ملخص
أوراشيما صيّاد من ساحل تانغو في غرب اليابان، وقصّته أقدم ما بقي في أدب اليابان عن رجل تزوّج امرأة من البحر وعاش عندها في العالم الآخر، ثم رجع فخسر كلّ شيء. ويرويها ثلاثة نصوص من القرن الثامن: «نيهون شوكي» سنة 720، وقصيدة في «مان'يوشو»، مجموعة الشعر القديمة، وقطعة من «فودوكي تانغو»، كتاب أخبار الإقليم. أمّا اسم تارو، أي الابن البكر، فأُعطيه في حكايات القرن الخامس عشر.
يقول «نيهون شوكي» في أخبار السنة الثانية والعشرين من حكم الإمبراطور يُورياكو إنّ رجلاً من تسوتسوكاوا في إقليم تانبا، هو ابن أوراشيما من ميزونوئه، خرج يصيد في قارب، فاصطاد سلحفاة كبيرة، فتحوّلت في الحال امرأة، فأحبّها وتزوّجها، ونزلا معاً في البحر إلى جبل هوراي، فرأيا الخالدين. ثم يقول الكتاب: «والقصّة في كتاب آخر». ويقول مترجمه أستون إنّ الحاشية اليابانية تقرأ هوراي «توكويو نو كوني»، البلاد الدائمة.
وأتمّ الروايات القديمة القصيدة 1740 في الكتاب التاسع من «مان'يوشو»، وهي من مجموعة الشاعر تاكاهاشي نو موشيمارو. يقف الشاعر على شاطئ سومينوئه في ضباب الربيع، فيرى قوارب الصيد تتمايل، فيتذكّر الخبر القديم: كان أوراشيما من ميزونوئه يفخر بصيد سمك البونيت والدنيس، فلم يرجع إلى بيته سبعة أيام، وجدّف حتى جاوز حدّ البحر، فلقي ابنة كامي البحر، فتواعدا، وذهبا إلى توكويو، ودخلا يداً بيد بيتاً جميلاً في قصر كامي البحر، وكان يمكن أن يبقى فيه أبداً لا يشيخ ولا يموت. لكنّ الرجل الأحمق قال لزوجته: أرجع إلى البيت قليلاً فأكلّم أبي وأمّي، وأعود غداً. فقالت: إن كنت تريد أن ترجع إلى توكويو وتعيش معي كما الآن فلا تفتح هذه العلبة. فلمّا رجع إلى سومينوئه طلب بيته فلم يجده، وطلب القرية فلم يجدها، فقال في نفسه: كيف يختفي بيتي في ثلاث سنين حتى لا يبقى منه سياج؟ لعلّي إن فتحت العلبة رجع كلّ شيء كما كان. ففتحها قليلاً، فخرجت منها سحابة بيضاء ومضت نحو توكويو، فجرى وصاح ولوّح بكُمّيه وتمرّغ في الأرض، ثم ذهب قلبه، فتجعّد جلده الذي كان شابّاً، وابيضّ شعره الذي كان أسود، ثم انقطع نفَسه ومات. ويختم الشاعر: هنا كان بيت أوراشيما.
وفي قطعة «فودوكي تانغو»، التي حفظها كتاب «شاكو نيهونغي» من القرن الثالث عشر، يصير الخبر نسباً: الصيّاد شيماكو من مرفأ ميزونوئه في قرية تسوتسوكاوا من ناحية يوسا، وهو جدّ آل كوساكابه في تانغو، والعلبة فيها «تاماكوشيغه»، علبة الأمشاط المرصّعة التي تحفظ فيها المرأة زينتها.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العالم الآخر يعطي حياة لا شيخوخة فيها ولا موت، على شرط واحد، والرجل الذي يريد العالمين معاً يخسرهما معاً. الزمن هناك قصير وهنا طويل: ثلاث سنين في قصر البحر، وفي البرّ قرية لم يبق منها شيء، ثم صارت في الحكايات المتأخّرة ثلاثمائة سنة وسبعمائة. والعلبة تحفظ ما أُعطيه: تقول موسوعة نيبونيكا إنّ أصل الخبر على الأرجح الاعتقاد بروح تُحفظ خارج الجسد فلا يموت صاحبها، وإنّ العلبة وعاء تلك الروح، فلمّا فتحها خرجت الحياة التي كانت تمسك شبابه. والزواج نفسه زواج بامرأة من العالم الآخر تضع شرطاً فيُكسر، كما كسر هووري شرط زوجته ابنة كامي البحر حين نظر إليها وهي تلد.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ هذا البطل. الاسم القديم 浦島子 «أُورَاشِيمَا نُو كُو»، وفيه ثلاث كلمات يابانية: 子 ko «كُو» الابن أو الفتى، و島 sima «شِيمَا» الجزيرة، و浦 ura «أُورَا». والكلمة الأخيرة في معجم اليابانية القديمة لفظان: المرفأ الداخل في البرّ، والباطن والجهة الخفيّة من الشيء. وهي في العربية «وراء»: يقول معجم لين: «ورائي كذا» أي خلفي، و«من وراءِ وراءَ» أي من خلف شيء يستر، و«واراه» أي أخفاه وستره. والواو تسقط قبل الضمّة كما تسقط في جداول مشروع جذور، والراء راء، والهمزة الأخيرة تسقط. فأوراشيما جزيرة الوراء، الأرض التي خلف حدّ البحر، وهذا ما يفعله في القصيدة: يجدّف حتى يجاوز حدّ البحر إلى توكويو.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المصدر | المعنى |
|---|---|---|---|
| 水江浦嶋子 | ميزونوئه نو أوراشيما نو كو | «مان'يوشو» 9: 1740 | أوراشيما من ميزونوئه |
| 浦嶼子 | أوراشيماكو، شيماكو | «فودوكي تانغو» | شيماكو من مرفأ ميزونوئه |
| 浦 ura | أورا | اليابانية القديمة | المرفأ الداخل في البرّ |
| 裏 ura | أورا | اليابانية القديمة | الباطن، الجهة الخفيّة، القلب |
| 島 sima | شيما | اليابانية القديمة | الجزيرة |
| 太郎 | تارو | القرن الخامس عشر | الابن البكر |
| وراء، واراه | العربية | خلف، ما يستره الشيء؛ أخفاه |
يسجّل معجم اليابانية القديمة، المبنيّ على نصوص القرن الثامن، ثلاثة ألفاظ تُكتب ura «أُورَا»: المرفأ، والباطن والجهة السفلى والقلب، وأعلى النبات. ويعدّها ألفاظاً مستقلّة. ومن الثاني ألفاظ كثيرة معناها ما يجري في القلب دون أن يظهر: الحنين في القلب، والبكاء في النفس، والانتظار في قلق.
والقراءة العربية تجمع المعنيين اليابانيين في «وراء»: المرفأ الذي يدخل خلف البرّ ويستتر به، والجهة الخفيّة من الشيء. ولين يجمع في الجذر نفسه الخلف والستر: «وراء» خلف، و«واراه» أخفاه. والواو أوّل الكلمة العربية لا تظهر في اليابانية، لأنّ اليابانية القديمة لا تبدأ بـwu «وُو»، فالواو والضمّة صوت واحد، والواو من الحروف التي تسقط في جداول مشروع جذور. والراء باقية، والهمزة الأخيرة تسقط.
والقراءة تقرأ ura وحدها. أمّا sima «شِيمَا» فكلمة الجزيرة اليابانية، وقد كتبها شعراء القرن الثامن حرفاً مستقلّاً، كما في اسم كاشيما. وأمّا 子 ko «كُو» فالابن، وتارو اسم أُعطيه في حكايات القرن الخامس عشر.
وحدّ القراءة أنّ المعجم الياباني يفصل المرفأ عن الباطن، وأنّ «فودوكي تانغو» يجعل اسمه شيماكو ويجعل المرفأ للمكان، مرفأ ميزونوئه.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الحكاية في القرون المتأخّرة
في حكاية «أوراشيما تارو» من القرن الخامس عشر يبدأ الخبر بإحسان: يصطاد أوراشيما سلحفاة فيطلقها، فتأتيه في الغد امرأة في قارب، فيحملها إلى قصر التنّين ريوغو، فيتزوّجها، فلمّا أراد الرجوع بعد ثلاث سنين أخبرته أنّها السلحفاة التي أطلقها، وأعطته علبة لا يفتحها. فيجد في البرّ أنّ سبعمائة سنة مضت، فيفتح العلبة، فيخرج منها دخان، فيصير شيخاً، ثم يصير كركياً، ويُعبد في تانغو باسم أوراشيما ميوجين. ثم صارت السلحفاة في كتب الأطفال من القرن الثامن عشر تحمله على ظهرها ذهاباً وإياباً. وفي مزار أورا في بلدة إينه بتانغو تُحفظ إلى اليوم سجلّات قديمة لأصل الخبر.
أخوات الحكاية
تقول موسوعة هيبونشا إنّ حكاية أوراشيما في جزيرة أوكينوئيرابو جُمعت بقصّة صيد البحر وصيد الجبل، أي قصّة هووري وأخيه، وإنّ حكايات من الصين وكوريا وتايوان والتبت تشبهها، وأقربها خبر بنت التنّين عند بحيرة دونغتينغ في الصين. وتذكر موسوعة نيبونيكا أنّ مرور الزمن في العالم الآخر أسرع منه في عالم الناس يرد أيضاً في حكاية كاغويا هيمه. وهو نمط حكائي معروف في العالم، منه في الأدب الإنجليزي المتأخّر حكاية الرجل الذي نام عشرين سنة في الجبل.
التوازيات عبر الحضارات
يحبّ حمّو أونامير في حكاية الأمازيغ امرأة من السماء تتزوّجه، فيخسرها بسبب أمّه، ثم يصعد إليها في السماء السابعة، ثم يخسر نفسه حين يحنّ إلى أمّه. وأوراشيما يتزوّج ابنة البحر ويعيش في توكويو، ثم يطلب الرجوع ليكلّم أباه وأمّه، فيخسر الزوجة والحياة معاً. ففي الخبرين يقف الرجل بين امرأة من العالم الآخر وبيت أبويه، ولا يقدر أن يجمع بينهما.
وحمل جلجامش نبتة الشباب من قاع البحر يريد أن يرجع بها إلى أوروك، فأخذتها الحيّة وهو يغتسل في الطريق. وأوراشيما يحمل من قصر البحر علبة فيها حياته، فيفتحها حين يرجع. فالذي يُعطى من العالم الآخر في القصّتين يضيع في الطريق إلى البيت أو عند بابه، والإنسان يرجع إلى عمره.