ملخص
هذه حكايات يقاتل فيها معبود بحراً أو حية عظيمة، فإذا غلبه استقر بعد القتال أمر جديد: ملك، أو عالم مرتب، أو ماء يجري.
في دورة بعل من أُوغارِيت يرسل يم رسله إلى مجلس إيل يطلب أن يُسلَّم إليه بعل. فيصنع كوثر وحسيس لبعل سلاحين، لا تُسقط الضربة الأولى يم، وتصيب الثانية رأسه فتهزمه. ثم لا يصير بعل ملكاً حتى تتوسط أثيرة عند إيل فيأذن، ويبني كوثر القصر على جبل صفون.
وفي «إِينُوما إِيلِيش» البابلية يرجع الآلهة الكبار عن تيامات، فيطلب مردوخ أن يكون أمره نافذاً إن قاتلها، فيعطيه المجلس السلطان. يرسل الريح في فمها، ويرميها بسهم، ثم يشق جسدها فيرفع نصفه سماءً، ويجعل من عينيها مجريي دجلة والفرات، ويرتب النجوم والشهور.
وفي «ريغفيدا» «رِغْفِيدا» 1.32 يشرب إندرا السُوما ويضرب بالصاعقة فريترا «ڤْرِتْرا»، الحية التي حبست المياه، فتجري المياه إلى البحر وتظهر الشمس. ريغفيدا 1.32. وعند الإغريق يضرب زيوس تيفون بالصاعقة ويلقيه في تارْتارُوس، فيستقر ملكه. هسيود، 820–885. وعند النورديين يقتل ثور حية العالم في رَاغْنَارُوك، ثم يمشي تسع خطوات ويموت من سمها. فولوسبا، 55–56. وفي مصر يحتج ست أمام مجلس الآلهة بأنه يحمي مركب رع كل يوم من الحية أَبُوفِيس التي تعترض طريق الشمس.
يجمع هذه القصص خصم من الماء أو على صورة حية، وسلاح يُصنع للمنتصر أو يُعطى له، ونصر يتبعه شيء آخر. ويفترق ما يأتي بعد النصر. بعل يحتاج بعده إلى إذن وقصر، ومردوخ يبني العالم من جسد خصمه، وإندرا يطلق الماء، وزيوس يثبت ملكه، وثور يموت ولا يحكم، وست يعود إلى الحراسة كل يوم لأن خصمه يعود. ويسمي الباحثون هذه الطائفة باسم ألماني حديث هو Chaoskampf «كاوس كامف»، أي «صراع الفوضى»، وهو اسم للمقارنة لم يعرفه أصحاب القصص.
أمّا الأسماء فنقرؤها في اللسان العربي هكذا: يَمُّ هو «اليَمّ» العربية نفسها، أي البحر، فالخصم في قصة بعل هو البحر حين يتكلم ويطالب. وبَعْلُ إذا رُفعت علامة الإعراب بقي «بَعْل»: صاحب الشيء، والزرع البعل هو الذي يشرب من المطر. وتيامات «تِيَامْتُ» من ت-هـ-م، ومنه «تِهامة» العربية و«تِهُوم» العبرية، أي الغمر، سقطت هاؤه في الأكدية. ومردوخ يُقرأ «مارد»، أي الذي يجاوز صنفه، وهو ابن جاوز آباءه الذين رجعوا عن تيامات. وإندرا «إِنْدْرَ» بعد حذف اللاحقة «إِنْد»، وهو «أندى» الأرض أي بلّها، وهو الذي أطلق الماء المحبوس. وتيفون «تُوفُون» يُقرأ «طُوفان». وثُور هو «ثار» إذا هاج ووثب. وحية العالم يُورْمُونْغانْدَر تُقرأ «الجِرْم العاند».
الجذر اللغوي
ليس Chaoskampf، «كاوس كامف»، اسماً لشخص أو كلمة من اللغات القديمة في هذه القصص. إنه مركب ألماني من Chaos، «كاوس»، أي الفوضى، وKampf، «كامف»، أي القتال. يفيد المصطلح حين يجمع مشهداً للمقارنة، ويضلل حين يوهم أن البحر والحية والموت والفوضى اسم لخصم واحد.
وتحفظ أوغاريت ألفاظ الحكاية في رسوم صامتة: bʿl، «ب-ع-ل»، للسيد؛ وym، «ي-م»، لليم أو البحر؛ وnhr، «ن-ه-ر»، للنهر. تقابل العربية هذه الرسوم بألفاظ «بعل» و«يم» و«نهر» ومعانيها، لكن الرسم الأوغاريتي لا يسجل حركات كاملة. أما انتقال تسلسل قصصي بين الأقاليم فيحتاج إلى طريق مؤرخ وعناصر مميزة تتجاوز اجتماع الماء والحية والسلاح.
الشواهد بحسب الحضارة
بعل: القتال لا يبني القصر وحده
يرسل يم رسله إلى مجلس إيل ويطلب تسليم بعل وذهبه. يصنع كوثر وحسيس لبعل سلاحين؛ لا تسقط الضربة الأولى يم، وتصيب الثانية رأسه فتهزمه. ولكن سقوط المنافس لا يكفي ليصير بعل ملكاً مستقراً. تتوسط أثيرة عند إيل، فيأذن إيل، ويجمع كوثر الخشب والمعادن ويبني القصر على جبل صفون. فالحرفي والمواد والإذن العام تكمل ما بدأه السلاح.
ويم ليس موت. بعد القصر يواجه بعل خصماً آخر هو موت الذي يبتلع الأحياء. تبحث عنات عن بعل وتدفنه. وحين تقبض على موت تشقّه بنصل، ḥrb «حَرْب»، يكون سيفاً ويكون سكّيناً، ثم تذروه وتحرقه وتطحنه وتنثره في الحقل في السطور نفسها، كما تُجهَّز الحبوب. وبعد فجوة أخرى يعود بعل، ثم يعود موت بعد سبع سنين أيضاً؛ فلا ينتهي الخبر بإلغاء الموت، بل باستعادة بعل منزلته مع بقاء خصم يستطيع الرجوع.
مردوخ: السلطان قبل القتال والعالم بعده
في «إينوما إيليش» يطلب مردوخ من مجمع المعبودات أن يكون أمره نافذاً، فيختبر المجلس كلمته ثم يمنحه السلطان. يواجه تيامات بالشبكة والريح والسهم، وبعد قتلها يشق جسدها ويجعل منه السماء وحداً لمائها، ثم يرتب الأنهار والنجوم والشهور. وبعد خلق البشر تبني المعبودات بابل وإيساگيل. تجمع الألواح بين تفويض الملك والقتال وترتيب الكون والعمل البشري وبناء المدينة، ولا تجعل تيامات مجرد سد يحبس مورداً.
إندرا: الماء يعود إلى مجراه
في «ريغفيدا» 1.32 يشرب إندرا سوما ويحمل فاجرا التي صنعها تفاشتري، ثم يضرب فريترا. ينكسر العائق، وتجري المياه إلى البحر، وتظهر الشمس والفجر، وتعود الأبقار وسوما ضمن ما فاز به. النشيد يربط القوة بأشياء تنتفع بها الجماعة، لكنه لا يسمي سداً أو قناة ولا يجعل القتال وصفاً تقنياً لمنشأة ري.
زيوس وثور وست
يضرب زيوس تيفون بالرعد والبرق، ويستقر حكمه بعد حروب الأجيال. ويقتل ثور حية العالم في راغناروك، ثم يمشي تسع خطوات ويموت من سمها؛ فالمنتصر هنا لا يبقى ليحكم. أما ست فيحتج في بردية «نزاع حورس وست» بأنه يحمي مركب رع كل يوم من عدوه، وتجعل نصوص إسقاط أبوفيس تلك الحماية عملاً طقسياً يتكرر. قوته نافعة للدفاع، لكنها لا تمنحه ميراث أوزيريس؛ ولذلك يختلف منصبه عن خلق مردوخ للعالم أو إطلاق إندرا للمياه.
التحليل البنيوي
يطلب يم خضوع بعل، وتقود تيامات جيشاً ثم يصير جسدها مادةً للسماء، ويحبس فريترا المياه، ويهدد أبوفيس حركة مركب الشمس. لذلك تعني هزيمة كل خصم عملاً مختلفاً: اعترافاً بملك يحتاج إلى قصر، أو ترتيباً للكون، أو عودة الماء إلى مجراه، أو حراسةً تتكرر كل يوم. ويموت ثور بعد قتل الحية، فلا تنتج ضربته ملكاً جديداً له.