يوتنهايم

ملخص

يوتنهايم بلاد العمالقة في أساطير الشمال، وتسمّيها القصائد في الغالب بالجمع، Jǫtunheimar «يُوتُنْهَايْمَار»، أي ديار العمالقة. يروي سْنُورِي في «خداع غيلفي» «غِيلْفاغِينِينْغ» أنّ أبناء بور، أودين وفيلي وفي، لمّا صنعوا الأرض من جسد العملاق الأوّل يمير جعلوها مستديرة يحيط بها البحر العميق، و«على شاطئ ذلك البحر أعطوا أجناس العمالقة أرضاً يسكنونها». ثم بنوا في الداخل حصناً حول العالم من حاجبَي يمير يصدّ عداوة العمالقة، وسمّوه ميدغارد. فبلاد العمالقة على الحافّة، بين حمى الناس والبحر الذي لا يُعبر.

وتضعها النصوص في الشرق ووراء الأنهار. يسأل العملاق ڤافثرودنير ضيفه أودين عن النهر الذي يقسم الأرض بين أبناء العمالقة والآلهة، فيجيبه أودين: اسمه إيفينغ، يجري مفتوحاً طول الدهر، ولا يتجمّد أبداً. «أقوال ڤافثرودنير» «ڤَافْثْرُوذْنِيسْمَال»، 15–16. ويسكن العملاق هيمير شرق أنهار إيليفاغار عند طرف السماء، وهي الأنهار التي قطر منها السمّ فنشأ منه أوّل العمالقة. «خداع غيلفي»، 5، «أنشودة هيمير» «هِيمِيسْكْفِيذَا»، 5. وإذا غاب ثور عن الآلهة قيل: خرج إلى الشرق يضرب الغيلان. وفي أطول رحلاته سار شرقاً إلى يوتنهايم حتى البحر، فعبره، ودخل غابة عظيمة مشى فيها يومه حتى أظلم، فلقي العملاق سكريمير، فدلّه شرقاً على قلعة أوتغارذ، قلعة أوتغاردا لوكي. «خداع غيلفي»، 42 و45. وشرق ميدغارد غابة اسمها غابة الحديد، تسكنها عملاقة عجوز تلد العمالقة في صورة الذئاب، ومن نسلها الذئبان اللذان يطاردان الشمس والقمر، وأقوى نسلها يبتلع القمر في آخر الزمان.

ومن هذه البلاد يأخذ الآلهة ما ليس عندهم، وإليها يذهبون فيه. منها جاءت العرائس: سكاذي ابنة ثياتسي، وغيرذ التي ركب إليها رسول فرير في الظلام «فوق الجبال المبتلّة، فوق شعب العمالقة». «أقوال سكيرنير» «سْكِيرْنِيسْمَال»، 10. ومنها جاءت قدر هيمير التي تُطبخ فيها جعة الآلهة، وشراب الشعر الذي أخرجه أودين «من ديار العمالقة». «أقوال الأعلى» «هَاوَامَال»، 105 و107. وفيها نشأ أولاد لوكي الثلاثة من العملاقة أنغربوذا، ومنها استُدعيت العملاقة هيروكّين لتدفع سفينة بالدر إلى البحر. «خداع غيلفي»، 34 و49. وأهلها يطلبون من الآلهة فريا: طلبها البنّاء ثمناً لسور أسغارد، وطلبها ثريم ثمناً لمطرقة ثور، فطار لوكي «حتى خرج من حمى الآسير ودخل ديار العمالقة». «أنشودة ثريم» «ثْرِيمْسْكْفِيذا»، 5–8. وانتهى العصر الذهبي للآلهة يوم جاءت ثلاث فتيات من العمالقة «من يوتنهايم»، وفي آخر الزمان «يدوّي يوتنهايم كلّه»، ويقود العملاق هريم جيشه «من الشرق».

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ عالم الآلهة والناس حمى في الوسط، وحوله أرض واسعة من الجبال والغابات والأنهار الجليدية يسكنها أبناء الجسد الأوّل. الآلهة يحتاجون إليها: منها الزوجات والقدر والشراب، وتحت جذر يغدراسيل الذي يتّجه إلى عمالقة الصقيع بئر ميمير الذي فيه الحكمة. ويخافونها: منها يأتي الطالبون، ومنها يأتي آخر العالم. والحدّ بين العالمين نهر لا يتجمّد، فلا يُعبر مشياً على الجليد.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Jǫtunheimar «يُوتُنْهَايْمَار» مركّب من jǫtunn «يُوتُنّ»، العملاق، وheimar «هَايْمَار»، الديار، والألف والراء في آخره علامة الجمع. ويقرأ المقال العربي الجزء الأوّل «جُثّة»، والثاني «هامَ»، ويشرحه «ديار الجثث، أي العمالقة». والجيم في النوردية تُنطق ياءً، والجيم العربية تصير ياءً في جدول التحوّل في مشروع جذور، والثاء العربية تصير تاءً، والنون بعدها لاحقة جرمانية. والجُثّة في معجم لين جسد الإنسان قاعداً أو مضطجعاً، والجسد الميت، وهي أيضاً الأرض المرتفعة التي يُرى شكلها من بعيد كالأكمة الصغيرة. فالعملاق على هذه القراءة «الجُثّة»، الجسد الضخم الملقى على الأرض كالتلّ، وهذا ما تجعله القصّة: صُنع العالم من جثّة العملاق الأوّل، ونام ثور وأصحابه في قفّاز سكريمير يحسبونه قاعة، ويسمّي الشعر داخل الجبل «طرق العمالقة». و«هامَ» في المعجم ذهب على وجهه لا يدري أين يقصد، ويوتنهايم هي الأرض التي يتيه فيها المسافرون: يمشي فيها ثور يومه في الغابة حتى الظلام، ويعبرها رسول فرير ليلاً فوق الجبال المبتلّة.

الجذر اللغوي

يوتنهايم و«الجُثّة»

الصيغة النطق ما هي
jǫtunn يُوتُنّ العملاق، المفرد في حالة الرفع
jǫtnar يُوتْنَار الجمع
jǫtna يُوتْنا إضافة الجمع، في «ديار العمالقة» و«طرق العمالقة»
Jǫtunheimar يُوتُنْهَايْمَار ديار العمالقة، بالجمع
Jǫtunheima يُوتُنْهَايْما النصب، «إلى يوتنهايم» في «أنشودة ثريم»
جُثّة + هامَ جيم مضمومة وثاء مشدّدة، ثم هاء وميم اللفظان العربيان اللذان نقرأ بهما الاسم

يقول معجم كْلِيسْبِي وفِيغْفُوسُون إنّ الكلمة شائعة في الآيسلندية، ولا تكاد تأتي في الألمانية والسكسونية إلّا في الإنجليزية القديمة eoten «إِيُوتِن»، بضع مرّات. ويذكر من استعمالها «طرق العمالقة»، أي الجبال، و«جمجمة العملاق»، أي السماء، و«جرح العملاق»، أي البحر. ويجعلها أُورِيل من أصل جرماني *etunaz «إِتُونَاز»، ويرى صلته بفعل الأكل «محتملة على تردّد»، فيكون العملاق «الأكول».

وفي معجم لين: «جَثَّه» اقتلعه من أصله، و«اجتُثّت الشجرة» أُخذت جُثّتها كلّها، و«الجُثّة» جسد الإنسان أو شخصه قاعداً أو نائماً، والجسد الميت، كما في الدعاء «جافِ الأرضَ عن جُثّته»، و«الجُثّة» أيضاً الأرض المرتفعة التي يُرى شكلها من بعيد، كالأكمة الصغيرة. معجم لين، جثّ. والمقابلة تجعل الياء النوردية مقابلة للجيم العربية، كما يسجّل جدول مشروع جذور أنّ الجيم تصير في اللغات الأوروبية «ج» أو «غ» أو «ي»، وتجعل التاء مقابلة للثاء، والثاء تصير تاءً في أكثر الطرق إلى اللغات الأوروبية. والمعجم الجرماني يقرأ الكلمة من الأكل، وقراءتنا تقرؤها من الجسد، وتصل إليه بما يفعله العمالقة في القصص وبما تُصنع منه الأرض.

الديار و«هامَ»

يجعل المقال لـheim «هَايْم» مسارين: «هامَ»، أي ذهب على وجهه، فالدار حيث يحلّ المرء بعد التيه، و«حَمى»، أي المكان المحميّ. وفي جدول العوالم التسعة يقرأ يوتنهايم بالأوّل. أمّا نيفلهايم وموسبلهايم فتقدّمان «الحِمى» لأنّه أقرب إلى معنى الدار، و«هامَ» أتمّ في الصوت لأنّ ياءها تقابل الحركة المزدوجة. ويوافق «هامَ» يوتنهايم خاصّة، لأنّها الديار التي لا حمى لها، وراء السور.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الحدّ والعبور

لا يعبر الآلهة إلى بلاد العمالقة إلّا براكب أو طائر أو سفينة. يطير لوكي بريش فريا مرّتين، ذهاباً «حتى خرج من حمى الآسير ودخل ديار العمالقة»، وإياباً على العكس، فيقابل الشعر بين «حمى الآسير» و«ديار العمالقة» بالكلمتين نفسيهما. ويركب رسول فرير حصاناً يعبر به ناراً تحيط ببيت غيمير. ويعبر ثور البحر العميق إلى أوتغارذ.

الدار الخارجية

يذكر معجم كليسبي وفيغفوسون اسماً آخر لأطراف الأرض التي يسكنها العمالقة في قصيدة «أنشودة ثور» «ثُورْسْدْرَابا»: Út-vé «أُوتْ ڤِي»، أي الدار الخارجية، وهو مثل أوتغارذ، «الحمى الخارجي». والكلمة الثانية فيه هي اسم أخي أودين في. كليسبي وفيغفوسون، الدار والحرم.

عمالقة الصقيع وعمالقة الجبال

يفرّق سنوري بين عمالقة الصقيع، الذين نشأوا من يمير، وعمالقة الجبال. وكلاهما حضر محرقة بالدر، وكلاهما «يصعد إلى السماء لو كان جسر بيفروست مفتوحاً لكلّ من أراد العبور»، ولذلك جُعل في الجسر نار.

القراءة الرمزية

تقرأ مقالة «إعادة قراءة الأساطير النوردية» يوتنهايم في خريطة يغدراسيل على أنّها المناطق البرّية المتجمّدة: الجبال الجليدية والغابات الكثيفة التي لا يسكنها الإنسان، وراء السلاسل الجبلية. والعمالقة عندها قوى الطبيعة الخارجة عن السيطرة، وقتال ثور لهم قتال الإنسان للبرد والعواصف والانهيارات.

والنصوص نفسها تعين على هذه القراءة في مواضع بعينها: العمالقة يسكنون وراء أنهار جليدية، ومنهم عمالقة الجبال، وطرقهم داخل الصخر، وغابة الحديد في الشرق. وتعين أيضاً على قراءة اجتماعية: البلاد التي يُخاف أهلها هي البلاد التي يُتزوّج منها ويُشترى منها ويُتعلّم فيها. فالآلهة يأخذون زوجات من العمالقة ولا يعطونهم فريا، ويحملون القدر والشراب والحكمة من عندهم، ثم يغلقون الحدّ بنار ونهر لا يتجمّد.

التوازيات عبر الحضارات

يخرج جلجامش وإنكيدو من أرض المدن إلى غابة الأرز وراء الجبال، وحارسها خمبابا أقامه إنليل، كما يخرج ثور ولوكي إلى أرض العمالقة وراء البحر. وفي الرحلتين يقطع البطل أرضاً لا يسكنها الناس ليأتي منها بما ليس في مدينته: الخشب هناك، والقدر والشراب والعرائس هنا. ويختلفان في أنّ جلجامش يقتل الحارس ويقطع الغابة، وأنّ ثور يرجع من أوتغارذ مغلوباً بخداع البصر.

وفي خريطة العوالم موضع يوتنهايم من شجرة العالم: جذر يغدراسيل الثاني يتّجه إلى عمالقة الصقيع حيث كانت الفجوة الأولى. ومن جسد يمير الذي صار الأرض خرج سكّانها، كما في نمط الجسد الكوني، ومنها يزحف العمالقة في راغناروك.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. «خداع غيلفي»، 5 و8 و12 و15 و34 و42 و45 و49، «نبوءة العرّافة»، 8 و40 و48 و50، «أقوال ڤافثرودنير»، 15–16، «أنشودة هيمير»، 5، «أقوال سكيرنير»، 8–10 و17، «أقوال الأعلى»، 105 و107، «أنشودة ثريم»، 5–12.

  2. كليسبي وفيغفوسون، العملاق وديار العمالقة والدار والحرم، أوريل، ص 86، معجم لين، جثّ وهيم وحمى.