هِيكاتي

ملخص

هِيكاتي في أساطير الإغريق ربّة لها نصيب في كلّ عالم: في الأرض والبحر والسماء، وعند مفترق الطرق، وعلى الطريق بين الأحياء والموتى. واسمها في اليونانية Ἑκάτη / Hekatē «هِيكَاتِي». ويسمّيها هِسْيُود ابنة التيتانين پِرْسِيس وأَسْتِيريا، وأَسْتِيريا أخت ليتو أمّ أبولو، ويخصّها في «الثيوغونيا» بنشيد طويل. يقول إنّ زيوس أكرمها فوق الجميع، وأعطاها «حصّة» في الأرض وفي البحر الذي لا يُحصد، ولها كرامة في السماء ذات النجوم، فكلّ من قدّم قرباناً من الناس ودعا يدعو هيكاتي. وكان لها نصيبها في زمن التيتان، فلمّا ملك زيوس لم يظلمها ولم يأخذ شيئاً من نصيبها، بل بقي لها كما قُسم من البدء امتياز في الأرض والسماء والبحر. ومن تشاء تعينه: تجلس إلى جانب الملوك المهيبين حين يقضون، ويعلو من تشاء في المجلس، وتعطي النصر في الحرب والمجد في المسابقات، وتعين الفرسان، والصيّادون في البحر يدعون هيكاتي وبوسيدون فتعطيهم صيداً كثيراً أو تأخذه إن شاءت، وتزيد القطعان مع هرمس أو تنقصها. وجعلها زيوس مربّية الصغار الذين يرون نور الفجر من بعد ذلك اليوم.

ولها في «النشيد الهوميري إلى ديميتر» دور في قصّة الخطف. حين خطف هاديس بيرسيفوني صرخت تدعو أباها، فلم يسمعها أحد من الآلهة ولا من الناس إلّا هيكاتي، «الرقيقة القلب ذات العصابة البرّاقة»، من كهفها، وهيليوس. وطافت ديميتر تسعة أيام والمشاعل في يديها لا يخبرها أحد، فلمّا طلع فجر اليوم العاشر لقيتها هيكاتي وفي يديها مشعل، وقالت: من خطف بيرسيفوني؟ سمعت صوتها ولم أرَ بعينيّ من أخذها. فأسرعت معها ديميتر والمشاعل في يديها حتى وقفتا أمام خيل هيليوس، فأخبرها. وفي آخر النشيد، بعد أن رجعت بيرسيفوني إلى أمّها، جاءت هيكاتي فعانقت ابنة ديميتر مرّات، ومن ذلك اليوم صارت «خادمة بيرسيفوني ورفيقتها».

وبعد هسيود والنشيد صارت هيكاتي ربّة المفترق والمشعل والسحر. يقول المعجم اليوناني إنّ «عشاء هيكاتي» طعام يضعه الأغنياء عند تمثالها في مفترق الطرق الثلاثة في آخر كلّ شهر، فيأكله الفقراء، ويذكر من ألقابها «حاملة الضوء». ويقول باوسانياس إنّ أهل إيجينا يعبدون هيكاتي أكثر من كلّ الآلهة، ويقيمون لها كلّ سنة طقوساً سرّية يقولون إنّ أورفيوس سنّها لهم، وإنّ تمثالها عندهم بوجه واحد وجسد واحد، وإنّ أوّل من صنع لها ثلاث صور ملتصقة النحّاتُ ألكامينيس في أثينا، ويسمّيها الأثينيون «التي على البرج»، وهي قائمة عند معبد النصر الذي لا جناح له. ويقول يانوس عند أوفيد: ترى وجوه هيكاتي متّجهة إلى ثلاث جهات، لتحرس المفترق حيث تنقسم الطرق ثلاثة.

وأشهر من خدمها ميديا، ابنة ملك كولخيس. يقول أبولونيوس الرودسي إنّها كانت كاهنة هيكاتي، تقضي النهار كلّه في معبدها، وإنّ هيكاتي علّمتها الأعشاب التي تُطفأ بها النار وتُوقف بها الأنهار. ولمّا جاء ياسون يطلب الجزّة الذهبية أعطته ميديا الدواء، وأمرته أن يقرّب لهيكاتي في الليل، فذهب إلى مكان بعيد عن الناس، واغتسل في النهر، وحفر حفرة، وذبح عليها نعجة، وأوقد الحطب، وصبّ الخمر واللبن، ودعا هيكاتي «بريمو» أن تعينه، ثم رجع ولم يلتفت. فسمعته الربّة من أعمق الأعماق وجاءت إلى ذبيحته، وحولها حيّات مرعبة ملتفّة على أغصان البلّوط، وبريق مشاعل لا تُحصى، وكلاب العالم السفلي تعوي حولها، فارتجّت المروج تحت خطاها. وتحلف ميديا عند يوريبيديس «بهيكاتي التي أعبدها أكثر من كلّ الآلهة، معينتي التي تسكن في داخل بيتي».

والفكرة التي تدور عليها أخبار هيكاتي أنّها تملك حصّة في كلّ عالم وتقف حيث يُعبر من عالم إلى آخر. عند هسيود حصّتها في الأرض والبحر والسماء قديمة، أقدم من ملك زيوس، ولم يأخذها منها. وفي النشيد تسمع من كهفها ما جرى في الظلام، وتحمل المشعل، ثم تصير رفيقة بيرسيفوني التي تنزل كلّ سنة إلى بيت هاديس وتصعد. وفي العبادة تقف عند المفترق، حيث يلتقي ثلاثة طرق، بثلاثة وجوه. فهي حارسة المواضع التي يمرّ بها الإنسان من شيء إلى شيء: الطريق إلى الطريق، والحياة إلى الموت، والطفل إلى الرجولة.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرؤه: في أوّل Ἑκάτη «هِيكَاتِي» نفس الهاء، ثم كاف، ثم تاء، ثم الياء التي هي علامة الاسم المؤنّث في اليونانية. ونقرؤه «الحَقّة». في معجم لين أنّ الحقّ ما يستحقّه المرء ويجب له، وأنّه «الحصّة أو النصيب الذي عُيّن لصاحبه وقُسم له»، كما في قولهم «أعطِ كلّ ذي حقٍّ حقَّه»، وأنّ «الحَقّة» و«الحِقّة» أخصّ من الحقّ: «هذه حِقّتي»، أي حقّي الواجب لي. فالحاء تصير في اليونانية نفس الهاء، والقاف تصير كافاً لأنّ اليونانية لا قاف فيها، والقاف المشدّدة تأتي مفردة، وتاء التأنيث العربية هي التاء اليونانية. وهذا ما يجعله هسيود موضوع نشيده كلّه: ربّة نصيبها حقّ ثابت لها منذ القسمة الأولى، لم يأخذه منها الملك الجديد، وتعطي منه من تشاء.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما هي
Ἑκάτη هِيكَاتِي اسم الربّة عند هسيود وفي النشيد إلى ديميتر
Ἕκατος هِيكَاتُوس لقب أبولو، ويردّ المعجم اليوناني اسم هيكاتي إليه
Ἑκάτη φωσφόρος هِيكَاتِي فُوسْفُورُوس هيكاتي حاملة الضوء
Βριμώ بْرِيمُو اسمها عند أبولونيوس
الحَقّ، الحَقّة، الحِقّة ما يجب للمرء؛ نصيبه المقسوم له؛ حقّه الخاصّ

يردّ المعجم اليوناني Ἑκάτη «هِيكَاتِي» إلى Ἕκατος «هِيكَاتُوس»، أحد ألقاب أبولو، ويترجم اسمها «التي تفعل ما تشاء». وهذا قريب ممّا يكرّره هسيود في نشيده: تعين «من تشاء»، وتعطي الصيد وتأخذه «إن شاءت»، وتزيد القطعان وتنقصها «إن شاءت». فالمعنى اليوناني والقراءة العربية يلتقيان عند امرأة لها حصّة تتصرّف فيها كما تشاء.

ويخالف المعجم الاشتقاقي اليوناني لـ Beekes «بِيكِس» هذا الاشتقاق في أصله. يقول إنّ هيكاتي ربّة شعبية جاءت من الأناضول، ومن كاريا على الخصوص، وإنّ اسمها كان لقباً ظُنّ أنّه مأخوذ من لقب أبولو «الرامي من بعيد»، لكنّه لا يرى سبباً لافتراض حرف الواو القديم في أوّله، ويرجّح أنّه من لغة ما قبل الإغريق. وينقل عن Wilamowitz «ڤِيلَامُوڤِيتْس» أنّ Ἕκατος «هِيكَاتُوس» وἙκάτη «هِيكَاتِي» من لغة أناضولية جعلها الإغريق على صورة ألقاب أبولو، ويذكر أسماء أعلام أناضولية مبنيّة عليها، مثل Ἑκαταῖος «هِيكَاتَايُوس». فالاشتقاق اليوناني لم يعد التفسير الوحيد، والنَّفَس الذي في أوّل الاسم ليس بقيّة حرف آخر، فتبقى الحاء في «الحَقّة» على طريقها. ويبقى أن يُعثر على صيغة كارية أو أناضولية للاسم نفسه.

ولكلمة الحقّ في معجم لين معانٍ كثيرة. أوّلها أن يكون الشيء ثابتاً واجباً لا يُدفع، و«حقّ عليك القضاء» وجب ونفذ. ثم الحقّ ما يُستحقّ: الأجر والثمن والواجب والنصيب الذي عُيّن لصاحبه. و«حاقّه» خاصمه، كلّ منهما يدّعي الحقّ لنفسه. والقراءة تأخذ معنى النصيب الثابت. والحروف: الحاء من الحروف الحلقية التي تصير في اليونانية نفس الهاء أو تسقط، والقاف تصير كافاً، والتاء تاء. وموضع الضعف أنّ لليونانية تحليلاً لاسمها من لقب أبولو، وأنّ الاسم لا يُعرف في نقش ساميّ.

وتذكر المقالة الرومانية في هذا المشروع هيكاتي حين تقرأ اسم ديانا «ديّان»، أي الحاكم القاضي، فتقول إنّ هيكاتي اليونانية، ربّة الحدود والسحر، لها دور حكم مشابه. وهسيود يجعل هيكاتي تجلس إلى جانب الملوك حين يقضون. والحقّ في العربية ما يقضي به القاضي لصاحبه. فالقراءتان، «ديّان» في ديانا و«الحقّة» في هيكاتي، تلتقيان عند القضاء.

التحوّلات المستعملة: الحاء نفس هاء؛ القاف المشدّدة كاف مفردة؛ تاء التأنيث تاء.

السرديات الأسطورية الرئيسة

بريمو ملكة الموتى

حين تهيّئ ميديا الدواء الذي يحمي ياسون من النار والحديد، دواءً من نبتة نبتت من دم بروميثيوس على جبل القوقاز، تغتسل في سبعة أنهار، وتدعو سبع مرّات «بريمو، مربّية الصغار، التي تجول في الليل، التي في باطن الأرض، ملكة الموتى»، في ظلمة الليل وهي في ثياب داكنة. فارتجّت الأرض تحتها وخارت حين قُطع الجذر. فهيكاتي هنا تحمل اللقب الذي يعطيه لها هسيود، مربّية الصغار، وتحمل معه لقب ملكة الموتى.

عشاء هيكاتي

يقول المعجم اليوناني، معتمداً على أريستوفانيس وشرّاحه، إنّ عشاء هيكاتي كان يوضع عند تمثالها في مفترق الطرق في اليوم الثلاثين من كلّ شهر، فإذا تُرك هناك أكله المحتاجون، ولأنّه كان من فضلات الطعام صار «أكل الهيكاتيّات» عند ديموسثينيس صفة للرجل الوضيع. فالقربان الذي يوضع للربّة في المفترق، في آخر الشهر حين يغيب القمر، يصير حصّة للفقراء.

القراءة الرمزية

لا تقرأ المقالة الإغريقية هيكاتي. وتقابل المقالة السومرية لاماشتو، الشيطانة التي تخطف الرضّع وتمرض الحوامل، بليليث العبرية وبهيكاتي اليونانية وبعمّيت المصرية. وهسيود يجعل هيكاتي على العكس من ذلك مربّية الصغار، فالمقالة تقابل الوجه المظلم الذي صارت إليه هيكاتي عند المتأخّرين، ربّة الليل والكلاب والسحر.

وفي النشيد إلى ديميتر كلمة تجمع هيكاتي بأخت أبيها في النسب، القمر. الضوء الذي تحمله هيكاتي في يدها حين تلقى ديميتر يسمّيه النشيد σέλας «سِيلَاس»، وهي الكلمة التي اشتُقّ منها اسم سيليني، القمر. فهيكاتي حاملة الضوء في الليل، وتقف في المفترق في آخر الشهر حين يغيب القمر، ثم يأتي من بعدها القمر الجديد.

التوازيات عبر الحضارات

في مصر ربّتان تحرسان الملك وتجلسان على جبينه، واجيت ونخبت، الكوبرا والنسر. وتخاطب نصوص الأهرام التاج الأحمر والصلّ: «أيّتها العظيمة، العظيمة السحر»، ويسألهما الملك أن يجعلا هيبته كهيبتهما وسيفه ماضياً على أعدائه. وهيكاتي عند هسيود تجلس إلى جانب الملوك حين يقضون وتعطي النصر في الحرب، وهي عند أبولونيوس ربّة السحر التي تأتي في الليل والحيّات ملتفّة حولها وبريق المشاعل معها. فالربّة في البلدين قوّة سحر وحماية إلى جانب الملك، وفي البلدين معها الحيّة والنار.

وفي بلاد الرافدين ملكة الموتى إريشكيغال، ولها وزير يحمل كلامها إلى السماء ويرجع، نمتار. وهيكاتي عند ميديا «ملكة الموتى»، وفي النشيد إلى ديميتر رفيقة ملكة الموتى بيرسيفوني وخادمتها، تذهب معها وتجيء. فإريشكيغال ملكة لا تخرج من بيتها، ويخرج عنها وزيرها، وهيكاتي هي التي تمشي على الطريق بين العالمين.

وفي روما يقارن يانوس عند أوفيد وجهيه بوجوه هيكاتي الثلاثة عند المفترق، ويسمّي الشاعر كاتولّوس ديانا «ترِيفِيا»، ربّة الطرق الثلاثة، وهو لقب هيكاتي نفسها.

وصلتها بالانتقال بين العالمين تجعلها من قصّة النزول إلى العالم السفلي، ومن قصّتها مع بيرسيفوني في التقويم الزراعي.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. هسيود، «الثيوغونيا» 404–452؛ النشيد الهوميري إلى ديميتر، ترجمة إيفلين-وايت.

  2. أبولونيوس الرودسي، «الأرغونوتيكا» 3؛ يوريبيديس، «ميديا» 395–397.

  3. باوسانياس 2.30.2؛ أوفيد، «الأعياد» 1؛ كاتولّوس 34.

  4. المعجم اليوناني: Ἑκάτη «هِيكَاتِي»، σέλας «سِيلَاس».

  5. معجم لين، حقّ.

  6. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 1.

  7. Beekes «بِيكِس»، مادّة Ἑκάτη «هِيكَاتِي»