الرئيسية/الكيانات/السَّيْذْر

السَّيْذْر

ملخص

السَّيْذْر، seiðr «سَيْذْر»، عمل من السحر والعرافة في أخبار أهل الشمال وأساطيرهم: تجلس امرأة تُسمّى الڤُولْڤا، völva «ڤُولْڤا»، على منصّة عالية، وتُنشد حولها النساء نشيداً، فتأتيها الأرواح، فتعرف ما سيكون من أحوال الناس والسنة. ويقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّه كان يُعمل في الليل، وإنّه كان يُطلب به الخير أو الشرّ لإنسان، أو يُسأل به عن المستقبل كما يُسأل العرّاف.

وأوضح وصف له في «ملحمة إيريك الأحمر». وقع في غرينلاند قحط شديد، فقلّ صيد من خرج للصيد، ولم يرجع بعضهم. وكانت في المستوطنة امرأة اسمها ثُورْبْيُورْغ، عرّافة تُسمّى «الڤولڤا الصغيرة»، كانت لها تسع أخوات كلّهنّ عرّافات، وبقيت وحدها حيّة. وكانت تطوف في الشتاء على الولائم، يدعوها من يريد أن يعرف قدره أو حال السنة. فدعاها ثُورْكِل، أكبر الفلّاحين هناك، ليعرف متى ينتهي القحط، وأعدّ لها مقعداً عالياً عليه وسادة محشوّة بريش الدجاج. فجاءت في المساء وعليها عباءة زرقاء مرصّعة بالحجارة إلى طرفها، وفي عنقها خرز من زجاج، وعلى رأسها قلنسوة سوداء من جلد الحمل بطانتها من جلد قطّ أبيض، وفي يدها عصا لها مقبض من نحاس أصفر مرصّع بالحجارة، وفي حزامها كيس كبير فيه أدوات سحرها، وفي رجليها حذاء من جلد العجل بشعره، وفي يديها قفّازان من جلد القطّ. فأطعموها عصيدة من لبن المعز وقلوب كلّ ما عندهم من الحيوان، وأكلت بملعقة من نحاس وسكّين لها مقبض من العاج انكسر رأسها. وطلبت أن تنام ليلتها قبل أن تجيب.

وفي اليوم التالي أُعدّ لها ما تحتاج إليه «لتعمل السيذر»، وطلبت نساء يعرفن النشيد الذي يُسمّى Varðlokur «ڤارْذْلُوكُور»، فلم يجدوا أحداً. فقالت غُوذْرِيذ، وهي ضيفة مع أبيها: لست ساحرة ولا عرّافة، لكنّ مربّيتي في آيسلندا علّمتني هذا النشيد، ولا أريد أن أشارك فيه لأنّي امرأة مسيحية. فألحّ عليها ثوركل حتى قبلت. فوقفت النساء حلقة حول المنصّة، وجلست ثوربيورغ فوقها، وأنشدت غوذريذ النشيد بصوت لم يسمع الحاضرون أجمل منه. فشكرتها العرّافة وقالت: جاءت الآن أرواح كثيرة كانت من قبل تنصرف عنّا ولا تطيعنا، وصار كثير ممّا كان خفيّاً عنّي ظاهراً لي. ثم قالت لثوركل: لن يدوم هذا القحط بعد هذا الشتاء، وسيتحسّن الحال مع الربيع، ويزول المرض قبل أن تظنّوا. وقالت لغوذريذ: ستتزوّجين هنا زواجاً لا يطول، ثم ترجعين إلى آيسلندا، ويخرج منك نسل كبير. ثم أقبل الناس عليها يسألها كلّ واحد عمّا يريد أن يعرف، وتحسّن الطقس كما قالت. أمّا أبو غوذريذ فخرج من البيت ما دام هذا العمل قائماً.

ويضع سْنُورِي السيذر عند الآلهة. يقول في «ملحمة ينغلينغا» إنّ فريا ابنة نْيُورْذ كانت كاهنة القرابين، وإنّها أوّل من علّم الفانير سحرهم للآسِير: «علّمت أوّلاً بين الآسير السيذر الذي كان من عادة الفانير». ويقول إنّ أودين كان يعرف الفنّ الذي فيه أعظم القوّة، وهو السيذر، فيعرف به أقدار الناس وما لم يقع بعد، ويُنزل به الموت أو سوء الحظّ أو المرض، ويأخذ من الناس عقولهم أو قوّتهم ويعطيها غيرهم، «لكن يتبع هذا السحر من الـ ergi «إِرْغِي»، أي التخنّث، ما جعل الرجال يرون العمل به عاراً، فعُلّم للكاهنات». وفي «مشاتمة لوكي» يعيّر لوكي أودين بذلك: يقولون إنّك عملت السيذر في جزيرة سامْسَي، وضربت على الدفّ كما تفعل الڤولڤات، ومشيت بين الناس في هيئة ساحر، فرأيت ذلك علامة رجل مخنّث.

والفكرة التي يدور عليها السيذر أنّ معرفة القدر تأتي من امرأة تجلس عالية وسط جماعتها، وينشد لها غيرها، فتنزل إليها الأرواح. والجماعة هي التي تطلبها في سنة الجوع، وتطعمها قلوب حيوانها، وتسألها متى ينتهي الشتاء ومن تتزوّج الفتاة. فهي تجمع ما تخافه البيوت كلّها في ليلة واحدة وتعطيه جواباً. ولأنّ هذا العمل من شأن النساء والفانير، فالرجل الذي يعمله، ولو كان أودين نفسه، يدفع ثمنه من رجولته في كلام الناس.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ هذه الكلمة. ننزع من seiðr «سَيْذْر» راء الرفع، فيبقى seið- «سَيْذ»، بالسين والذال. ونقرؤه «شَدا»: يقول لين إنّ شَدا الشعرَ أنشده وغنّاه، ومدّ صوته فيه وردّده، وإنّ الشادي المغنّي، وإنّ «شدا من العلم» أصاب منه شيئاً واهتدى به إلى أكثر منه. والشين العربية تصير سيناً في غير العربية، كما في جدول مشروع جذور، والدال تقابل الذال النوردية. وهذا ما يصنعه السيذر في الملحمة: نشيد يُمدّ فيه الصوت، فتأتي منه معرفة لم تكن.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
seiðr سَيْذْر السحر والرقية والعرافة، والراء علامة الرفع
seiða، síða سَيْذا، سِيذا الفعل: عمل السيذر، والثاني الصيغة الأقدم
seiðkona، seiðmaðr سَيْذْكُونا، سَيْذْماذْر المرأة التي تعمله والرجل الذي يعمله
seiðhjallr سَيْذْهْيالْر المنصّة التي تجلس عليها العرّافة
völva، völur ڤُولْڤا، ڤُولُور العرّافة وجمعها
شَدا، شادٍ شَدا، شادٍ العربية التي نقرأ بها الاسم: الإنشاد ومدّ الصوت، والمنشد

يجعل كْرُونِن في معجمه الاشتقاقي للجرمانية الأصل *saida- «سايْذا» بمعنى السحر والرقية، ويقول إنّه هو نفسه الليتوانية saitas «سايْتاس»، أي السحر، والويلزية الوسطى hud «هِيد» بالمعنى نفسه، وإنّه مشتقّ من الجذر الذي في الفعل النوردي síða «سِيذا»، عمل الرقى، وفي الإنجليزية القديمة -siden «سِيدِن»، السحر. فالكلمة قديمة في لغات أوروبا، ومعناها في كلّها السحر. ويقول كليسبي وفيغفوسون إنّ السحرة كانوا يجلسون على المنصّة «فينشدون منها رقاهم وأغانيهم».

فالقراءة تتناول seið- «سَيْذ» وحده: السين والذال، والصائت بينهما يتبدّل في الجرمانية بين ei وí كما في الفعلين. والشين العربية سين في الجرمانية، والدال ذال. ومعنى شدا في العربية الإنشاد بمدّ الصوت، والمعرفة التي يُهتدى بها إلى أكثر منها، وهذان هما ما يصنعه السيذر في وصف ثوربيورغ: نشيد Varðlokur «ڤارْذْلُوكُور» يجمع الأرواح، ثم علم بما سيأتي. وحدّ القراءة أنّ الكلمة الأوروبية معناها السحر نفسه، وأنّ شدا العربية معناها الغناء، فالقراءة تقف على الوسيلة التي يُعمل بها السحر، لا على اسم السحر.

السرديات الأسطورية الرئيسة

هُولْد وملوك ينغلينغا

يروي سنوري في «ملحمة ينغلينغا» أنّ الملك ڤانْلانْدي تزوّج في فنلندا دْرِيفا، ووعدها أن يرجع بعد ثلاث سنين، فلم يرجع عشراً. فاستأجرت دريفا هُولْد صاحبة السيذر لتجذبه بسحرها إلى فنلندا أو تقتله. فلمّا عُمل السيذر وهو في أوبسالا اشتاق إلى السفر، فمنعه أصحابه وقالوا إنّه سحر الفنّيين، فنام، فصاح إنّ الكابوس يدوسه، فلمّا أمسكوا رأسه داست ساقيه، ولمّا أمسكوا ساقيه خنقت رأسه حتى مات. ثم طلب ابنا الملك ڤِيسْبُور من هولد نفسها أن تعمل السيذر ليقدرا على قتل أبيهما، فقالت إنّها ستعمله، وإنّ القتل بين الأقارب سيبقى في نسل ينغلينغا بعد ذلك، فقبلا، وأحرقا أباهما في بيته.

هَيْذ في «نبوءة العرّافة»

و«نبوءة العرّافة» نفسها كلام ڤولڤا تقصّ على أودين أوّل العالم وآخره. وفيها أنّ الآلهة طعنوا امرأة اسمها غُولْڤَيْغ بالرماح، وأحرقوها ثلاث مرّات، فوُلدت ثلاث مرّات وما زالت حيّة، وسمّوها هَيْذ حيث دخلت البيوت، «ڤولڤا حسنة النبوءة، تعرف الأرواح، تعمل السيذر حيث استطاعت»، ثم تأتي الحرب الأولى بين الآسير والفانير.

القراءة الرمزية

تجعل مقالة إعادة القراءة النوردية فريا جامعة للحبّ والحرب والسيذر، وتقرأ آلهة الفانير طبقة المنتجين في المجتمع. والسيذر في «ملحمة إيريك الأحمر» يشهد لهذا من داخل النصّ: يُطلب في سنة قحط، وسؤاله عن الصيد والطقس والمرض والزواج، أي عن رزق البيوت وبقاء نسلها، وأجر العرّافة طعام من أطيب ما في البيت.

التوازيات عبر الحضارات

في مصر قوّة السحر نفسها إله اسمه حِكا، وتقول «ملحمة ينغلينغا» إنّ أودين كان يطفئ النار ويسكّن البحر «بالكلام وحده»، وإنّه علّم ذلك بالرونات والأغاني التي تُسمّى galdrar «غالْدْرار». فالسحر في الموضعين كلام يُقال، لكنّ السيذر في الشمال عمل امرأة تجلس على منصّة ويُنشد لها، والغالدر رقية تُقال، وهما شيئان عند سنوري.

وفي اليابان ترقص أمينو أوزومه أمام الكهف الذي احتجبت فيه الشمس على لوح مجوّف تضربه بقدميها حتى يدوّي، «كأنّ كامياً حلّ فيها»، والكامي كلّهم مجتمعون حولها في ظلمة لا يعرفون متى تنتهي. وثوربيورغ تجلس على منصّتها وسط جماعة في قحط لا تعرف متى ينتهي، فتأتيها الأرواح بالنشيد. ويختلف العملان في الغاية: أوزومه تُخرج الشمس، وثوربيورغ تعرف متى تخرج.

والسيذر عند أهل الشمال طريقهم إلى معرفة ما تقضيه النورنات، ولذلك تسأل العرّافة عن القدر في البيوت كما تسأل الڤولڤا في «نبوءة العرّافة» عن قدر العالم كلّه حتى راغناروك. وهو عند أهل الشمال باب من أبواب العرافة والكهانة التي عرفتها الشعوب، من الكاهنة في دلفي إلى الكاهن في جزيرة العرب.

وفي دلفي كانت الپيثيا تجلس على حامل ثلاثي عالٍ فوق شقّ في الأرض، فتنطق بجواب أبولو لمن يسأل، ويُدفع للوحي الذهب كما تُعطى العرّافة الشمالية الخواتم والقلائد، وخبرها في دلفي.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «ملحمة إيريك الأحمر» 4، النصّ النوردي، والترجمة الإنجليزية.

  2. «ملحمة ينغلينغا»، النصّ النوردي؛ «مشاتمة لوكي»؛ «نبوءة العرّافة».

  3. كليسبي وفيغفوسون: السيذر، seiða «سَيْذا»؛ كرونن، المعجم الاشتقاقي للجرمانية الأولى.

  4. معجم لين، شدو.

  5. «كوجيكي»، القسم 16.