ملخص
الأكيتو عيد رأس السنة في بابل، يقع في أوّل شهر نيسان، شهر الربيع والحصاد، ويدوم اثني عشر يوماً. يخرج فيه تمثال مردوخ من معبده إيساگيل إلى «بيت الأكيتو» خارج المدينة ثم يعود، ويأتي ابنه نبو من بورسيبا ليشارك أباه العيد، ويأخذ الملك بيد المعبود ليقوده في الموكب. والكلمة البابلية akītu «أكيتو» اسم للعيد واسم للبيت الذي يُقام فيه معاً، وهي قديمة: في الجداول السومرية «يوم الأكيتو» á-ki-ti «آكيتي»، وفي نصوص أخرى «أكيتو البذار» في شهر الزرع في الخريف، فكان العيد يقع عند رأسي السنة الفلاحية.
وأتمّ ما بقي من العيد ألواح طقسية من أواخر عهد بابل، تصف أيّامه من الثاني إلى الخامس من نيسان، نشرها تورو دانجان. في اليوم الثاني يقوم الكاهن الأكبر قبل الفجر، ويغتسل بماء النهر، ويصلّي لمردوخ وحده. وفي مساء اليوم الرابع يتلو الكاهن «إينوما إيليش» من أوّلها إلى آخرها أمام تمثال مردوخ، أي قصّة حربه مع تيامت وجلوسه ملكاً على المعبودات، ويبقى تاج آنو وعرش إنليل مغطّيين ما دامت التلاوة.
وفي صباح اليوم الخامس يطهّر الكاهن المعزّم بيت نبو داخل المعبد: يرشّه بالماء، ثم يقطع السيّاف رأس خروف، ويمسح المعزّم المعبد بجسده، ويُلقى الجسد والرأس في النهر، ويخرج الرجلان إلى البرّية ولا يدخلان بابل ما دام نبو فيها، من الخامس إلى الثاني عشر من الشهر، لأنّهما حملا النجاسة. ولا يجوز للكاهن الأكبر أن يرى التطهير، فإن رآه لم يكن طاهراً. ثم يدخل الملك. يأخذ الكاهن منه الصولجان والحلقة والتاج، ويضعها أمام مردوخ، ثم يضرب خدّه، ويجرّه من أذنيه، ويُركعه على الأرض، فيقول الملك: «لم أخطئ يا ربّ البلاد، ولم أهمل أمر ألوهيّتك، ولم أهدم بابل، ولم آمر بتشتيت أهلها، ولم أزعزع إيساگيل، ولم أنس شعائره، ولم أضرب خدّ أهلها المحميّين، ولم أذلّهم». فيجيبه الكاهن بأنّ مردوخ سمع دعاءه وسيعظّم ملكه ويهلك أعداءه، ويردّ إليه شاراته، ثم يضرب خدّه مرّة أخرى: فإن سالت دموعه فمردوخ راضٍ، وإن لم تسل فمردوخ غاضب، وسيقوم العدوّ ويُسقطه. وعند الغروب يحفر الكاهن حفرة يضع فيها أربعين قصبة وعسلاً وقشدة وزيتاً، ويوقف أمامها ثوراً أبيض، ويشعل الملك النار، ويقولان: «أيّها الثور الإلهي، يا نوراً ساطعاً يضيء الظلام».
والعيد لا يقوم إلّا بثلاثة: الملك ونبو ومردوخ. تقول حولية نبونيد إنّ الملك أقام في تيماء سنوات، «فلم يأت الملك إلى بابل لشعائر نيسان، ولم يأت نبو إلى بابل، ولم يخرج بِل في موكبه، وتُرك عيد رأس السنة»، وإن بقيت القرابين في إيساگيل وإيزيدا تُقدَّم كاملة.
والفكرة التي يدور عليها الأكيتو أنّ النظام يُعاد كلّ سنة من أوّله. تُتلى قصّة الخلق فيعود مردوخ ملكاً كما صار ملكاً أوّل مرّة، ويُجرّد الملك من شاراته ثم تُردّ إليه فيأخذ ملكه من يد المعبود من جديد، ويُطهَّر المعبد بحيوان يحمل النجاسة إلى النهر، ويخرج المعبود من المدينة ويعود إليها. ويكتب نبو في آخر العيد أقدار السنة على لوح الأقدار. فالسنة الجديدة عند البابليين وقت مكتوب ومكان معيّن معاً: يوم يُقضى فيه، وبيت يخرج إليه المعبود.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج لأنّ المقالتين البابليتين لا تقرآن الكلمة: akītu «أكيتو» هو «أقّت» و«المِيقات». يقول لين إنّ «وقّت الشيء» و«أقّته» عيّن له وقتاً، وإنّ «أُقِّتَتْ» في قوله تعالى ﴿وَإِذَا الرُّسُلُ أُقِّتَتْ﴾ لغة في «وُقِّتَتْ»، وإنّ الميقات الوقت المضروب للفعل، والموضع الذي يُعيَّن لفعل، كمواقيت الحجّ التي يُحرم منها الحاجّ. والأكيتو كذلك تماماً: يوم معيّن في رأس السنة، وبيت معيّن خارج المدينة. والهمزة همزة «أقّت»، والكاف تقابل القاف لأنّ العلامة المسمارية التي تُكتب بها ki «كي» تُقرأ أيضاً qí «قي»، والتاء أصلية كتاء الوقت.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| á-ki-ti | آكيتي | الكلمة في الجداول السومرية، «يوم الأكيتو» |
| akītu، a-ki-tum | أكيتو، أكيتُم | العيد والبيت معاً في الأكدية، ومنها bīt akīti «بيت أكيتي» |
| a-ki-it e-re-ši | أكيت إرِشي | «أكيتو البذار» في شهر الزرع |
| أقّت، وقّت، ميقات | أقّت، وقّت، ميقات | العربية التي نقرأ بها الكلمة |
يقول قاموس شيكاغو إنّ akītu «أكيتو» كلمة دخيلة في الأكدية، أي من السومرية، ويعرّفها «عيداً، والمعبد الذي يُقام فيه العيد»، ويذكر أنّها تُكتب من العصر البابلي القديم، وجمعها في نقش ملكي من ذلك العصر á-ki-a-ti-šu-nu «أكياتيشونو». ويذكر في الجدول المعجمي السومري الأكدي «يوم الأكيتو»، وفي وصف شهر أرخسمنا من الخريف «يُقام أكيتو البذار».
فالقراءة تتناول الكلمة كلّها: الهمزة والقاف والتاء، والياء الطويلة بين القاف والتاء كياء «ميقات» إذا قُلبت. والذي يقرّبها أنّ العربية تحفظ الفعل بالهمزة في أوّله، «أقّت»، كما في الأكدية، وأنّ معنى الميقات يجمع الزمان والمكان، والأكيتو كذلك يومٌ وبيت. وحدّ القراءة أنّ الكلمة السومرية á-ki-ti أقدم من كلّ كتابة سامية لها، فالقراءة تحتاج إلى أن تكون الكلمة قد دخلت السومرية من الجانب السامي، ولا شاهد على ذلك في الجداول المعجمية بعد.
السرديات الأسطورية الرئيسة
مردوخ الأسير في شرح آشوري
بقي من آشور ونينوى شرح يقرأ شعائر العيد قصّةً أخرى: مردوخ فيه محبوس في «الجبل»، أي في السجن، وبيت الأكيتو «بيت على حافّة موضع المحاكمة» يُسأل فيه. يأتي نبو من بورسيبا من أجل المحبوس، وتجول بِلِت إيلي في الشوارع تسأل «أين يُسجن؟»، وتذهب إلى المقابر تريد أن تدفنه، وتصلّي زوجته «لا تقتلوه، دعوا بِل يحيا». ويقول الشرح إنّ «إينوما إيليش» التي تُتلى أمامه في نيسان «تتعلّق بسجنه»، وإنّ مردوخ يقول: «لم أفعل إلّا الخير لآشور، فما ذنبي؟»، وإنّ العربة التي تذهب إلى بيت الأكيتو وتعود لا سائق لها. فالشرح يجعل آشور القاضي، ويجعل العيد محاكمة لمردوخ لا تتويجاً له، وهو قراءة آشورية لعيد بابلي. آشور
بيوت الأكيتو في المدن الأخرى
لم يكن الأكيتو لبابل وحدها. يجمع قاموس شيكاغو شواهد على بيوت أكيتو لعشتار في نينوى بناه سرجون ثم جُدّد بعده، ولعشتار في أربيل، ولسين في حرّان، ولتشميتو في كلخ، ولسيّدة أوروك. ويقول سنحاريب إنّ بيت أكيتو آشور خارج سور مدينة آشور نُسي زمناً طويلاً، فكانت شعائر آشور تُقام داخل المدينة، فأعاد بناءه. وفي بابل نفسها يحلّ مردوخ في بيت الأكيتو في اليوم الثامن، ويذكر نبوخذنصّر سفينة مردوخ التي يسير بها في الفرات وفي طريق الأكيتو في رأس السنة.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالة إعادة القراءة البابلية مردوخ رمزاً للنظام الذي أقامته بابل، وتقول إنّ «مردوخ يصنع التقويم» يعني أنّ بابل قسمت السنة اثني عشر شهراً والشهر ثلاثين يوماً. والأكيتو هو الموضع الذي يظهر فيه هذا التقويم عملاً: في أوّل الشهر الأوّل تُتلى قصّة الخلق التي يقسم فيها مردوخ السنة، ويُكتب فيه قدر السنة الآتية.
التوازيات عبر الحضارات
يجمع الأكيتو أمرين يتكرّران في أعياد رأس السنة. الأوّل أنّ ما يُفعل عند باب السنة يحكم السنة كلّها، وهو ما يقوله أهل شمال إفريقيا في ينّاير: من نام جائعاً ليلته بقي جائعاً العام كلّه. والفرق أنّ ينّاير عيد بيت وقرية يأكل فيه الناس من كلّ صنف ليكثر، أمّا الأكيتو فعيد معبد وقصر يُقضى فيه قدر البلاد والملك. والثاني اقتران المعبود بالملك في رأس السنة، وأقدم رواية تامّة له نشيد سومري يصف إنانا تقضي مصير البلاد في رأس السنة مع الملك، كما في الزواج المقدّس.
وتطهير بيت نبو بخروف يُلقى في النهر ويحمل معه النجاسة يقابل ما في التطهير الياباني الأكبر، حيث تحمل الأنهار الذنوب إلى البحر فتبتلعها ربّة المدّ، وما في سفر اللاويين 16 حيث يحمل التيس ذنوب الشعب إلى البرّية. والقاسم المشترك أنّ النجاسة تُنقل من المكان إلى حامل ثم إلى خارج المدينة.