ڤرثرغنا

ملخص

ڤِرِثْرَغْنا معبود النصر عند الإيرانيين القدماء، واسمه في الأفستا «أَڤِسْتا» لفظ معناه «ضرب المقاومة» أو «كسر العائق». وصار في الفارسية الوسطى وَرَهْران ثم وَهْرام، وفي الفارسية الحديثة بَهْرام، وبه تسمّى ستّة من ملوك الساسانيين، وسمّت الكتب الفهلوية كوكب المرّيخ. وله النشيد الرابع عشر من أناشيد التسبيح، «بهرام يَشْت».

ويبدأ نشيده بسؤال يتكرّر عشر مرّات: سأل زرادشت أهورا مزدا: من أحسن المعبودات السماوية سلاحاً؟ فيجيبه: ڤرثرغنا. ثم يأتي ڤرثرغنا زرادشتَ عشر مرّات، في كلّ مرّة في صورة: ريحاً قويّة جميلة، ثم ثوراً أصفر الأذنين ذهبيّ القرنين، ثم فرساً أبيض بسرج ذهبي، ثم جملاً حمولاً حادّ الأنياب في هياجه، يرى في ظلمة الليل، ثم خنزيراً برّياً حادّ الأنياب يقتل بضربة واحدة، ثم فتى في الخامسة عشرة لامعاً صافي العينين، ثم طائراً جارحاً هو أسرع الطير، يلحق السهم في طيرانه، ويطير عند أوّل الفجر يريد ألّا يبقى الليل، ثم كبشاً برّياً معقوف القرنين، ثم تيساً مقاتلاً حادّ القرنين، ثم رجلاً لامعاً جميلاً في يده سيف ذهبي النصل. وفي كلّ صورة يقول: «أنا الأقوى قوّةً، والأغلب غلبةً، والأمجد مجداً، والأشفى شفاءً». ثم يعطي زرادشت قوّة الذراعين وصحّة الجسد، وبصر السمكة التي ترى تحت الماء تموّجاً أدقّ من الشعرة، وبصر الفرس الذي يرى في ظلمة الليل شعرة على الأرض فيعرف أمن الرأس هي أم من الذنب، وبصر النسر الذي يرى قطعة لحم من مسافة تسعة أقاليم.

ثم يعلّمه سرّ الريشة. يقول زرادشت: إن رماني كثير من الناس الذين يكرهونني بلعنة، فما الدواء؟ فيقول أهورا مزدا: خذ ريشة من الطائر ڤارِنْگَن، وامسح بها جسدك، وبها تردّ لعنة أعدائك. ومن حمل عظماً من هذا الطائر أو ريشة منه لم يقدر أحد أن يضربه أو يهزمه. وإذا تقابل جيشان فارمِ في الطريق أربع ريشات، فأيّ الجيشين يقرّب أوّلاً لڤرثرغنا كان النصر معه. وعلى هذا الطائر ركب البطل ثرايتاونا حين ضرب التنّين أژي دهاكا ذا الرؤوس الثلاثة.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ النصر ليس لحظة بطل واحد، وإنّما قوّة تأتي في كلّ صورة من صور الشدّة: الريح والثور والفرس والجمل والخنزير والفتى والطائر والكبش والتيس والرجل المسلّح، وتذهب إلى من يقرّب لها كما ينبغي، وتسترجع دواءها ممّن يقتل ويسفك. واسمه يحفظ كلمة العائق القديمة، vərəθra «ڤِرِثْرَ»، وهي التي صارت في الهند الحيّة فريترا التي حبست المياه. فجعلت الهند العائق تنّيناً وجعلت لإندرا لقب قاتله، vṛtrahan «ڤْرِتْرَهَن»، وجعلت إيران ضربَ العائق نفسه معبوداً. ويرى غنولي في الموسوعة الإيرانية أنّ العمل الأقدم كان كسر العائق الذي يحبس جريان الماء، وهو من شواهد صراع المعبودات مع البحر والتنين. «بهرام يشت» 14.51–56، الموسوعة الإيرانية، «بهرام».

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقالتان الفارسيتان لا تذكرانه. الاسم الأفستي vərəθraγna «ڤِرِثْرَغْنَ» مركّب من جزأين: vərəθra «ڤِرِثْرَ»، وهو لفظ فريترا نفسه، وتقرؤه صفحته «الوَرْطة»، أي الموضع المغطّى الذي لا يُخرج منه، وγna «غْنَ» من الفعل jan «جَن»، أي ضرب. فالاسم «ضرب الورطة»: كسر ما يحبس ويغلق. ثم صار الاسم في الفارسية وَهْرام وبَهْرام، والهاء فيه بقيّة الثاء والراء القديمتين، كما صار Miθra «مِثْرَ» Mihr «مِهْر». وحروف هذه الصيغة المتأخّرة حروف «بَهَرَ» العربية، وبَهَرَه في معجم لين غلبه وقهره وفاقه، وبهر القمرُ النجومَ غلبها بضوئه. فبهرام على هذه القراءة «الباهر»، الغالب الذي يعلو غيره، وهذا ما يقوله الإله عن نفسه في نشيده: «أنا الأغلب غلبةً».

الجذر اللغوي

الصيغ المشهودة

الصيغة موضعها
vərəθraγna «ڤِرِثْرَغْنَ» الأفستية، اسم الإله ولفظ معناه ضرب المقاومة
vərəθraγan «ڤِرِثْرَغَن» صفة في الأفستا معناها المنتصر، تُقال للمعبودات وللبطل ثرايتاونا وللمخلّصين
vṛtrahan «ڤْرِتْرَهَن» السنسكريتية الفيدية، لقب إندرا
Warahrān «وَرَهْران»، Wahrām «وَهْرام» الفارسية الوسطى
بَهْرام الفارسية الحديثة، واسم ستّة من ملوك الساسانيين
Artagnes «أَرْتَغْنِس» اليونانية، في نقش نمرود داغ
Orlagno «أُورْلَغْنو» باكترية، على نقود الكوشانيين
Vahagn «ڤاهاگْن» الأرمنية

بَهَرَ

في معجم لين: «بَهَرَه يبهَره بَهْراً: غلبه وقهره وعلاه، وفاقه وفضله»، و«بَهَرت فلانةُ النساءَ: فاقتهنّ جمالاً»، و«بهر القمرُ النجومَ: غلب بضوئه ضوءها»، و«بهرت الشمسُ الأرضَ: عمّها ضوؤها». ثم قيل بهر الشيءُ إذا أضاء وأشرق.

وطريق الاسم من الأفستية إلى الفارسية الحديثة طريق مشهود في صيغه: vərəθraγna «ڤِرِثْرَغْنَ»، ثم Warahrān «وَرَهْران»، ثم Wahrām «وَهْرام»، ثم بَهْرام. صارت الثاء والراء هاءً وراءً، كما صار Miθra «مِثْرَ» في الفارسية Mihr «مِهْر»، وصارت الواو في أوّله باءً في الفارسية الحديثة. فحروف بهرام الثلاثة الأولى، الباء والهاء والراء، هي حروف «بهر» في ترتيبها، والألف والميم بقيّة الجزء الثاني. لكنّ هذه الحروف صورة الاسم في الفارسية المتأخّرة، لا في الأفستية.

الجزء الثاني

والجزء الثاني γna «غْنَ» من الفعل jan «جَن»، وهو في السنسكريتية han «هَن»، أي ضرب وقتل، ومن الأصل نفسه في تقسيم معجم بايّي آخر اسم بيرسيفوني، وتقرؤه صفحتها «فَناء». والغين الأفستية γ «غ» هي الغين العربية في نطقها، ونضع بإزائها على المنهج «غَنِمَ»: في معجم لين غنم الشيء أخذه غنيمة، و«ما غنمتم» في القرآن ما أُخذ في الحرب، والغانم آخذ الغنيمة. فالمنتصر vərəθraγan «ڤِرِثْرَغَن» على هذا الوجه غانم ما كان محبوساً في الورطة. غير أنّ الميم في «غنم» لا مقابل لها، والمعنى الأفستي الضرب لا الغنيمة.

السرديات الأسطورية الرئيسة

مع ميثرا ورشنو

يسير ڤرثرغنا بين الجيوش المصطفّة مع ميثرا ورشنو، ويسأل: من الذي يكذب على ميثرا؟ من الذي ينقض يمينه أمام رشنو؟ لمن أعطي بقوّتي المرض والموت؟ وفي نشيد ميثرا يركض أمامه في صورة الخنزير البرّي الحادّ الأنياب الذي يقتل بضربة واحدة.

النار المنتصرة

وكانت صفة vərəθraγan «ڤِرِثْرَغَن»، المنتصر، تُقال للنار أيضاً، فهي «النار المنتصرة». ومنها جاءت في نقوش الكاهن كِرْدير في القرن الثالث الميلادي «نار ورهران»، ثم «آتش بهرام»، أعلى درجات النار المقدّسة عند الزرادشتيين، ثم ظنّها الناس بعد الساسانيين نار الإله بهرام. وهي في الأصل النار الموصوفة بالنصر.

هرقل وآريس

وفي العصر الهلنستي صار ڤرثرغنا عند الإيرانيين وجيرانهم يُصوَّر في صورة هرقل اليوناني، رجلاً عارياً يحمل الهراوة وجلد الأسد، ويُسمّى آريس. ففي نقش أنطيوخوس الأوّل ملك كوماجين على جبل نمرود داغ في القرن الأوّل ق.م تأتي الأسماء الثلاثة معاً: أرتغنيس هرقل آريس. وعلى الطريق الكبير في بيستون صورة هرقل مضطجعاً على الصخر مؤرّخة بسنة 148 ق.م، ويرى علماء الإيرانيات فيها بهرام، حامي المسافرين. وعلى تيجان ملوك الساسانيين جناحا طائر جارح، علامة صلة الملك بإلهه بهرام، وأوّل ما ظهرا على تاج بهرام الثاني.

بعد الموت

وفي الكتب الفهلوية يرافق وهرام روح الميّت ويهديها في الأيام الثلاثة الأولى حتى فجر اليوم الرابع، مع سروشا ووَيْ الطيّب، وصار يُعبد حامياً للمسافرين.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الفارسية الخصومة بين أهورا مزدا وأنجرا ماينيو خصومةً بين المجتمع الزراعي المستقرّ وما يهلكه من جفاف وآفات وغارات الرعاة. وفي نشيد ڤرثرغنا وعد بهذا المعنى: إن قرّب له الناس كما ينبغي «لن يدخل بلادَ الآريين جيشٌ معادٍ، ولا وباء، ولا برص، ولا نبات سامّ، ولا عربة عدوّ، ولا رمح مرفوع». ثم يختم النشيد بالثور: «في الثور قوّتنا، وفي الثور حاجتنا، وفي الثور كلامنا، وفي الثور نصرنا، وفي الثور طعامنا وثيابنا، وفي الثور الحرث الذي ينبت لنا الطعام». فالنصر في هذا النشيد نصر أهل الحرث والقطيع.

التوازيات عبر الحضارات

في الهند لقب إندرا vṛtrahan «ڤْرِتْرَهَن»، قاتل فريترا، وهو اسم ڤرثرغنا نفسه في صيغته الهندية: هناك يقتل الإله الحيّة التي حبست المياه، وهنا صار القتل نفسه معبوداً، ولا حيّة في نشيده. وتذكّر صوره العشر بصور فيشنو في «البورانا»، وهي من التجليات، وإن لم تتطابق الصور. ويشاركه تشتريا ثلاثاً منها: الفتى في الخامسة عشرة، والثور ذهبيّ القرنين، والفرس الأبيض.

وعند الإغريق صار هو هرقل وآريس في نقش كوماجين، ونجمه المرّيخ هو نجم آريس عند الإغريق ونجم نرغال في بابل. وريشة طائره التي تشفي وتحمي تشبه ريشة سيمرغ في «الشاهنامه»، تمسح بها جراح رودابه حين وُلد رستم، ويركب طائرَه ثرايتاونا حين يضرب أژي دهاكا.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «بهرام يشت» 14، ترجمة دارمستتر.

  2. مِهْر يَشْت 10.70، ترجمة دارمستتر.

  3. الموسوعة الإيرانية، «بهرام: في النصوص الإيرانية القديمة والوسطى»، غنولي، «بهرام في الفنّ الإيراني»، «بهرام»، اسم الملوك.

  4. معجم لين، بهر وغنم.