ملخص
سَخْمِت معبودة مصرية برأس لبؤة على جسد امرأة، يعلو رأسها قرص الشمس والحيّة، وكانت تُعبد في مَنْف زوجةً لـبتاح وأمّاً لنِفِرْتُم، معبود زهرة اللوتس. وهي التي ترسل المرض بسهامها وبنَفَسها المحرق، وهي التي يُطلب منها الشفاء، ولذلك كان لكهنتها شأن بالطبّ والرقية، يطردون شياطين المرض.
وقصّتها قصّة «هلاك البشر» في «كتاب البقرة السماوية»، وفيها يولد اسمها. شاخ رع وتآمر عليه الناس، فأرسل عينه عليهم، فنزلت في هيئة حتحور وقتلتهم في الصحراء، ورجعت تقول: «لقد غلبتُ البشر، وكان ذلك بلسماً لقلبي». فقال رع: «سأقوى عليهم ملكاً بأن أقلّلهم»، فكانت من ذلك «القويّة»، سخمت. والكلام المصري يلعب هنا على الفعل sḫm «سِخِم»، أي قوي وغلب، واسمها من حروفه. وكانت تريد أن تخوض في دماء الناس حتى حِنِس، أهناسيا اليوم. فأمر رع بالمغرة الحمراء من إلفنتين، فأُلقيت في الجعة حتى صارت كدم البشر، وصُبّت منها سبعة آلاف جرّة في الليل على الحقول، فجاءت في الصباح فشربت، ورجعت سكرى لم تعرف البشر، فناداها رع «اللطيفة». فالمعبودة في القصّة واحدة بثلاثة أسماء: العين التي يرسلها رع، والقويّة حين تغلب، واللطيفة حين تشرب وترجع.
وما فعله رع في القصّة فعله الملوك في المعابد. صنع أمنحتب الثالث نحو ستمئة تمثال لسخمت، ويرى كثير من الباحثين أنّها قامت أوّلاً في معبده الجنائزي في كوم الحيطان على البرّ الغربي لطيبة، ثم نُقل كثير منها إلى معبد موت في الكرنك. وقد بيّن الباحثون أنّها كانت «ابتهالاً من حجر» يسترضي المعبودة ويطلب منها ألّا تستعمل قوّتها المؤذية، فينجو الملك من المرض والشرّ سنة كاملة، وربّما كانت سبعمئة وثلاثين تمثالاً، تمثالاً جالساً وتمثالاً واقفاً لكلّ يوم من أيام السنة. المتروبوليتان، تمثال سخمت 15.8.2. وفي نقش معركة قادش يندفع رمسيس الثاني على أعدائه «كسخمت في ساعة غضبها».
والفكرة التي تدور عليها قصّة سخمت أنّ الغضب لا يُقتل وإنّما يُرضى. رع لا يحارب عينه، وإنّما يصنع لها ما يرضيها؛ والملك لا يحارب المرض، وإنّما يقيم لسخمت تمثالاً لكلّ يوم؛ والطبيب كاهنها. فالقوّة التي تُمرض هي نفسها التي تشفي إذا رضيت، وهي نفسها التي تحرق أعداء الشمس: ففي نصّ متأخّر تُتلى سبعة وسبعون رقية على موضع إعدام أبوفيس «لتُسلَّم روحه إلى النار وجثّته إلى لهب سخمت».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Sḫm.t «سِخْمِت»: سين، ثم خاء، ثم ميم، ثم تاء التأنيث. فإذا نزعنا التاء بقي sḫm «سِخِم»، الفعل الذي تلعب عليه القصّة. وهو «سخم» العربية بحروفها الثلاثة وعلى ترتيبها. وفي معجم لين: «السَّخِيمة» و«السُّخْمة» الحقد والضغينة والغضب في النفس، و«تسخّم عليه» غضب عليه، و«سخّم الماء» أسخنه حتى غلى، و«السُّخام» سواد القدر. وتاء «السُّخْمة» هي تاء سخمت. فسخمت على هذه القراءة «السُّخْمة»: الغضب الذي يحتبس في النفس ويغلي، وهو ما تجعلها القصّة، عيناً تقول إنّ القتل كان بلسماً لقلبها. والعرب تقول «الهدايا تسلّ السخائم»، أي تنزع الضغائن، وفي الدعاء «اللهمّ اسلل سخيمة قلبي»؛ وهذا ما صنعه رع حين قدّم لها الجعة، فسُلّت سخيمتها ورجعت لطيفة.
الجذر اللغوي
«السُّخْمة»
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Sḫm.t «سِخْمِت» | اسم المعبودة | معجم المصرية |
| sḫm «سِخِم» | فعل: قوي، غلب، صارت له سلطة على | معجم المصرية |
| sḫm «سِخِم» | اسم: القوّة | معجم المصرية |
| sḫm «سِخِم» | الصلصلة، آلة حتحور | معجم المصرية |
| Sakhmet «سَخْمِت»، Sekhmet «سِخْمِت» | ضبطان حديثان |
المقابلة لا تحتاج إلى تحويل: السين سين، والخاء المصرية خاء عربية كما في خبري، والميم ميم، والتاء تاء التأنيث في اللغتين. ويختلف المعنى بين الضفّتين: المصرية تعطي القوّة والغلبة، والعربية تعطي الغضب المحبوس والحرارة التي تُغلي الماء. والقصّة نفسها تجمع المعنيين، فرع يقول «سأقوى عليهم»، والعين تقول «كان ذلك بلسماً لقلبي». ومن الحروف نفسها في المصرية اسم الصلصلة التي تُعزف لحتحور، فالقوّة الغاضبة والموسيقى التي تُسترضى بها مكتوبتان بحروف واحدة.
قراءات أخرى في المقال
يقرأ المقال المصري في هذا المشروع الاسم من «سخم» أوّلاً ويجعله القوّة، ومن «شخم» بمعنى اشتدّ وغضب. ثم يقرّبه في موضع آخر من «سخط» و«صخم»، أي الغضب والاشتداد، ومن «السُّخم»، السواد والحرارة، وهذا ما يحفظه معجم لين للجذر نفسه. وفي القسم الأخير من المقال يقدّم «سَقِمَ»، فسخمت «المُسقِمة» التي تُمرض ثم تشفي، ويجعلها أقوى ما في جدوله. والمعنى قريب جدّاً من عملها، وفي معجم لين «أسقمه» أمرضه؛ لكنّها تضع القاف مكان الخاء المصرية، والخاء تقابل الخاء. فـ«سخم» هي الاسم بحروفه، و«سقم» هي ما تفعله بالناس. ويقارن المقال كذلك العبرية שכם «شِخِم»، أي الكتف، وفيها شين لا سين.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الأمّ الحامية والعين البعيدة
تظهر سخمت في نصوص الأهرام مع اللبؤة شِسْمِتِت أمّاً تحمي الملك. وفي الدولة الوسطى غلب عليها وجه اللبؤة الوحشي، وصارت باستت تمثّل الوجه الأليف. وتمتزج سخمت بـتفنوت في قصص عين الشمس التي تبقى بعيدة عن مصر حتى تُسترضى فترجع. ومن الدولة الحديثة صار أحبّ ألقابها «سخمت العظيمة، حبيبة بتاح»، وعُبدت «سخمت ساحورع» في المعبد الجنائزي للملك ساحورع حتى العصر اليوناني.
منف
وفي أغنية حبّ يركب العاشق النهر إلى منف ليطلب من بتاح حبيبته، فيرى النهر كأنّه خمر: «قصبه بتاح، وسخمت ورقه، وإيادِت براعمه، ونفرتم زهر لوتسه».
القراءة الرمزية
يقرأ المقال المصري في هذا المشروع سخمت قراءة اجتماعية: هي معبودة الحرب والشفاء، ويرى فيها المرأة محاربةً وطبيبة.
وتجعل النصوص المرض شيئاً يُرمى كالسهم ويخرج كالنفَس الحارّ من فم لبؤة، والشفاء استرضاءً لمن رمى. ويذكر شرح المتروبوليتان المسموع لتمثالها رأياً يربط تماثيل أمنحتب الثالث بأوبئة أصابت الشرق الأدنى في عهده، إمّا لدفعها وإمّا شكراً على النجاة منها، ويذكر أنّ الأطبّاء كانوا في العادة كهنة لها. وهذا تفسير يقترحه الباحثون، والذي تثبته القطع نفسها هو العدد، ووضع علامة الحياة في يد المعبودة.
التوازيات عبر الحضارات
يرسل رشف الكنعاني الوباء بسهامه كما ترسله سخمت، وقد عُبد رشف في مصر نفسها، ويقارن المقال الكنعاني في هذا المشروع بينه وبين سخمت في الوباء والغضب. ويرسل أبولو الطاعون بسهامه على جيش الإغريق في الإلياذة، ثم يُسترضى بالقربان. ويضع المقال البابلي في هذا المشروع إرّا، معبود الوباء والدمار، مع سخمت، ويجعل نرغال مرسل الأوبئة التي تفسد الأجساد من داخلها. وفي قصيدة «إرّا وإشوم» يخرج إرّا إلى الحرب فتُخرَّب مدن بابل، ثم يهدّئه رفيقه إشوم، وصارت القصيدة تُكتب على تمائم يحملها أصحابها اتّقاءً للعنف والخراب؛ كما يُسترضى غضب سخمت بالجعة، وتقي تماثيلها الملك المرض.
وقرار مجلس رع بإهلاك البشر ثم الرجوع عنه يقرّب قصّتها من قصص الطوفان، كما يقول ليشتهايم؛ والفرق أنّ الماء الذي يغمر الحقول في مصر جعة حمراء تنقذ الناس من غضب العين.