ملخص
أيّور هو القمر في الأمازيغية، وهو أيضاً الشهر، لأنّ الشهر عندهم يبدأ بظهور الهلال. وهو أوسع أسماء القمر انتشاراً في لهجاتها: ayyur «أَيُّور» وayur «أَيُور» في أكثر بلاد المغرب، وaggur «أَگُّور» في القبائلية حيث تصير الياء المشدّدة گافاً مشدّدة، وéôr «إِيُور» عند الطوارق. ولهم اسم آخر، taziri «تَازِيرِي»، لضوء القمر والبدر.
وأقدم ما وصلنا عن عبادة القمر عند أهل البلاد قول هيرودوت إنّ الليبيين كلّهم لا يذبحون إلّا للشمس والقمر، إلّا من يسكنون حول بحيرة تريتونيس. هيرودوت 4.188. وفي غِشْغاش من نوميديا نقش على صخرة لمعبود اسمه IERU «إِيرُو»، وفوق النقش صورة شخص رأسه محاط بالأشعّة كرؤوس معبودات النجوم، ويلاحظ شاكر أنّ الاسم يشبه أيّور بعد أن تُرفع حركته الأولى، (y)yur «يُّور».
ويحيّي أهل القرى الهلال حين يظهر. فعند إيدا أوكنسوس في المغرب يقولون: ها هو القمر، ها هو القمر! نشهد أن لا إله إلّا الله وأنّ محمّداً رسول الله. يا قمر، جعل الله هذا الشهر مباركاً علينا. يا قمر، أعطانا الله الصحّة في أيّامك. يا قمر، لنجد فيها الرزق والسلامة. ويقولون حين يظهر الهلال: وُلد القمر، ومن الولادة يسمّي الطوارق الشهر tallit «تَالِّيت». لاوست، «كلمات وأشياء بربرية»، ص 185. وفي الأهاغار يطلق الطوارق البنادق عند الشهر الجديد، ويدعون الله بالنصر على الأعداء وبالحماية في الدنيا والآخرة، ويقولون: جعلك الله شهراً مباركاً، ثم يقولون: نرمي إليك عوداً يابساً، فردّه إلينا أخضر، ويرمون عوداً نحو القمر.
ويحكي الطوارق في آيير حكاية «أيور وتايورت». أيور، أي الهلال، وتايورت أخته، طفلان عجيبان خرجا من بيضتين انبثقتا من ركبة راعٍ وحيد جُرحت، وفقستا في طيّات الخيمة، فكبرا يعينان الراعي في بيته. ثم تزوّج الراعي امرأة حسدت ابنتُها تايورت الجميلة، فاحتالت زوجة الأب حتى رضي الراعي بذبح تايورت، فأنذرها أخوها وهربا معاً. ثم جاءت منافسة أخرى اسمها جانيغرفادن، فحبست تايورت في قاع غدير، وشدّت شعرها الطويل تحت صخرة. فلمّا غابت تايورت لم تعد النياق تُحلب، وفقد المخيّم الضوء والحليب معاً. فوجدها أخوها ولم يقدر أحد أن يشقّ الصخرة، حتى حرّرها حمَل صغير هزيل، أخذ قوّته من رضاع حليب أمّه. ثم صارت تايورت هي tellit «تِلِّيت»، القمر الكبير الرحيم الذي ينظّم سير العالم، وصار زوجها أماكا، أي الجذوة، لا يراه أحد غيرها.
والفكرة التي تدور عليها هذه الأخبار أنّ القمر ميقات الزمن وحافظ ما يجري فيه. اسمه هو الشهر، وظهوره أوّل الشهر يُحيّى بالدعاء للصحّة والرزق، وغيابه في الحكاية غياب الضوء والحليب. وتقول كلودو حوّاد إنّ القمر عند طوارق آيير مقرون بانتظام كلّ ما يجري: الزمن والماء والحليب ودم الحيض، وتقول إنّ البدر عندهم tekkaṛ «تِكَّارْ»، أي الحامل. ويقول شاكر إنّ القمر عند الأمازيغ في الشمال مقرون بالخصب وداخل البيت والأنوثة والرطوبة، فتشبّه القبائلية المرأة الجميلة بالقمر، وتنادي القمر في الحكايات: Ziri, ziri, ma, yemma «زِيرِي، زِيرِي، مَا، يَمَّا»، أي: يا قمر، يا قمر، يا أمّ، يا أمّاه. ويقول أهل إنتكتو إذا رأوا الهالة حول القمر: القمر يبني بيته، سينزل المطر، فالقمر عندهم يأتي بـأنزار. لاوست، ص 188.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: الألف في أوّل ayyur «أَيُّور» حركة يبدأ بها الاسم المذكّر في الأمازيغية، كما في أنزار. يبقى yyur «يُّور»، أي الياء والراء. وتضع المقالة السامية الأمازيغية أيّور إلى جانب العبرية yārēaḥ «يَارِيَح»، أي القمر، وتقول: الياء والراء مشتركتان، وهذه قرابة. والكلمة في الأوغاريتية yrḫ «ي-ر-خ»، وهي فيها القمر والشهر معاً، كما هي أيّور، وياؤها واو قديمة، فهي العربية «ورّخ» و«أرّخ»: كتب تاريخ الكتاب، كما تقرأ صفحة يرخ. فأيّور على هذه القراءة القمر الذي تُؤرّخ به الشهور، وهذا ما يفعله أهل البلاد حين يسمّون الشهر باسمه، ويبدؤونه بتحيّة الهلال.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | أين ترد |
|---|---|---|
| ayyur / ⴰⵢⵢⵓⵔ | أَيُّور | التشلحيت والأمازيغية: القمر والشهر |
| ayur، ayuren | أَيُور، أَيُورِن | الأمازيغية في الأطلس المتوسط، والشاوية |
| aggur | أَگُّور | القبائلية |
| yur، iyaren | يُور، إِيَارِن | بني سنوس ومزاب وورقلة: الهلال والشهر |
| ûyer | أُويِر | غدامس |
| éôr | إِيُور | الطوارق |
| tayurt | تَايُورْت | ضوء القمر أو البدر عند بعضهم، وأخت أيور في حكاية الطوارق |
يرى شاكر أنّ تشديد الياء في القبائلية والتشلحيت، وثبات الحركة a «أَ» في حالة الإضافة wayyur «وَيُّور»، وطول إحدى الحركتين، تدلّ على أنّ الجذر الذي نراه اليوم، الياء والراء، بقيّة جذر قديم من ثلاثة حروف، وأنّ الضمّة الثابتة في اللهجات كلّها وصيغ غدامس تدلّ على أنّ الثالث واو، فيكون الجذر الأوّل YRW «ي-ر-و». ويرى أنّ المعنى الأوّل لـyur «يُور» كان قرص النجم الممتلئ، لأنّ القبائلية تقول aggur n tziri «أَگُّور نْ تْزِيرِي» للبدر، وaggur n yiṭṭij «أَگُّور نْ يِيطِّيج» لقرص الشمس.
وفي معجم لين من مادّة «أرخ»: «أرّخ الكتابَ وورّخه: كتب عليه تاريخه، أي وقت كتابته، والواو فيه بدل من الهمزة»، ويذكر أنّ بعضهم قال إنّ التأريخ معرّب أخذه المسلمون من أهل الكتاب، ويضع لين بين معقوفين العبرية yārēaḥ «يَارِيَح»، أي القمر، وyeraḥ «يِرَح»، أي الشهر، وأنّ آخرين قالوا إنّه عربي. وقد حسمت صفحة يرخ هذا: الخاء الأوغاريتية تقابل الخاء العربية حرفاً بحرف، كما في الأكدية warḫu «وَرْخُو»، فالكلمة من الأسرة القديمة، والعبرية هي التي جمعت الخاء والحاء في حرف واحد. والمقابلة في أيّور على هذا النحو: الياء المشدّدة تقابل الياء الأوغاريتية والعبرية، وهي في العربية واو «ورّخ»، والراء راء. ويبقى عليها أنّ الحرف الثالث خاء في السامية، وشاكر يقدّره واواً في الأمازيغية القديمة، فيلتقي الاسمان في الحرفين الأوّلين ويفترقان في الثالث.
وتقرأ المقالة نفسها ينّاير من yan «يَان»، أي واحد، وayyur «أَيُّور»، أي الشهر الأوّل. وتتبع صفحة ينّاير الموسوعة البربرية في ردّه إلى الشهر اللاتيني Ianuarius «يَانُوَارْيُوس»، لأنّ أسماء الشهور الأمازيغية كلّها لاتينية كما يُظهر جدول المقالة نفسه. وأسماء الشهور عند الأمازيغ لاتينية، لكنّ كلمة الشهر نفسها أيّور: يسمّون شهور التقويمين، الهجري للعبادة واليولياني للزرع، iyirn «إِيِيرْن»، جمع أيّور، فيقولون «شهور الأرض» و«شهور السماء».
القراءة الرمزية
تقول المقالة الأمازيغية إنّ التقويم الأمازيغي يولياني يتبع الشمس، وإنّه أدقّ للزراعة من التقويم القمري. فالقمر عندها ميقات الشهور والعبادة، لا ميقات الحرث. وفي الأخبار نفسها يظهر القمر مقابل الشمس: الشمس عند الطوارق مستعجلة حارقة، والقمر هادئ يأتي بالحليب والضوء ويحمي الناس من الحريق، والهالة حول القمر علامة المطر. وتقول كلودو حوّاد إنّ القمر في آيير صورة الأمّ: يميل على العالم كما تميل الأمّ على طفلها، وينظر في كلّ شيء حتى قاع الآبار، ويُنضج كلّ ما هو كامن ويدفعه إلى طوره التالي، وهذه عندها صورة الترحال: لا شيء يبقى في مكانه.
التوازيات عبر الحضارات
الكلمة الأوغاريتية yrḫ «ي-ر-خ» اسم يرخ، القمر، وهي أيضاً الشهر، كما أنّ أيّور القمر والشهر، والمقالة السامية الأمازيغية تقرأ الكلمتين من أصل واحد. ويتزوّج يرخ نيكال في ألواح أوغاريت ويدفع مهرها بالميزان، وللقمر عند طوارق آيير زوج اسمه أماكا، الجذوة. ويسافر نانّا، قمر سومر، إلى أبيه في نيبور بخيرات أور، ويرجع لمدينته بالسمك في النهر والشعير في الحقل، ويدعو أهل القرى الأمازيغية الهلال أن يكون شهره شهر صحّة ورزق، ويرمي الطوارق إليه عوداً يابساً ليردّه أخضر. ففي الأخبار قمر يُطلب منه الرزق، ويفترقان في أنّ نانّا يطلب الرزق من أبيه، والقمر الأمازيغي يُطلب منه. وفي اليابان رفضت أماتيراسو أن ترى أخاها تسوكويومي، القمر، بعد أن قتل كامي الطعام، فافترقت الشمس والقمر بيوم وليلة، وعند الطوارق تلحق الشمس بالقمر في آخر الشهر فتوقفه وتمضي وحدها.
وتحية الهلال في أوّل الشهر، وتقسيم السنة بين شهور الأرض وشهور السماء، من التقويم الزراعي. وتقرأ المقالة السامية الأمازيغية ينّاير من «يان» و«أيّور»، وصفحة تافوكت تضع القمر مقابل الشمس.