ملخص
المحتال في الأساطير ذكيّ يكسر قاعدة أو يخدع من هو أقوى منه، فيتغيّر العالم بعد فعلته: ينجو من حُكم عليه بالهلاك، أو يُقسم القربان قسمة تبقى بعده، أو يدخل بيت الآلهة كنز لم يكن فيه، أو يموت أحبّهم إليهم. وكثيراً ما يكون المحتال نفسه من جاء الناس بشيء ينفعهم، فتلتقي قصّته بقصص الأبطال الحضاريين.
أقدم قصّة تامّة لمحتال قصيدة «أتراحاسيس» البابلية القديمة، وصاحب الحيلة فيها إنكي. خُلق البشر ليحملوا عن الآلهة عمل الحفر، فكثروا وكثر ضجيجهم حتى أقلق إنليل، فأرسل عليهم الوباء مع نمتار. فقال إنكي لعبده أتراحاسيس، وهو الذي تسمّيه ملحمة جلجامش أوتنابشتم: مُر المنادين أن ينادوا في البلاد: لا تعظّموا آلهتكم، ولا تصلّوا لإلهتكم، واطلبوا باب نمتار، وضعوا أمامه خبزاً مخبوزاً، فيستحيي من الهديّة ويمرّر يده عليها. فانقطع الوباء، ثم صنع مثل ذلك حين أرسل الآلهة الجفاف، فوجّه القرابين كلّها إلى أدد. فلمّا قرّر الآلهة الطوفان لم يخبر إنكي الرجل بلسانه، وإنّما كلّم الجدار: «يا جدار، اسمعني جيّداً! يا جدار القصب، احفظ كلامي كلّه!» فبنى أتراحاسيس السفينة ونجا. فلمّا رأى إنليل السفينة غضب، وقال آنو: من غير إنكي يفعل هذا؟ فقال إنكي: نعم، فعلته أمامكم. وفي اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش يقول إيا لإنليل: لم أكشف سرّ الآلهة العظام، وإنّما أريت أتراحاسيس حلماً فسمع سرّنا.
وعند الإغريق يقسم بروميثيوس في ميكوني ذبيحة ثور بين الآلهة والبشر: يجعل اللحم والأحشاء السمينة في الجلد ويغطّيها بمعدة الثور، ويرتّب العظام البيضاء «بصنعة ماكرة» ويغطّيها بالشحم اللامع، ثم يقول لـزيوس أن يختار. فيعرف زيوس الحيلة ويختار الشحم، ومن يومها يحرق الناس العظام البيضاء للآلهة. «الثيوغونيا»، 535–557. ويولد هرمس فجراً، ويسرق في المساء خمسين بقرة من قطيع أخيه أبولو ويسوقها إلى الخلف حتى تنعكس آثارها، ثم يحلف أمام أبيه أنّه لم يأخذها، فيضحك زيوس من ابنه. النشيد الرابع. وفي الشمال يجمع لوكي الأمرين: حيلته تنقذ الآلهة من دفع الشمس والقمر أجراً لبنّاء سورهم، ثم حيلته تقتل بالدر. «خداع غيلفي»، 42 و49.
يجتمع المحتالون في ثلاثة أمور: ذكاء يعمل حيث لا تكفي القوّة، وقاعدة تُكسر، من قرار الآلهة إلى قسمة القربان إلى ملك الأخ إلى العهد والقسم، وعالم يتغيّر بعد الكسر فلا يعود كما كان: يبقى الناس أحياء، ويأكلون اللحم ويحرقون العظام، ويصير لهرمس نصيب بين الآلهة، ويموت بالدر. ويفترقون في العاقبة: إنكي يعترف ولا يُعاقب، وهرمس يضحك منه أبوه، وبروميثيوس يُقيَّد، ولوكي يُربط بأمعاء ابنه. والفكرة التي تدور عليها القصص أنّ الحيلة سلاح من لا يملك القرار: إنكي أمام قرار إنليل، والرضيع أمام أخيه الكبير، وبروميثيوس أمام زيوس، وهيفايستوس الأعرج أمام آريس السريع.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: المحتال من «الحيلة»، والحيلة من ح-و-ل. وفي معجم لين: حال الشيء إذا تغيّر عن حاله، وحال عليه الحول إذا مرّ عليه عام، والحيلة الصنعة والدهاء والحذق في تدبير الأمور، والمحتال من يستعمل الصنعة والدهاء، وحوّل الشيء نقله من موضع إلى موضع. فالمحتال في العربية من يحوّل الأمر عن حاله بالحذق، وهذا ما تفعله القصص: يحوّل إنكي قرار الهلاك إلى نجاة، ويحوّل بروميثيوس الذبيحة إلى نصيب للبشر، ويحوّل هرمس البقر من قطيع أخيه إلى قطيعه. وتجمع الكلمة العربية الصنعة والمكر كما تجمعهما اليونانية في τέχνη «تِخْنِي»: سمّى هسيود قسمة ميكوني «صنعة ماكرة»، وبالكلمة نفسها سُمّيت كلّ الفنون التي أعطاها بروميثيوس للبشر.
الشواهد بحسب الحضارة
سومر وبابل: إنكي محتالاً ومخدوعاً
في اللوح الحادي عشر من ملحمة جلجامش ينادي إيا: «يا بيت القصب، يا بيت القصب! يا جدار، يا جدار!» ويأمر أوتنابشتم أن يهدم بيته ويبني سفينة، ثم يعلّمه ما يقول لأهل مدينته: إنّ إنليل يرفضه فلا يستطيع أن يبقى بينهم، وإنّ إنليل سيمطر عليهم الخبز في الصباح والقمح في المساء. فيخرج الرجل من المدينة بكلام يعد أهلها بالخير.
وفي «إنكي ونينهورساج» يأتي إنكي إلى بيت أوتّو في صورة بستاني يحمل الخيار والتفّاح والعنب، فتفتح له الباب فرحة. ثم يأكل النباتات الثمانية التي أنبتتها نينهورساج واحدة بعد واحدة ويقضي لها بمصائرها، فتلعنه وتغيب، فيمرض. ولا يعيدها إنكي ولا إنليل، وإنّما الثعلب: يسأل إنليل ما جزاؤه إن أتاه بها، ثم يدهن جسده وينفض فروه ويكحّل عينيه ويمضي.
وفي «إنانا وإنكي» يصير إنكي هو المخدوع. يشرب مع إنانا حتى يعطيها المِه، وفيها «الخداع» نفسه، فلمّا صحا وأرسل في أثرها قالت إنّ كلامه لا يُردّ، فحملت المِه إلى أوروك. «إنانا وإنكي»، المقاطع ج–ح. فإنكي محتال في «أتراحاسيس» وفي ملحمة جلجامش وفي قصّة دلمون، ومخدوع في قصّة المِه.
الإغريق: بروميثيوس وهرمس وهيفايستوس
بروميثيوس محتال عند هسيود. يقدّم القسمين «يريد أن يخدع عقل زيوس»، ويرتّب العظام «بصنعة ماكرة»، فيقول له زيوس: ما أظلم ما قسمت! ثم يرى زيوس الحيلة ويختار، فيغضب ويحجب النار، فيسرقها بروميثيوس في ساق نبات مجوّفة، ويختم هسيود الخبر بأنّه لا يمكن خداع زيوس ولا تجاوز إرادته. «الثيوغونيا»، 535–616، النصّ اليوناني، 535–544. أمّا في «بروميثيوس المقيّد» لأيسخولوس فليس محتالاً: يقول جهراً إنّه أعطى البشر النار والفنون، ويحتمل القيد، ويعرف سرّاً يخصّ ملك زيوس فيرفض أن يقوله. هو في المسرحية صاحب علم ثابت على موقفه، لا صاحب حيلة.
ويسمّي «النشيد الهوميري» هرمس «كثير الحيل، الماكر بلين، السارق، سائق البقر». سرق البقر وقلب آثار حوافرها فجعل المقدّم مؤخّراً، وصنع لنفسه نعلين من الأغصان المجدولة حتى لا تُعرف آثاره، ثم اخترع أعواد القدح وأوقد ناراً، وذبح بقرتين وقسم لحمهما اثني عشر نصيباً بالقرعة ولم يأكل منه وإن اشتهاه. ولمّا جاء أبولو أنكر، وعرض أن يحلف بيمين عظيمة برأس أبيه أنّه بريء، فضحك زيوس حين رأى ابنه يحسن الإنكار. ثم أعطى هرمس أخاه القيثارة، فأخذ منه رعاية القطيع وعصاً ذهبية. النشيد الرابع، 13–15 و68–141 و254–396 و416–502. وهرمس في «الإلياذة» ليس محتالاً: يرسله زيوس ليصحب بريام إلى خيمة أخيل، فينيم الحرّاس ويفتح الأبواب ويخرجه سالماً، فهو هناك الدليل الأمين.
وفي «الأوديسة» يصير هيفايستوس محتالاً بصنعته: يصنع قيوداً دقيقة لا تُكسر ولا تُفكّ ويبسطها على سريره، ثم يتظاهر بالسفر إلى ليمنوس، فيقع فيها آريس وأفروديت. فيضحك الآلهة ويقولون: البطيء يدرك السريع. ويسأل أبولو هرمس هل يرضى أن يكون مكان آريس في القيود، فيقول إنّه يرضى بثلاثة أضعافها.
الشمال: لوكي وأودين
أشار لوكي على الآلهة أن يعدوا بنّاء بـفريا والشمس والقمر إن أتمّ سورهم في شتاء واحد، فلمّا قارب الفراغ تحوّل إلى فرس واستدرج حصانه، فتعطّل العمل، وولد لوكي بعد ذلك سليبنير. «خداع غيلفي»، 42. وقصّ شعر سيف، فهدّده ثور حتى حلف أن يأتي لها بشعر من ذهب، فجاء من الأقزام بالشعر وبالسفينة سكيذبلادنير والرمح غونغنير، ثم راهن برأسه أنّ قزماً آخر لا يصنع مثلها. فآذت ذبابة الأخ الذي ينفخ الكير وهو يعمل، فخرجت المطرقة ميولنير قصيرة المقبض، وحكم الآلهة للقزم. ففرّ لوكي، فلمّا أُمسك قال: لك الرأس لا العنق، فلم يقدر القزم أن يقطع رأسه، فخاط شفتيه.
ثم تحوّل إلى امرأة وسأل فريغ هل حلفت لها الأشياء كلّها ألّا تؤذي بالدر، فقالت إنّ غصن الهدال صغير فلم تطلب منه اليمين. فاقتلعه ووضعه في يد هودر الأعمى ووجّه رميته فقتل بالدر. ولمّا طاف الرسل يطلبون من كلّ شيء أن يبكي بالدر ليخرج من دار هيل وجدوا عملاقة في كهف تسمّي نفسها ثوك، فأبت أن تبكي، ويظنّ الناس أنّها لوكي. «خداع غيلفي»، 49. وفي «خصومة لوكي» يدخل وليمة الآلهة عند إيغير ويعيّرهم واحداً بعد واحد حتى يطرده ثور. «خصومة لوكي». ثم فرّ في صورة سمكة سلمون، وكان قد عقد خيوط الكتّان عيوناً فكانت أوّل شبكة، فأحرقها، فعرف الآلهة صنعتها من رسمها في الرماد فصادوه بها، وربطوه بأمعاء ابنه فوق ثلاث صخرات.
وأودين نفسه محتال في خبر شراب الشعر. يرى تسعة عبيد يحصدون فيشحذ مناجلهم بمِسَنّ، فيطلبونه كلّهم فيرميه بينهم فيقتل بعضهم بعضاً بالمناجل، ثم يعمل باسم «صانع الشرّ» عند أخي العملاق سوتونغ بأجر شربة، ويثقب الجبل ويدخله في صورة حيّة، ويبيت عند غونلود ثلاث ليال ثم يطير بالشراب. «لغة الشعر»، 6. وتقول «أقوال العالي»: حنث أودين في يمينه لباوغي، فكيف يُوثق بعهوده؟ خدع سوتونغ وترك غونلود تبكي.
مصر: إيزيس قبل ست
في بردية «نزاع حورس وست» المحتالة إيزيس، والمخدوع ست. نُقل المجلس إلى «الجزيرة الوسطى»، وأُمر الملّاح أَنْتِي ألّا يعبر إليها بامرأة. فعرضت عليه رغيفاً فأبى، ثم خاتماً من ذهب فأخذه وعبر بها. فتحوّلت إلى فتاة جميلة، وشكت إلى ست أنّها امرأة راعٍ مات زوجها، وأنّ غريباً يريد أن يأخذ بقر أبي ابنها ويطرده. فقال ست: أيُعطى البقر للغريب وابن الرجل حيّ؟ فتحوّلت إلى حدأة على شجرة وقالت له: ابكِ على نفسك، فمك هو الذي قال، وذكاؤك هو الذي حكم عليك. فعوقب الملّاح بقطع باطن قدميه، فحرّم الذهب على نفسه، وصار الذهب مكروهاً في مدينته. بردية النزاع، ص 17–19. وحين حاول ست أن يُخضع حورس قلبت إيزيس الأمر عليه بالخسّ الذي يأكله، وحين تسابقا في سفينتين من حجر صنع حورس سفينة من خشب الأرز وطلاها بالجصّ، فظنّها ست حجراً، وقطع قمّة جبل وصنع سفينة من حجر فغرقت. ص 21–23. وفي نصّ آخر تصنع إيزيس حيّة من التراب ومن لعاب رع، فتلدغه، ولا تشفيه حتى يعطيها اسمه الخفيّ.
ولا يصير ست محتالاً إلّا عند بلوتارخ اليوناني في العصر الروماني: يقيس جسد أوزيريس سرّاً، ويصنع صندوقاً على مقاسه، ويعد به في وليمة من يكون على قدّه، فإذا رقد فيه أوزيريس أغلقه المتآمرون. بلوتارخ، الفصل 13. وأمّا تحوت فلا يحتال في البردية: يكتب الرسالة إلى أوزيريس ويقرأ جوابه، فينتهي النزاع على المكتوب.
اليابان: سوسانو
في السماء لم يحتل سوسانو، وإنّما كسر القواعد بيده. بعد العهد الذي تبادل فيه مع أخته أماتيراسو إنجاب الأولاد قال: «غلبتُ بلا شكّ»، ثم هدم الحدود بين حقول الأرز، وطمّ القنوات، ونثر الأقذار في القاعة التي تأكل فيها طعام الحصاد الأوّل. فاعتذرت عنه أخته وقالت إنّ ما يشبه القذر قيء أخيها من السكر، ولم تلمه. ثم ثقب سقف قاعة النسج ورمى فيها حصاناً أبلق سلخه من الخلف، فماتت النسّاجات، واختبأت الشمس في الكهف. «كوجيكي»، القسم 15. وفي روايات «نيهون شوكي» يبذر البذر مرّة ثانية فوق بذرها، ويغرس الأمشاط في الحقول، ويُرقد الخيل فيها.
والحيلة تأتي بعد الطرد. في إيزومو يأمر والدي الفتاة أن يعصرا خمراً قويّة ويضعا عند كلّ باب من أبواب السياج الثمانية وعاءً، فتشرب رؤوس ياماتا نو أوروتشي الثمانية وتنام، فيقطّعها، ويجد في ذيلها السيف كوساناغي. «كوجيكي»، القسم 18. وفي آخر أخباره يصير هو المخدوع: يأتيه في أرض الأعماق الإله الذي سيصير أوكونينوشي، سيّد الأرض الكبيرة، فيمتحنه سوسانو ببيت الحيّات وبيت الحريش والزنابير وبالنار في المرج، ثم ينام، فيربط الضيف شعره بعوارض السقف، ويسدّ البيت بصخرة عظيمة، ويأخذ سيفه وقوسه وقيثارته وابنته ويهرب. فتمسّ القيثارة شجرة فيدوّي صوتها، فيستيقظ سوسانو ويطارده، فإذا بلغ حدّ العالم السفلي صاح به أن يطارد إخوته بهذا السيف وهذه القوس ويصير سيّد الأرض.
التوازيات عبر الحضارات
| المحتال | الشاهد | القاعدة التي كسرها | ما تغيّر بعدها | ما أصابه |
|---|---|---|---|---|
| إنكي | «أتراحاسيس»؛ جلجامش 11 | قرار الآلهة بالوباء ثم بالطوفان | بقي البشر والحيوان | لا عقاب، ويعترف أمامهم |
| بروميثيوس | «الثيوغونيا» 535–616 | قسمة الذبيحة، ثم حجب النار | يأكل الناس اللحم ويحرقون العظام، ومعهم النار | القيد والنسر |
| هرمس | النشيد الرابع | ملك أخيه، والقسم | صار له نصيب بين الآلهة، وأخذ أبولو القيثارة | ضحك أبوه وأمر بالصلح |
| هيفايستوس | الأوديسة 8 | لا قاعدة، وإنّما يكشف خيانة زوجته | يُفضح العاشقان أمام الآلهة | لا شيء |
| لوكي | «خداع غيلفي» 42 و49–50 | عهد البنّاء، واليمين التي أخذتها فريغ من الأشياء | وُلد سليبنير، وجاءت كنوز الآلهة، ومات بالدر | قُيّد بأمعاء ابنه حتى راغناروك |
| أودين | «لغة الشعر» 6؛ «أقوال العالي» 109 | يمينه لباوغي | صار الشعر للآلهة والشعراء | لا عقاب، وتبكي غونلود |
| إيزيس | بردية النزاع | منع النساء من عبور النهر | حكم المجلس لحورس | يدفع الملّاح الثمن |
| سوسانو | «كوجيكي» 15 و18 و23 | حدود حقول الأرز وطهارة القاعة | اختبأت الشمس، ثم خرج السيف من ذيل الحيّة | الغرامة وقصّ اللحية وقلع الأظافر والطرد |
الحيلة في هذه القصص سلاح الأصغر أو الأضعف أو من لا يملك القرار. الرضيع هرمس أمام أخيه الكبير، وهيفايستوس الأعرج أمام آريس السريع، وإيزيس المرأة الممنوعة من الجزيرة أمام قوّة ست، وإنكي أمام قرار إنليل الذي أجمع عليه الآلهة. ومن يملك القوّة لا يحتاج إلى الحيلة: ست يحتجّ بقوّته فيُخدع، وزيوس يرى الحيلة ويختار.
وكثيراً ما يدفع الثمن غير المحتال. يأخذ البشر المرأة التي خرجت معها الشرور بسبب حيلة بروميثيوس، ويفقد الملّاح باطن قدميه بسبب حيلة إيزيس، ويموت بالدر، وتبكي غونلود، وتموت النسّاجات في قاعة أماتيراسو. والمحتال نفسه يُعاقب مرّة ويسلم مرّة: يُقيّد بروميثيوس ولوكي ويُطرد سوسانو، ويسلم إنكي وهرمس وأودين وإيزيس.
وتترك الحيلة عادة أو شيئاً يبقى بعدها. من ميكوني جاء حرق العظام للآلهة، ومن حيلة إيزيس صار الذهب مكروهاً في مدينة الملّاح، ومن شبكة لوكي تعلّم الآلهة صنع الشبكة، ومن رجفته تحت السمّ جاءت الزلازل، ومن رهان رأسه جاءت ميولنير، ومن سرقة هرمس صار البقر له والقيثارة لأبولو. ولذلك يتكرّر المحتالون أنفسهم بين الأبطال الحضاريين: بروميثيوس صاحب النار، وهرمس مخترع أعواد القدح، وأودين صاحب شراب الشعر، ولوكي صانع أوّل شبكة.
وتقع أكثر هذه الحيل عند الطعام والشراب: ذبيحة ميكوني، وجعة إنكي، والخبز الذي وُضع أمام باب نمتار، ونباتات نينهورساج، ولحم بقرات هرمس المقسوم اثني عشر نصيباً، ووليمة إيغير في «خصومة لوكي»، وشراب الشعر، ورغيف إيزيس للملّاح والخسّ الذي أكله ست، وقاعة الطعام الأوّل التي لوّثها سوسانو والخمر التي أسكر بها الحيّة. فالمائدة هي الموضع الذي تُقسم فيه الأنصبة، وفيها يُخدع من يملك القسمة.
ولا يصحّ اسم المحتال على كلّ من قُرن به. تحوت يكتب ولا يحتال، وإن جعلته المقالة الهندية مع إنكي وهرمس من آلهة الحكمة والمكر. وكوثر وحسيس صانع ظاهر الصنعة، لا تذكر نصوص أوغاريت عنه حيلة، ونصيحته بالنافذة نصيحة صحيحة يقبلها بعل. وست في البردية المصرية قوّة تُخدع، وفي خبر بلوتارخ وحده يدبّر المكيدة. وبروميثيوس محتال عند هسيود، صامد عند أيسخولوس. وهرمس محتال في النشيد، دليل أمين في الإلياذة. وكريشنا في «بهاغافاتا بورانا» يغيّر العادة جهراً، فيصرف قربان الرعاة عن إندرا إلى البقر والتلّ الذي يرعون فيه، ثم يرفع التلّ فوقهم حين يرسل إندرا العاصفة، فهو يكسر القاعدة ولا يخدع أحداً.
وأسماء المحتالين كما تُقرأ على صفحاتهم توافق ما يفعلون. لوكي «اللُّكَع» الذي يجمع المكر إلى الخسّة، وبروميثيوس «المُبرِم» الذي يفتل الحيلة محكمة قبل أن يختار زيوس، وهرمس «الحَرَمي» الذي لا يُمسّ، فهو يسرق ولا يُعاقب. وست «الساطي» صاحب السطوة، والاسم اسم قوّة لا اسم حيلة، وهذا ما هو عليه في البردية. وسوسانو من «ساس» و«السُّوس»: أُعطي البحر ليسوسه، ثم فعل بحقول الأرز ما يفعله السوس بالحبّ.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة النوردية لوكي مبدأ التغيير والتكيّف: ليس شرّاً كلّه ولا خيراً كلّه، ينفع الآلهة مرّة ويضرّهم مرّة، وكلّ تغيير فرصة وخطر معاً. وتقرأ تحوّله إلى فرس وسمكة وذبابة قدرةً على التكيّف مع بيئة الشمال القاسية، وتقرأ تقييده محاولة المجتمع أن يؤجّل الكارثة، وتقول إنّ القيد مؤقّت دائماً، فالطبيعة تفلت في النهاية في راغناروك. وتقابل المقالة النوردية الثانية لوكي بهرمس في جانب الخداع، وبإيشو الإفريقي المخادع، وبإبليس الذي كان بين الملائكة ثم تمرّد، فلوكي كان بين الآلهة، ثم قُيّد تحت الأرض، ثم يقود جيوش الفوضى في النهاية.
وتقرأ المقالة الإغريقية هرمس نظام التجارة والاتصال، وتقول إنّ كونه إله اللصوص يعني أنّ التجارة والسرقة كانتا وجهين لعملة واحدة، وإنّ التاجر والقرصان كانا في العالم القديم رجلاً واحداً في الغالب. وتقرأ المقالة السومرية إنذار إنكي للناجي من الطوفان أنّ المعرفة تنقذ من الكارثة، فمن يفهم علامات الطبيعة يستعدّ للفيضان، وتقرأ أخذ إنانا للمِه بالمكر انتقال الحضارة من إريدو إلى أوروك. وتجعل المقالة الهندية كريشنا وحورون الفينيقي وإنكي وتحوت وهرمس آلهة الحكمة والمكر. وتقرأ المقالة اليابانية سوسانو العواصف، وتقرأ الخمر التي أسكر بها الحيّة سدوداً تبطئ جريان الماء، والسيف الذي خرج من ذيلها رمال الحديد في مجرى النهر.
والنصوص تسند قراءة ثانية في الحياة الاجتماعية. أكثر ما يكسره المحتال حدود يعيش عليها الناس: قسمة الطعام بين من يأكل ومن يُقرَّب له، وملك القطيع وميراثه من الأب إلى الابن، واليمين والعقد مع الأجير، وحرمة الضيافة في الوليمة، وحدود الحقل وقنواته. ولذلك تقع الحيل عند المائدة وفي الحقل وعند المعبر، وتنتهي غالباً إلى حكم أو عادة: حرق العظام، وكراهة الذهب في مدينة الملّاح، ونصيب هرمس بين الآلهة. فالقصّة تشرح القاعدة بأن تروي كيف كُسرت أوّل مرّة.