ملخص
نهر الموتى الماء الذي يعبره الميت إلى داره الأخيرة. في شعوب كثيرة يموت الإنسان فيجد أمامه نهراً أو بحيرة أو قناة، وعليها معدّية يقودها ملّاح أو جسر يحرسه حارس، ولا يعبر إلّا من يدفع شيئاً: قطعة نقد، أو بقرة، أو ثيابه، أو اسمه، أو أعماله.
وأقدم قصّة تامّة تضع النهر والمعدّي في طريق العالم السفلي قصّة «إنليل ونينليل» السومرية. يأخذ إنليل الفتاة نينليل على ضفّة النهر فتحمل منه بالقمر سوين، فيحكم عليه الآلهة الخمسون والسبعة الذين يقضون الأقدار بأنّه نجس، فيخرج من المدينة، وتتبعه نينليل. فيقف في طريقه ثلاث مرّات، مرّة في صورة بوّاب المدينة، ومرّة في صورة «رجل إيد كورا، نهر العالم السفلي، النهر الآكل للناس»، ومرّة في صورة «رجل المعدّية»، ويوصي كلّاً منهم ألّا يخبرها أين ذهب. فتسأل كلّ واحد عنه، فيجيبها هو متنكّراً ويضطجع معها، فتحمل في كلّ مرّة ولداً ينزل إلى العالم السفلي مكان ابن سيّده الصاعد إلى السماء: نرگال، ثم نِنازو، ثم إنبيلولو مفتّش القنوات.
وتتكرّر الصورة في الشعوب. في ملحمة جلجامش يعبر الملّاح أورشنابي مياه الموت إلى أوتنابشتم، وفي مصر يدعو الميت الملّاح «الناظر إلى الوراء» أن يأتيه بالمعدّية، وعند الإغريق يأخذ خارون أجرته ويعبر بالموتى، وعند الإتروسكيين يقف خارون عند باب الموتى بمطرقته، وفي الهند يعبر الصالح نهر ڤيتارَني ويغرق فيه المسيء، وفي اليابان يقف عند نهر الطرق الثلاث شيطانان ينزعان ثياب الموتى، وفي الشمال يعبر الراكب إلى دار هيل نهر غيول على جسر مسقوف بالذهب، وفي فارس تعبر الروح جسر تشنڤات. ملحمة جلجامش، اللوح العاشر، «الأوديسة» 10.508–515، «گارودا پورانا» 2.15–20، «خداع غيلفي» 49.
والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ الموت عبور، وأنّ للعبور ثمناً. الماء يفصل الأحياء عن الموتى كما يفصل النهر بلداً عن بلد، فلا يُقطع إلّا بمعدّية أو جسر، والذي يقرّر من يعبر هو من يملك المعدّية أو يحرس الجسر. ويختلف الثمن فيكشف ما تقدّره كلّ جماعة: الإغريق يدفنون موتاهم ويضعون معهم القطعة، فلا يعبر غير المدفون، والهنود يعطون البراهمة بقرة، والزرادشتيون يعبرون بأعمالهم، والمصري يعبر بمعرفة الأسماء، والفارسي الذي بُكي عليه كثيراً يعبر بصعوبة لأنّ دموع أهله صارت نهراً.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: الكلمة التي تجمع هذا الباب «عَبَرَ». يقول المعجم الأكدي إنّ ebēru «إِبِيرُو» عبر النهر أو البحر أو السماء، وإنّ nēberu «نِيبِرُو» المعبر والمخاضة والمعدّية، وša nēberi «شَ نِيبِري» المعدّي. ويقول معجم براون ودرايفر وبرِغز إنّ العبري ʿābar «عابَر» عبر. وفي معجم لين: عبر النهر قطعه من شاطئ إلى شاطئ، وعبر الرجل مات، «كأنّه عبر جسر الدنيا»، والمِعبر ما يُعبر عليه النهر من سفينة أو جسر، والعَبْرة الدمعة. ففي مادّة واحدة النهر والمعدّية والموت والدمع، وهي ما يجمعه هذا الباب.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
ebēru |
إِبِيرُو | الأكدية | عبر النهر أو البحر أو السماء |
nēberu، ša nēberi |
نِيبِرُو، شَ نِيبِري | الأكدية | المعبر والمعدّية؛ المعدّي |
Hubur |
خُبُور | الأكدية | نهر العالم السفلي |
| עָבַר | عابَر | العبرية | عبر |
| Mꜣ-ḥꜣ=f | ماحاف | المصرية | «الناظر إلى الوراء»، ملّاح السماء |
| hm.t | هِمِت | المصرية | أجرة العبور |
| Χάρων، Στύξ، Ἀχέρων | خارون، سْتِيكْس، أَخِيرُون | اليونانية | الملّاح؛ نهر القَسَم؛ نهر الموتى |
vaitaraṇī |
ڤَيْتَرَنِي | السنسكريتية | نهر الموتى؛ البقرة التي تعبر بالميت |
| 三途川، 葬頭河 | «سانزو نو كاوا، سوزوكا» | اليابانية والصينية | نهر الطرق الثلاث؛ نهر دفن الرؤوس |
| Gjöll، Gjallarbrú | غْيُول، غْيالّارْبْرُو | النوردية القديمة | نهر باب هيل؛ جسره |
| عَبَرَ، مِعْبَر، عَبْرة | العربية | قطع النهر، ومات؛ المعدّية أو الجسر؛ الدمعة | |
| خَبار | العربية | أرض ليّنة تسوخ فيها القوائم |
العبور والدمعة
يقول المعجم الأكدي إنّ nēberu «نِيبِرُو» مشتقّ من ebēru «إِبِيرُو»، وإنّ له ثلاثة معانٍ: المعبر والمخاضة، والمعدّية، واسم كوكب في السماء. فالأكديون يسمّون الكوكب «معبراً» كما يسمّون المعدّية. ويقول معجم براون ودرايفر وبرِغز إنّ العبري ʿābar «عابَر» عبر ومرّ. وفي معجم لين ثلاثة أشياء تخصّ هذا الباب: «عبر» بمعنى مات، و«عابر السبيل» المسافر الذي يمرّ ولا يقيم، و«العَبْرة» الدمعة، أو الدمعة قبل أن تفيض، أو الحزن بلا بكاء. والعين في العربية عين في العبرية، وتسقط في الأكدية فيبدأ الفعل بحركة، كما في جدول قوانين مشروع جذور.
خوبور
يقول المعجم الأكدي إنّ Hubur «خُبُور» نهر العالم السفلي في الأدب البابلي المتأخّر، وإنّ الاسم نفسه اسم شهر في الأشورية القديمة واسم نبات. ونقرؤه على المنهج «خَبار»: الخاء الأكدية خاء عربية، والباء باء، والراء راء. وفي معجم لين: الخَبار الأرض الليّنة فيها جحور وحُفَر، أو الأرض الرخوة التي تسوخ فيها قوائم الدوابّ، ويقال في المثل «من تجنّب الخبار أمن العثار». فخوبور على هذه القراءة الأرض التي تسوخ فيها القدم فلا ترجع، وهذا ما يصنعه نهر العالم السفلي بمن ينزل إليه. وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ «الخبار» في العربية أرض رخوة لا نهر.
أسماء الأنهار الأخرى
اسم ڤيتارَني في السنسكريتية من vi-taraṇa «ڤِي تَرَنَ»، العبور، ويقول مونير وليامز إنّ vitaraṇa «ڤِتَرَنَ» العبور والإعطاء والهبة معاً، وتقول «گارودا پورانا» صراحة إنّ النهر سُمّي هكذا لأنّه يُعبر بالعطيّة. فالاسم السنسكريتي يجمع العبور والثمن كما يجمع الفعل العربي العبور والموت. وتقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع ستيكس «الكراهية» وأخيرون «الحزن». وفي اليابان يُكتب اسم النهر 三途 «سانزو»، «الطرق الثلاث»، ويذكر النصّ الصيني الياباني ثلاث طرق للعبور. واسم Gjöll «غْيُول» وجسره Gjallarbrú «غْيالّارْبْرُو» من حروف الفعل gjalla «غْيالّا»، ويقول معجم كليزبي وڤيغفوسون إنّه صاح وصرخ، ويقال للثور إذا خار وللوتر إذا رنّ، والجسر في «خداع غيلفي» يدوّي تحت الراكب الحيّ وحده كما دوّى تحت خمسة أفواج من الموتى.
الشواهد بحسب الحضارة
بلاد الرافدين: مياه الموت والملّاح الذي يُطرد
في اللوح العاشر من ملحمة جلجامش يحطّم جلجامش «أصحاب الحجر» الذين كان أورشنابي يعبر بهم، فيقطع بدلهم ثلاثمئة مِردى يدفع بها القارب، فلا تمسّ يده مياه الموت، فلمّا نفدت المرادي خلع ثوبه ورفعه شراعاً. ثم يدفع الملّاح ثمن هذه العبرة: يطرده أوتنابشتم من المرسى بعد أن خسر جلجامش امتحان النوم، فيرجع معه إلى أوروك. وتروي صفحة أورشنابي الخبر.
مصر: الملّاح الذي ينظر إلى الوراء
في نصوص الأهرام يُعيّن رع الملك پيپي للملّاح «الناظر إلى الوراء»، ملّاح قناة يسمّيها المعجم «قناة السكّين»، ليأتيه بالمعدّية التي يعبر بها الآلهة إلى الجانب الشرقي من السماء. ويقول نصّ آخر إنّ أجرة الملك لم تؤخذ في المعدّية الكبيرة. وفي «كتاب الموتى» يصيح الميت: أيّها الناظر إلى الوراء، أيقظ لي «عاقن»، أي حافظ القارب، ثم تسأله أجزاء المعدّية عن أسمائها، فيجيب كلّ جزء باسمه، ومنها: «صُنعتم من جلد منيڤيس وأوتار ست». وفي حكاية «الفلّاح الفصيح» يعيب الفلّاح القاضي بأنّه «معدٍّ لا يعبر إلّا بمن معه الأجرة».
اليونان وروما: الأجرة والدفن
تصف «الأوديسة» العالم السفلي بأنهار: يصبّ في أخيرون پيريفليگيثون وكوكيتوس، وهو فرع من ماء ستيكس. ويقول هسيود إنّ ستيكس ابنة أوقيانوس، وإنّ ماءها قَسَم الآلهة الأكبر: من حلف به من الخالدين كاذباً رقد عاماً كاملاً بلا نفس، لا يذوق الأمبروسيا والنكتار، ثم يُقصى عن مجالس الآلهة تسع سنين. وأقدم ذكر لخارون في شعر «المينيادا» الذي ينقل عنه پاوسانياس: «القارب الذي يركبه الموتى، والذي كان الملّاح الشيخ خارون يقوده». وفي «الضفادع» لأريستوفانيس يقول هيراكليس لديونيسوس: ستأتي بحيرة لا قعر لها، فيعبر بك شيخ ملّاح في قارب صغير، ويأخذ أجرته أوبولين. ويقول فرجيل إنّ خارون يعبر بالمدفونين وحدهم، أمّا من لم يُدفن فيطوف على الشاطئ مئة سنة ثم يُقبل.
الهند: ڤيتارَني والبقرة
تصف «گارودا پورانا» في وسط طريق يما نهر ڤيتارَني، عرضه مئة يوجانا، يجري قيحاً ودماً، على ضفّتيه أكوام العظام، فيه التماسيح، يغلي حين يرى المسيء. فيأتي الصيّادون بقارب ويقولون: من أعطى بقرة جاءه القارب، وإلّا فلا. ومن لم يعطِ غرق، فيُثقب شفته بسفّود ويُحمل فوق النهر كالسمكة على الصنّارة. ولذلك يوصي الكتاب الإنسان أن يعطي قبل موته بقرة سوداء أو حمراء، يُذهَّب قرنها، ويُوضع عليها تمثال من ذهب لـيما، ويقول: «السلام عليك يا ڤيتارَني»، فلا يظهر له النهر في الطريق الكبير.
الصين واليابان: الشجرة التي تزن الثياب
في النصّ الصيني الياباني «سوترا الملوك العشرة وأسباب حضور كشيتيگربها»، يصل الميت في اليوم الرابع عشر إلى قصر الملك الثاني عند نهر «دفن الرؤوس»، ومعبره يُسمّى «معبر ناي»، وللعبور ثلاث طرق: مخاضة جبلية ضحلة، ولجّة عميقة، وجسر. ويقود الموتى حرّاس برؤوس ثيران وخيل، ويحمل الرجلُ الأوّل الذي عرفته المرأة تلك المرأةَ على ظهره في العبور. وعند الضفّة شجرة اسمها «شجرة طوق الثوب»، تحتها شيطانان: عجوز تنزع الثياب، وشيخ يعلّقها على الأغصان، فينحني الغصن على قدر الذنب. ويقول النصّ إنّ أهل الميت يضعون معه عصا طولها ثلاثة أقدام عليها صورة كشيتيگربها، وزوجاً من النعال لطريق الجبل. ويقول معجم المصطلحات الفنّية الياباني إنّ هذا النصّ وُضع في اليابان بعد نصّ صيني من القرن العاشر عن الملوك العشرة.
الشمال: الجسر الذي يرنّ
يقول «خداع غيلفي» إنّ الأنهار تخرج من نبع هڤيرغيلمير في نيفلهايم، وإنّ غيول أقربها إلى باب هيل. وحين يركب هيرموذر إلى هيل يطلب أخاه بالدر، يسير تسع ليال في أودية مظلمة عميقة حتى يبلغ نهر غيول، فيعبر جسر غيالّار المسقوف بالذهب الساطع، فتسأله الحارسة مودگود عن اسمه ونسبه، وتقول: عبر الجسر أمس خمسة أفواج من الموتى، وهو لا يرنّ تحتك وحدك أقلّ ممّا رنّ تحتهم، وليس لك لون الموتى.
فارس: الجسر ونهر الدموع
يقود الجسر روح الصالح إلى الجنّة ويضيق على الطالح، كما في صفحة جسر تشنڤات. وفي «كتاب أرداي ڤيراف» يرى الكاهن في رحلته إلى العالم الآخر نهراً عظيماً مظلماً، عليه أرواح كثيرة، منها من لا يقدر أن يعبر، ومنها من يعبر بمشقّة، ومنها من يعبر بسهولة. فيقال له: هذا النهر دموع الناس التي يذرفونها على موتاهم بغير حقّ، فالذين لا يقدرون على العبور هم الذين بُكي عليهم كثيراً بعد موتهم.
التوازيات عبر الحضارات
من يعبر ومن يدفع. الملّاح الإغريقي يأخذ أوبولين ويعبر بالمدفونين، والملّاح الهندي يعبر بمن أعطى بقرة، والملّاح المصري يعبر بالملك بلا أجرة وبالميت إذا عرف أسماء القارب، والحارسة الشمالية تسأل الراكب عن اسمه ونسبه، والجسر الفارسي يتّسع ويضيق بالأعمال، والشجرة اليابانية تزن الثياب. وفي بلاد الرافدين لا يدفع الحيّ الذي يعبر مياه الموت أجرة، بل يقطع بيده ثلاثمئة مِردى، ويدفع الملّاح نفسه الثمن فيُطرد. وفي فارس يعبر الميت بدموع غيره، فمن بكى عليه أهله كثيراً ثقل عبوره.
ويقف عند النهر في أكثر هذه القصص من يحكم على العابر. فالعبور يمهّد لـمحاكمة الموتى: بعد نهر الملك الثاني في السوترا اليابانية قصر ملك فيه ميزان يزن الذنوب، وعند جسر تشنڤات يزن رشنو الأعمال، وفي مصر يُوزن القلب أمام أوزيريس. والنهر نفسه حدّ يقطعه من ينزل إلى العالم السفلي حيّاً، كما في النزول إلى العالم السفلي: جلجامش يعبره حيّاً، وهيرموذر يعبر الجسر فيدوّي تحته، وديونيسوس في «الضفادع» يجادل خارون في الأجرة.
ويحمل الماء في هذه القصص صفة الماء الأوّل، كما في المياه الأولى: في مصر يُعبر نهر السماء نحو المشرق، ومياه الموت في جلجامش تفصل الناس عن الناجي من الطوفان. وفي العربية العبور والتعبير من مادّة واحدة، فيلتقي هذا الباب بـالعرافة والوحي: «عبر الرؤيا» فسّرها. وفي مصر تُصنع أجزاء المعدّية من جلد ثور منيڤيس، كما في الثور المقدّس.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع العالم السفلي علماً بالأرض مرموزاً: نهر ستيكس الذي يفصل الأحياء عن الموتى مستوى الماء تحت الأرض، والموتى «يعبرونه» لأنّ الجثث تُدفن تحته، وخارون طقس الدفن، والقطعة النقدية في فم الميت عادة دفن حقيقية يشهد لها علم الآثار. وتقرأ أنهار العالم السفلي الخمسة: ستيكس الماء الجوفي الراكد، وأخيرون الأنهار البطيئة في المستنقعات، وفليگيثون الحمم تحت الأرض، وكوكيتوس صوت الماء في الكهوف، وليثي التحلّل الذي ينسى فيه الميت. وتقرأ المقالة الفارسية جسر تشنڤات سابقاً للصراط، الجسر الذي يتّسع للمؤمن ويضيق على الكافر.