما في الاسم.

قراءة ثانية: الهَرَم

ويذكر المقال أيضاً «هَرَم» بالهاء. يسجّل لسان العرب الهَرَم لكبر السنّ، والهُرْمان للعقل والرأي، والهرمين للبناءين في مصر. ومعنى الرأي يقارب دهاء هرمس، أمّا كبر السنّ فلا يوافق ظهوره رضيعاً في النشيد، ولا تصل هذه الألفاظ الاسم بالأهرام. وفي «كْرَاتِيلُوس» ربط أَفْلَاطُون الاسم بالقول والتفسير والمساومة والخديعة، وهو تفسير يوناني قديم لوظائف الشخصية.

السياق التاريخي

يظهر الاسم مبكراً في لوح العطايا Tn 316 «تي إن 316» من بِيلُوس، المحفوظ بالنار التي دمّرت القصر نحو 1200 ق.م. كُتب اللوح بالخطّ الخطّي ب، وهو خطّ مقطعي لليونانية، وفيه e-ma-a₂ «إِ-مَا-آ» داخل سجلّ قرابين، وهي كتابة بالمقاطع لا تعطي كلّ حركات النطق القديم.

ويصوّر إناء أتيكي مؤرّخ بين 520 و500 ق.م أبولو بقيثارته على جانب، وهرمس بقبّعة السفر والرداء القصير والعصا على الجانب الآخر.

وفي نشيد آخر يعمل هرمس راعياً عند دْرِيُوبْس ويتزوّج ابنته، فيولد لهما پان «پَان» ذو القرنين وقدمي الماعز. تهرب المرضعة من هيئة الطفل، لكنّ هرمس يفرح به ويلفّه بجلد أرنب ويحمله إلى الأولمب، فيُسَرّ به الآلهة، ولا سيّما ديونيسوس. النشيدان 18 و19.

السرديات الأسطورية الرئيسة

تفاصيل السرقة والصلح

صنع هرمس القيثارة من درع السلحفاة وجلد البقر وسبعة أوتار من أمعاء الغنم، وصنع لنفسه نعلين من الأغصان ليخفي أثر قدميه. ولمّا بلغ نهر أَلْفِيُوس ذبح بقرتين وقسم لحمهما اثنتي عشرة حصّة، ولم يأكل منها مع أنّه اشتهاها. وحين عاتبته أمّه قال إنّه يريد له ولها نصيباً من القرابين والكرامة بين الآلهة، بدل أن يبقيا وحدهما في الكهف. ولا يذكر النشيد حيّتين في العصا التي أعطاه إيّاها أبولو.

رسائل زيوس

يحمل هرمس في «الأوديسة» أمر زيوس إلى كاليبسو «كَالِيپْسُو» أن تدع أوديسيوس يعود إلى بيته. وفي النشيد إلى ديميتر ينزل إلى هاديس ويعود بـبرسيفوني إلى أمّها. وحين يقود أرواح الخطّاب القتلى إلى مرج الأَسْفُودِيل يحمل عصاً يُنيم بها ويوقظ.

القراءة الرمزية

في قصّة البقر يعطي الحيوان اللحم والجلد والأمعاء، ثم تصير هذه المواد آلةً يرغب مالك القطيع في مبادلتها. وبالاتفاق يأخذ أبولو القيثارة ويعطي هرمس القطيع، فيحوّل الأخوان مالاً مختلف الصور إلى عهد بينهما. وفي رحلة بريام يحمي هرمس الأب حتى يقف أمام قاتل ابنه، ثم يردّه مع الجثّة ليقيم أهله دفنه.

التوازيات عبر الحضارات

يعيد هُورَاس أخبار هرمس باسم ميركوري الروماني: حفيد أطلس، ورسول جوبيتر «جُوپِيتِر»، وصانع القيثارة، وصاحب حيلة البقر، ودليل بريام والأرواح. أمّا دِيُودُور فيعرض هرمس في سياق مصري معلّماً للكلام والكتابة والقياس الموسيقي، وكاتباً ومستشاراً لـأوزيريس، ويجعل قيثارته ثلاثة أوتار تمثّل الفصول، لا سبعة كما في النشيد اليوناني. ولذلك تقارن هذه الرواية هرمس بـتحوت، وتبقى خدمته المصرية رواية مستقلّة عن طفولته في كيلّيني.

وتقترح المادّة البابلية مقارنته بـنبو من جهة الخبر والكتابة. والإلياذة نفسها تقسم المهمّة: إِيرِيس تبلّغ بريام أمر الخروج بالفدية، وهرمس يصحبه. فالرسالة عمل يشترك فيه أكثر من شخص.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. النشيد الهوميري الرابع إلى هرمس، والنشيدان 18 و19: المولد في كهف مايا والصنعة والقطيع والأسرة.

  2. الإلياذة 24، والأوديسة 5 و24: بريام وكاليبسو وقيادة الأرواح.

  3. النشيد إلى ديميتر، 334–386: مهمّة هرمس وعودة برسيفوني.

  4. معجم لين، حرم وهرم، ومعجما العبرية والآرامية: الألفاظ والمعاني المقارنة.

  5. ليدل وسكوت وجونز، Ἑρμῆς «هِرْمِيس»
  6. غودل، النطق اليوناني
  7. أفلاطون، «كراتيلوس» 407هـ–408ب
  8. غريغوري ناجي، سياق اللوح
  9. نقل اللوح، السطر الخلفي 7
  10. المتحف البريطاني، الإناء 1882,1010.1
  11. هوراس، القصائد 1.10
  12. ديودور، «المكتبة التاريخية» 1.15.9–1.16