ملخص
فريترا «ڤْرِتْرَ» في «الريغفيدا» «رِگْ ڤيدا» الحيّةُ العظيمة التي حبست المياه في الجبل، وهو أشهر خصوم إندرا. ويسمّيه النشيد أيضاً ahi «أَهِي»، أي الحيّة. وأمّه دانُو، ومنها جاء اسم الدانَڤا، أعداء المعبودات. ويقول معجم مونير وليامز إنّ الأناشيد تجعله صورة لقوّة الظلمة والجفاف التي تستولي على السحاب فتحبس الماء وتحجب صفاء السماء، وإنّه في روايات ابنُ تْڤَشْتْر، صانع المعبودات، وفي أخرى ابنُ دانو.
وقصّته في النشيد 1.32. كان فريترا راقداً على الجبل، والمياه محبوسة عنده. فصنع تْڤَشْتْر لإندرا الصاعقة، وشرب إندرا السوما من ثلاث كؤوس، ثم ضرب «أوّل مولود من الحيّات» فقتله، وقطّعه بالصاعقة كما تقطع الفأس جذوع الشجر فتسقط على الأرض. وكان فريترا قد تحدّاه وهو بلا قدمين ولا يدين، فضربه بين كتفيه، فرقد مقطّع الأعضاء كنهر فاض على ضفّتيه، والسيول التي كان قد أحاط بها بعظمته تجري الآن فوقه. ثم ضرب إندرا أمّه دانو، فرقدت الأمّ فوق ابنها كما ترقد البقرة إلى جانب عجلها، وحملت المياه جسده المستور إلى ظلمة طويلة. وكانت المياه قبل ذلك واقفة يحرسها الحيّة، كالأبقار التي يحبسها اللصّ، فلمّا قتل إندرا فريترا كشف الغطاء عن فتحة المياه التي كانت مغلقة، فجرت الأنهار السبعة. ولم ينفع فريترا ما نشره حوله من برق ورعد وبَرَد وضباب. ثم دخل الخوف قلب إندرا بعد القتل، فعبر تسعة وتسعين نهراً كالصقر المذعور، كأنّه يرى من يثأر للحيّة.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ فريترا لا يفعل شيئاً سوى أنّه يغطّي ويمسك. الماء موجود، لكنّه مغلق عليه في الجبل، والناس والبقر والزرع ينتظرون. واسمه في السنسكريتية من الفعل vṛ «ڤْر»، أي غطّى وأحاط وحبس، والنشيد يستعمل الفعل نفسه حين يصف عمل إندرا، فيقول apa vavāra «أَپَ وَوارَ»، أي رفع الغطاء عن فتحة الماء. فالقتل في هذا النشيد رفعُ غطاء، وبعده يعطي إندرا الحياة للشمس والفجر والسماء. ولهذا صار لإندرا لقب vṛtrahan «ڤْرِتْرَهَن»، قاتل فريترا، وهو من أشهر ألقابه، ويُقال أيضاً لأجني ولسرسوتي. وكلمة vṛtra «ڤْرِتْرَ» نفسها في الأناشيد اسم عامّ للعائق والعدوّ، تُجمع فيقال «الفريترات»، والنشيد يسمّي خصم إندرا «أشدّ الفريترات فريترا». وفي إيران بقيت الكلمة اسماً للعائق ولم تصر حيّة، وصار ضربها معبوداً هو ڤرثرغنا، النصر.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالة البنيوية الهندية تسمّيه «التنين الحابس للمطر» ولا تقرأ اسمه. يضع معجم مونير وليامز vṛtra «ڤْرِتْرَ» تحت الفعل vṛ «ڤْر»، ومعناه عنده غطّى وستر وأحاط وسدّ، وأغلق الباب، وحبس ومنع، ويترجم الاسم «المغطّي، المحيط، الحابس». وحروفه الأولى و-ر-ت هي «وَرَطَ» العربية، وأوّل ما يذكره معجم لين من معانيها: ستره وأخفاه وغطّاه. و«الوَرْطة» الأرض المنخفضة التي لا طريق فيها للخلاص، والوحل تقع فيه الغنم فلا تخرج منه، والهوّة تُحفر في الجبل حيلةً لمن يقع فيها، ثم الهلاك وكلّ أمر يعسر الخروج منه. فالاسم على هذه القراءة يجمع الفعل والموضع: فريترا هو الذي غطّى الماء، والماء كان في ورطة في الجبل حتى رفع إندرا الغطاء عنها.
الجذر اللغوي
الصيغ المشهودة
| الصيغة | معناها | موضعها |
|---|---|---|
| वृत्र vṛtra «ڤْرِتْرَ» | الحيّة خصم إندرا، وفي الجمع العوائق والأعداء | «الريغفيدا» 1.32 وغيره |
| ahi «أَهِي» | الحيّة | «الريغفيدا» 1.32 |
| vṛtrahan «ڤْرِتْرَهَن» | قاتل فريترا، قاتل الأعداء، الغالب | لقب إندرا، ويُقال لأجني وسرسوتي |
| vərəθra «ڤِرِثْرَ» | المقاومة، العائق | الأفستا |
| vərəθraγna «ڤِرِثْرَغْنَ» | ضرب المقاومة، النصر | الأفستا، اسم ڤرثرغنا |
ويذكر نحاة الهند المتأخّرون لكلمة vṛtra «ڤْرِتْرَ» معاني أخرى: السحابة الراعدة، والظلمة، والجبل. والمعاني كلّها تدور على ما يغطّي ويحجب.
الوَرْطة
في معجم لين: «وَرَطَها: سترها وأخفاها وغطّاها»، و«ورّطه وأورطه: أوقعه في ما لا يقدر على الخلاص منه». و«الوَرْطة» في أصلها الوحل الرقيق تقع فيه الغنم فلا تتخلّص، أو الأرض المطمئنّة التي لا طريق فيها إلى النجاة، وهو عند أبي عبيد أصل المعنى. ويقول الأصمعيّ إنّها الهوّة الغامضة تكون في الجبل، يشقّ على من وقع فيها الخروج، ثم قيل لكلّ هلاك ولكلّ أمر يعسر الخلاص منه.
والمقابلة في الصوت: الـ v «ڤ» السنسكريتية تقابل الواو، كما في فارونا، والراء الصائتة ṛ «رِ» تقابل الراء، والتاء تقابل الطاء، لأنّ الطاء والتاء والذال والظاء مجموعة واحدة تصير تاءً في اللغات الهندية الأوروبية وتفقد الطاء فيها إطباقها. وتسقط الراء والفتحة في آخر الاسم كما تسقط لاحقة ra «رَ» في إندرا. غير أنّ نحاة السنسكريتية يعدّون التاء جزءاً من اللاحقة tra «تْرَ»، فقراءة «ورط» تأخذ حرف اللاحقة حرفاً أصلياً.
وارى
وتقرأ صفحة فارونا الفعل نفسه vṛ «ڤْر» بـ«وارى»، أي أخفى وستر. فاسما فارونا وفريترا من فعل واحد: فارونا يحيط بكلّ شيء كما تحيط السماء بالأرض، وفريترا يحيط بالماء ويحبسه. والقراءتان تلتقيان في معنى التغطية، لأنّ أوّل معاني «ورط» في معجم لين هو معنى «وارى» نفسه، ثم تزيد «ورط» الموضع الذي لا يُخرج منه.
وتقرأ المقالة الهندية اسم خصمه إندرا «أندى»، أي بلّ الأرض بالندى والمطر، وتقول إنّه يرسل المطر «بعد قتل فريترا التنين الذي سجن المياه». فاسم الخصم على هذه القراءة الورطة التي يُحبس فيها الماء، واسم البطل البلل الذي يخرج منها إلى الأرض.
السرديات الأسطورية الرئيسة
فريترا في «المهابهاراتا»
تروي «المهابهاراتا» القصّة على وجه آخر. كان تْڤَشْتْر قد ولد ابناً له ثلاثة رؤوس، يقرأ الأناشيد بفم، ويشرب الخمر بفم، وينظر بالثالث كأنّه يبتلع العالم، فقتله إندرا. فغضب أبوه، وأوقد النار، وصنع فريترا ليقتل إندرا. فكبر حتى بلغ السماء، وقاتل إندرا فابتلعه، فخلقت المعبودات التثاؤب، ففتح فريترا فمه وخرج إندرا منه، ومن يومها صار التثاؤب في كلّ نفَس حيّ. ثم طال القتال، وغلب فريترا، فلجأت المعبودات إلى فيشنو، فأشار عليهم بالصلح. فقبل فريترا الصلح بشرط ألّا يُقتل بيابس ولا رطب، ولا بحجر ولا خشب، ولا بسلاح، ولا في نهار ولا ليل. فرآه إندرا ذات مساء على شاطئ البحر، وقال: هذه ساعة ليست نهاراً ولا ليلاً، ورأى في البحر كتلة من الزبد كالجبل، فقال: هذا ليس يابساً ولا رطباً ولا سلاحاً، فرماه بها مع الصاعقة، ودخل فيشنو في الزبد، فمات فريترا. فانجلت الظلمة عن الجهات، وهبّت ريح طيّبة، ثم غلب على إندرا إثم قتل البراهمي.
فالحيّة التي تحبس الماء في النشيد صارت في الملحمة خصماً يُحتال عليه بالعهد، والقاتل الذي خاف في آخر النشيد 1.32 صار يحمل ذنب القتل.
أهله وخصمه
| القرابة | الاسم | الشاهد |
|---|---|---|
| الأمّ | دانو | «الريغفيدا» 1.32.9 |
| الأب | تْڤَشْتْر | «المهابهاراتا» 5.9، ومونير وليامز |
| الأخ | ابن تْڤَشْتْر ذو الرؤوس الثلاثة | «المهابهاراتا» 5.9 |
| الخصم | إندرا، ومعه في الملحمة فيشنو داخل الزبد | «الريغفيدا» 1.32، «المهابهاراتا» 5.10 |
القراءة الرمزية
تجعل المقالة البنيوية الهندية فريترا «حابس الحياة»: قوى العطش أو الفوضى التي تمسك المطر، وتجعل نتيجة قتله «الفرج بعد الشدّة»، أي تحرير الأنهار السبعة. وتقرؤه المقالة نفسها نظيراً لليتان ويم عند الكنعانيين ولتيامات عند البابليين، فكلّها عندها «حابس الحياة» الذي يُضرب بسلاح سماويّ من الرعد والبرق.
وفي النشيد نفسه ما يقرّب هذه القراءة من الأرض: المياه «كالأبقار التي يحبسها اللصّ»، والقطيع والماء معاً هما ما يستردّه إندرا، والنصر يُختم بجريان الأنهار السبعة. ويرى عالم الإيرانيات غْنُولِي، متابعاً بِنْڤِنِيسْت ورُونُو، أنّ العمل الأقدم الذي ورثته الهند وإيران هو كسر العائق الذي يحبس جريان الماء، وأنّ الحيّة صورة متأخّرة في الهند لهذا العائق.
التوازيات عبر الحضارات
يضرب بعل في أوغاريت ليتان، «الحيّة الملتوية ذات الرؤوس السبعة»، بعد أن يغلب يمّ، البحر. وفي القصّتين صاحب المطر يقتل حيّة عظيمة، لكنّ ليتان لا تُذكر حابسةً للماء، وفريترا لا يُذكر طالباً للملك. وتجمع صفحة إندرا ومعبودات العاصفة السامية هذه الحكايات، وهي من شواهد صراع المعبودات مع البحر والتنين والعاصفة وسلطان الماء.
وفي الشمال يلتفّ يورمونغاندر حول الأرض كلّها في البحر، ويقتله ثور يوم راغناروك ثم يموت من سمّه، فالحيّة هناك هي التي تحيط، كما يحيط فريترا بالماء. وفي مصر يعترض أبوفيس مركب الشمس كلّ ليلة ويريد أن يشرب النهر الذي يسير عليه، فهو يحبس الماء عن الشمس كما يحبسه فريترا عن الناس، لكنّه يعود كلّ ليلة، وفريترا يُقتل مرّة واحدة. وعند الإغريق يقاتل زيوس تايفون وحده بالصاعقة.
وفي إيران يغلب تشتريا، نجم المطر، شيطانَ الجفاف أَپَوْشا الذي يقف دون الماء فرساً أسود، ويصير اسم فريترا نفسه في كلمة النصر ڤرثرغنا. وتتابع صفحة معبودات العاصفة في اثنتي عشرة حضارة صاحب الصاعقة وخصمه في ميثولوجيات أخرى.
ويقتل قدموس عند الإغريق حيّة تحرس نبع آريس وتمنع أصحابه من الماء، فإذا قُتلت استقوا، ثم يكفّر عن دمها ثماني سنين في خدمة آريس، وخبره في صفحة قدموس.