الرئيسية/الكيانات/حظيرة جمشيد

حظيرة جمشيد

ملخص

حظيرة جمشيد، وتسمّيها الأفستا vara «ڤَرَ» والكتب الفهلوية «وَرِ جَمْكَرْد»، أي «الحظيرة التي صنعها جم»، هي البناء المغلق الذي حفظ فيه ييما، جمشيد اللاحق، بذور الحياة من شتاء مهلك. وقصّتها في الفصل الثاني من «الڤِنْدِيداد». جمع أهورا مزدا الآلهة، وجمع ييما خيرة البشر، في أرض الآريين، فقال أهورا مزدا لييما: ستنزل على العالم شتاءات شرّيرة، يشتدّ فيها الصقيع، ويتراكم الثلج عميقاً على رؤوس الجبال العالية، فتلجأ البهائم إلى مساكن تحت الأرض. وكانت الأرض قبل ذلك الشتاء تنبت الكلأ، فإذا ذاب الثلج وغمر الماء الأرض صار أثر حافر شاة فيها عجباً.

فأمره أن يصنع ڤَرَ، حظيرة مربّعة طول كلّ ضلع منها مسافة ميدان خيل، يحمل إليها بذور الغنم والبقر والناس والكلاب والطيور والنيران الحمراء المتّقدة، ويُجري فيها الماء في مجرى طوله ميل، ويُسكن الطير فيها على خضرة لا تذبل وطعام لا ينفد، ويبني فيها البيوت والشرفات والأفنية. ويحمل إليها بذور خيرة الرجال والنساء، وخيرة الماشية، وأطول الشجر وأطيب الثمر، اثنين من كلّ نوع. ولا يدخلها أحدب ولا عاجز ولا مجنون ولا كذّاب ولا حسود ولا أبرص، ولا أحد عليه وسم من وسوم أنجرا ماينيو. ويجعل في قسمها الأكبر تسعة شوارع فيها ألف بذرة من الرجال والنساء، وفي الأوسط ستّة فيها ستمئة، وفي الأصغر ثلاثة فيها ثلاثمئة، ثم يختمها بخاتم ذهبي، ويجعل لها باباً ونافذة تضيء من ذاتها. فسأل ييما: كيف أصنعها؟ فقال: اسحق الأرض بعقبك، واعجنها بيديك كما يعجن الفخّاري الطين. ففعل.

ولا يرى أهل الحظيرة النجوم ولا القمر ولا الشمس، ولهم أنوار مخلوقة وأنوار غير مخلوقة، وتمرّ عليهم السنة كأنّها يوم واحد. ويولد لكلّ زوجين في كلّ أربعين سنة ولدان، ذكر وأنثى، وكذلك البهائم، وهم يعيشون أسعد عيش. وقد حمل الدين إليهم طائر اسمه كَرْشِپْتا، وسيّداهم أُرْوَتَدْنَر بن زرادشت وزرادشت نفسه.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ العالم يُحفظ بعيّنة صغيرة مختارة تُغلق عليها الأبواب حتى يمرّ الهلاك. فالملك الذي وسّع الأرض ثلاث مرّات لمّا ضاقت بأهلها يبني الآن مكاناً ضيّقاً مغلقاً، ويختار من يدخله: خير البشر والبهائم والنبات، اثنين اثنين، بلا عيب. وما يحفظه ليس أفراداً ينجون فحسب، وإنّما البذور التي يُعاد منها العالم، ولذلك يقول التقليد الفهلوي إنّ العالم يُعمَر من هذه الحظيرة بعد شتاء الساحر ملكوس في آخر الزمان، ويقيم فيها ابن زرادشت ينتظر عون سوشيانت. البندهشن 29.5 و32.5، الموسوعة الإيرانية، «جمشيد».

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالة الفارسية تذكر الحظيرة ولا تقرأ لفظها: vara «ڤَرَ» تنتهي بحركة الاسم الأفستي، فإذا حذفناها بقي «ڤَر»: الواو والراء. وهو في العربية «وارى»: في معجم لين «واراه» أخفاه وستره وغطّاه، و«من وراء وراء» من خلف شيء يستر ويحجب. فالحظيرة على هذه القراءة «المُواري»، الموضع الذي يستر الحياة ويخفيها، وهو ما يجعله النصّ: بناء مختوم لا يُرى منه نجم ولا شمس، ويقول «البندهشن» إنّه تحت الأرض.

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

الصيغة الموضع
ڤَرَ الأفستية، الڤنديداد 2
وَر، وَرِ جَمْكَرْد الفارسية الوسطى
ڤَلَ الڤيدا الهندية، الكهف الذي يشقّه إندرا

يرى علماء الإيرانيات أنّ vara- «ڤَرَ» نوع من السياج أو الحصن، وقورنت بـvallum «ڤالُّوم» اللاتينية التي منها wall «وُول» الإنجليزية، أي الجدار، ورأى بعضهم أنّها الكهف. وهي الكلمة نفسها التي في الڤيدا vala «ڤَلَ»، الكهف الذي يشقّه إندرا ليطلق البقر المحبوسة فيه.

وارى

تقابل الواو العربية الڤاء الأفستية، وهما في مجموعة الحروف الشفوية في قوانين مشروع جذور، والراء راء، والألف في آخر «وارى» حرف علّة يقابل الحركة الأفستية. ومعنى الستر الذي في «وارى» قريب من المعنى الذي يذكره علماء الإيرانيات: سياج يحيط ويحجب، أو كهف يخفي ما فيه. وفي المادّة نفسها «وَرَى الزَّندُ» إذا أخرج ناره، والحظيرة تحفظ في جملة ما تحفظ «النيران الحمراء المتّقدة».

السرديات الأسطورية الرئيسة

أين الحظيرة

يضع «البندهشن» حظيرة جمشيد بين أماكن خفيّة في الأرض يحكم كلّاً منها خالد، ويقول إنّها في وسط بلاد فارس، في سْرُوا، تحت جبل يِماكان. ويقول إنّ أُروتدنر بن زرادشت كان فلّاحاً، وإنّه رئيس الحظيرة التي تحت الأرض.

شتاء ملكوس

تجعل الكتب الفهلوية الشتاء الذي بُنيت له الحظيرة شتاء الساحر ملكوس، وتقول إنّه سيعود في ألف أوشيدر، أوّل أبناء زرادشت الآتين: يوصي أهل الدين الناس بخزن الطعام ثلاث سنين لا ينزل فيها مطر، ثم يبدأ الشتاء ثلاث سنين لا ينقطع إلّا قليلاً، ويتساقط الثلج في الرابعة سبعة أشهر بلا انقطاع، فيهلك الناس والبهائم، ثم يُعمَر العالم من الحظيرة. ويرى بعض الباحثين أنّ قصّة الحظيرة وقصّة ملكوس كانتا خبرين منفصلين جمعهما الشرح الفهلوي، ويرى آخرون أنّ جمعهما أقدم، لأنّ اسم الشيطان ورد في شذرة أفستية بعبارة تشبه عبارة الڤنديداد.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الفارسية الحظيرة قراءتين: قراءة زراعية تجعلها أوّل مخازن الحبوب، تُحفظ فيها البذور والبهائم لفصل الشتاء، وقراءة جيولوجية تجعلها ذاكرة للعصر الجليدي الأخير، وتقابلها بسفينة نوح، بذرة الحياة المحفوظة من الدمار. والنصّ نفسه يحفظ في الحظيرة ما يحفظه مخزن ومزرعة وقرية معاً: البذور، والماء الجاري، والمراعي، والنار، والبيوت. أمّا العصر الجليدي فلا يعيّنه الخبر الأفستي.

ويختار الأمر الإلهي الداخلين بلا عيب، ويعدّ البيوت والشوارع بالأرقام، ويجعل للحظيرة باباً وختماً. فهي جماعة منظّمة يُعرف عددها ومكان كلّ فرد فيها، وهذا ما يفعله ييما في كلّ قصصه: ينظّم الناس ويجعل لهم مكاناً.

التوازيات عبر الحضارات

في روايات الطوفان يأمر إيا أوتنابشتم أن يهدم بيته ويبني سفينة ويُصعد إليها كلّ ذي حياة، ويحمل مانو في سفينته الحكماء السبعة وبذور كلّ نوع مفصولاً بعضها عن بعض. والحظيرة تحفظ ما تحفظه السفينة، الناس والبهائم والبذور، غير أنّها تثبت في الأرض وتُغلق، والسفينة تتحرّك على الماء. والماء في خبر ييما يأتي بعد الشتاء، حين يذوب الثلج فيغمر الأرض.

وفي أساطير الشمال يأتي الشتاء العظيم قبل نهاية العالم ثلاثة شتاءات بلا صيف، ويختبئ لِيف ولِيفْثْرَاسِير في غابة هُودْمِيمِير فيقتاتان الندى، ومنهما يأتي الناس بعد ذلك. فالخبران يحفظان من الشتاء زوجاً أو جماعة في مكان مستور يُعمَر منه العالم، ويختلفان في أنّ ييما يبني مكانه بيده بأمر أهورا مزدا، والزوجان النورديان يختبئان في غابة.

وصنعة ييما في عجن الطين وبناء الحظيرة من صنائعه التي تجعله من الأبطال الحضاريين.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. الڤنديداد 2، ترجمة دارمستتر.

  2. البندهشن، ترجمة وِسْت: الفصلان 29 و32.

  3. الموسوعة الإيرانية، «جمشيد» و«ملكوس».

  4. ملحمة جلجامش، اللوح 11، المهابهاراتا، «ڤَنا پَرْڤا» 186، «قول فافثروذنير»، 44–45.

  5. معجم لين، ورى.