أنغربوذا

ملخص

أَنْغْرْبُوذا عملاقة من بلاد العمالقة في أساطير الشمال الإسكندنافي، ولدت لـلوكي ثلاثة أولاد صاروا أخطر ما يواجهه الآلهة في آخر الزمان: الذئب فنرير، وحيّة العالم يورمونغاندر، وهيل. يقول سنوري في «خداع غيلفي» «غِيلْفَاغِينِينْغ»: كانت في بلاد العمالقة عملاقة اسمها أنغربوذا، ولد منها لوكي ثلاثة أولاد.

ونشأ الأولاد الثلاثة في بلاد العمالقة. فلمّا عرف الآلهة بهم، وتتبّعوا النبوءات فوجدوا أنّ ضرراً عظيماً وبلاءً سيأتيهم من هؤلاء الإخوة، وتوقّعوا كلّهم منهم شرّاً كثيراً، «أوّلاً من جهة الأمّ، وأسوأ من ذلك من جهة الأب»، أرسل أبو الكلّ، أودين، الآلهة فأخذوا الأولاد وجاؤوه بهم. فرمى الحيّة في البحر العميق الذي يحيط بكلّ اليابسة، فكبرت حتى طوّقت الأرض وعضّت ذيلها. ورمى هيل في نيفلهايم، وجعل لها سلطاناً على تسعة عوالم، تقسم المساكن على من يموتون بالمرض والكِبَر. وربّى الآسير الذئب عندهم، ولم يجرؤ على إطعامه إلّا تير، ثم قيّدوه بالرباط غْلِيبْنِير، فقطع يد تير.

وتذكرها «نبوءة العرّافة القصيرة»، وهي قصيدة محفوظة داخل «نشيد هيندلا»، في بيت واحد: «ولد لوكي الذئب من أنغربوذا، وولد سليبنير من سفاذيلفاري، وكانت ساحرة واحدة أشدّ الكلّ شؤماً، جاءت من أخي بيلَيْست»، أي من لوكي نفسه. ثم تقول القصيدة: «أكل لوكي قلباً مشويّاً على نار الزيزفون، وجد قلب امرأة نصف محترق، فحمل لوفت من المرأة الشرّيرة، ومن ذلك جاءت كلّ عملاقة على الأرض». وهذان البيتان هما 40 و41 من «نشيد هيندلا» في ترقيم آخر.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ أنغربوذا لا تفعل في الأخبار شيئاً غير أن تلد. لا تتكلّم ولا تقاتل، ولا يقول نصّ ما صار إليها بعد أن أُخذ أولادها. لكنّ الآلهة يحسبون حسابها: الشرّ المنتظر من الأولاد يأتي «أوّلاً من جهة الأمّ». فهي أصل الخطر من جهة العمالقة، ولوكي أصله من جهة الآلهة، والأولاد يجمعون الجهتين. ويفرّق أودين بين الثلاثة، فيجعل لكلّ واحد مكاناً: البحر للحيّة، ودار الموتى لهيل، والقيد للذئب. ثم يجتمعون في راغناروك: ينفكّ الذئب فيبتلع أودين، وتخرج الحيّة فتقتل ثور ثم يموت من سمّها، ويتبع لوكيَ إلى المعركة أهلُ هيل كلّهم. فالتفريق الذي صنعه أودين أجّل اليوم ولم يمنعه.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقالين لا يقرآن اسمها: الألف الأخيرة في Angrboða «أَنْغْرْبُوذا» علامة الرفع في المؤنّث الضعيف، فالقصيدة تقول við Angrboðu «ڤِيذ أَنْغْرْبُوذُو»، أي «من أنغربوذا». والاسم جزآن: angr «أَنْغْر»، وهو في النوردية الحزن والغمّ، ويقابله المعجم بالإنجليزية anger «أَنْغَر»، أي الغضب، وboð- «بُوذ»، من الفعل boða «بُوذا»، أي أعلن وأنذر بما سيكون. فالاسم في لغتهم «التي تنذر بالحزن». والجزء الأوّل في العربية «نَغِر»: النون والغين والراء على ترتيبها، والغين العربية تصير g «گ» في هذه اللغات. ونَغِرت القِدر في معجم لين غلت وفارت، ونَغِر الرجل غلى جوفه غضباً، أو غضباً كامناً لا يقدر على إمضائه، والمرأة النَّغِرة الشديدة الغيرة. والجزء الثاني «بَثّ»: الباء باء، والذال النوردية تقابل الثاء العربية، وهما أختان. وبثّ الخبر في معجم لين نشره وأذاعه، وبثّ الله الخلق في الأرض فرّقهم وكثّرهم، والبَثّ أيضاً الحزن الذي يشكوه صاحبه إلى صاحبه، أو أشدّ الحزن، والمرض الشديد. فأنغربوذا على هذه القراءة «النَّغِرة التي تبثّ»: الأمّ التي يغلي فيها الغضب فتنشر في العالم حزناً وبلاءً. وهذا ما تجعله القصّة: من جهتها يأتي الشرّ أوّلاً، ومن بطنها خرج الذئب الذي يبتلع أودين، والحيّة التي تقتل ثور، وصاحبة الدار التي يذهب إليها من يموت بالمرض.

الجذر اللغوي

أنغربوذا و«النَّغَر» و«البَثّ»

الصيغة النطق ما هي
Angrboða أَنْغْرْبُوذا الاسم في الرفع، «خداع غيلفي» 34
Angrboðu أَنْغْرْبُوذُو غير الرفع، «نبوءة العرّافة القصيرة» 11
angr أَنْغْر اسم عامّ: الحزن والغمّ
boða بُوذا فعل: أعلن، وأمر، وأنذر بما سيكون
نَغِر، نَغِرة العربية: غلى غضباً؛ الشديدة الغيرة
بَثّ العربية: نشر وأذاع؛ وأشدّ الحزن

يقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ angr «أَنْغْر» الحزن والغمّ، ويقابله بالإنجليزية anger «أَنْغَر» واللاتينية angor «أَنْغُور». ويقول أورِل إنّ الكلمة الجرمانية *angaz «أَنْغَز» كانت في أصلها اسماً محايداً من الأسماء التي تنتهي بسين، وإنّها هي السنسكريتية aṃhas- «أَمْهَس»، أي القلق والضيق، واللاتينية angor «أَنْغُور»، أي الخنق والكرب. وفي المعجم النوردي boða «بُوذا»: أعلن ونادى، ثم أمر ودعا، ثم أنذر ودلّ على ما سيكون، كما يقال: ماذا عسى أن ينذر به هذا. ولا يشرح فولكس اسمها، ويقول إنّها عملاقة، ويحيل إلى «نشيد هيندلا».

وفي معجم لين، مادّة «نغر»: «نَغِرت القِدر: غلت وفارت»، ومنه «نَغِر الرجل: غلى جوفه عليه من الغضب، أو من أشدّ الغضب، أو من غضب كامن لا يقدر على إمضائه»، و«امرأة نَغِرة: شديدة الغيرة». وفي مادّة «بثّ»: «بثّه: نشره وفرّقه»، يقال للشيء وللخبر، و«بثّ الله الخلق في الأرض»، و«بثّ الحديث: أذاعه»، و«البَثّ: الحزن يُطلع عليه صاحبه صديقه، أو الحزن الشديد والمرض الشديد، كأنّه من شدّته يبثّه، أو أشدّ الحزن».

والمقابلة تحفظ النون والراء، وتجعل الغين العربية مقابلة لـg «گ»، كما تصير الغين في قوانين مشروع جذور g «گ» إذا لم تسقط. وتجعل الباء باءً، والثاء العربية مقابلة للذال النوردية، وهما صوتان من مخرج واحد، أحدهما مهموس والآخر مجهور. ويبقى أمران: يجعل أورل الراء في angr «أَنْغْر» من لاحقة قديمة، فإن صحّ ذلك أخذت «نَغِر» حرفاً من اللاحقة أصلاً. والفعل boða «بُوذا» دالُه قديمة في أخواته، كما في القوطية biudan «بِيُودَن»، فالثاء العربية تحتاج إلى شاهد على هذه المقابلة.

قراءات أخرى

لا يقرأ المقالان اسم أنغربوذا. ويمكن أن يُقرأ الجزء الثاني «بَدا» و«أبدى»، أي ظهر وأظهر، وفي معجم لين «بدا له في الأمر» إذا ظهر له رأي، فيكون الاسم «التي تُظهر الحزن»، وهذا أقرب إلى الدال القديمة في الفعل الجرماني، وأبعد عن معنى الحزن الذي في «البَثّ».

السرديات الأسطورية الرئيسة

العجوز في الغابة الحديدية

تقول العرّافة في «نبوءة العرّافة» «فُولُوسْبَا»: «في الشرق جلست العجوز في يارنفيذ، وولدت هناك نسل فنرير، ويكون منهم واحد يخطف القمر في صورة غول». ويشرح سنوري البيت: في الشرق من ميدغارد غابة اسمها يارنفيذ، أي الغابة الحديدية، تسكنها عملاقات، والعملاقة العجوز تلد أبناء كثيرين من العمالقة، كلّهم في صورة الذئاب، ومنهم الذئبان اللذان يطاردان الشمس والقمر، سْكُولّ وهاتي، وأقواهم ماناغارم، يمتلئ من حياة الموتى، ويبتلع القمر، ويلطّخ السماء بالدم. ولا يسمّي النصّان هذه العجوز، ولا يقولان إنّها أنغربوذا، لكنّهما يجعلانها مثلها: عملاقة في بلاد العمالقة تلد الذئاب، ونسلها «نسل فنرير». ويقول المترجم إنّ الفعل في البيت قد يعني «ولدت» أو «أرضعت» أو «ربّت».

عند النهاية

يقول سنوري في خبر راغناروك إنّ الذئب يبتلع الشمس، والذئب الآخر يأخذ القمر، ثم تتكسّر القيود كلّها فينطلق فنرير، وتنقلب الحيّة في غضب العمالقة فيعلو البحر على اليابسة، ويأتي لوكي ومعه أهل هيل كلّهم. فأولاد أنغربوذا الثلاثة يجتمعون في يوم واحد بعد أن فرّقهم أودين، ومعهم ذئاب الغابة الحديدية.

القراءة الرمزية

لا يقرأ المقال النوردي أنغربوذا، لكنّه يقرأ أولادها الثلاثة ثلاثة أخطار كبرى في بلاد الشمال: الذئب جوع يكبر ولا يُقيَّد إلى الأبد، والحيّة البحر الذي يحيط بالناس ولا مهرب منه، وهيل الموت البارد البطيء. ويقرأ بلاد العمالقة البرّية المتجمّدة التي لا يسكنها الإنسان، والعمالقة قوى الطبيعة الخارجة عن السيطرة. وعلى هذه القراءة، وهي تطبيق لقراءة المقال على هذه القصّة لا قراءة منه لأنغربوذا، تكون العملاقة البرّية نفسها، التي يخرج منها الجوع والغرق والموت، ويكون أخذ الآلهة أولادها محاولة لإبعاد هذه الأخطار إلى أطراف العالم. والذي في النصّ نفسه أمّ لا اسم لها في الشعر إلّا في بيت واحد، وثلاثة أولاد يُؤخذون منها صغاراً.

التوازيات عبر الحضارات

أقرب الأمّهات إليها عند الإغريق إخيدنا، نصفها امرأة ونصفها حيّة، اقترن بها تايفون فولدت له أورثوس كلب جيريون، وكيربيروس كلب هاديس، وهيدرا ليرنا، ثم قتل الأبطال أكثر نسلها. وأنغربوذا تلد للوكي الذئب والحيّة وصاحبة دار الموتى، فالأمّان تلدان نسلاً يحرس الموت أو يحارب الآلهة. لكنّ نسل إخيدنا يُقتل واحداً واحداً على أيدي الأبطال، ونسل أنغربوذا يُبعد ويُقيَّد ويبقى إلى النهاية.

وفي «إينوما إيليش» تلد تيامات الحيّات والوحوش لتحارب بها الآلهة. والفرق أنّ تيامات تقاتل بنفسها وتُقتل، وأنغربوذا لا تظهر في الحرب أصلاً، وإنّما يقاتل أولادها في آخر الزمان.

وأولادها الثلاثة يحملون راغناروك، وزواجها بلوكي يجعلها في خبر المحتال، وحيّتها خصم ثور في صراع المعبودات مع البحر والتنين.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. «خداع غيلفي»، 12 و34 و51، «نبوءة العرّافة القصيرة»، 11–12، طبعة غودني يونسون، «نبوءة العرّافة»، 40 والحاشية 60، هسيود، «الثيوغونيا».

  2. كليسبي وفيغفوسون، angr «أَنْغْر» وboða «بُوذا»، أورل، ص 19، فولكس، فهرس الأعلام، ص 163.

  3. معجم لين، نغر وبثّ وبدو.