ملخص
هِيفَايْسْتُوس صانع الآلهة وربّ النار والحدادة في أساطير الإغريق. يروي هِسْيُود أنّ زيوس ولد أثينا من رأسه، فغضبت هيرا وخاصمته، وولدت هيفايستوس وحدها من غير زيوس، فكان أمهر أبناء السماء في الصنعة. أمّا «الإِلْيَاذَة» فتجعله ابن زيوس وهيرا معاً.
وُلد هيفايستوس أعرج، فأرادت أمّه أن تخفيه حين رأته كذلك، فسقط من السماء، وآوته ثِيتِيس ويُورِينُومِي تسع سنين يصنع لهما الحليّ. وفي موضع آخر من الإلياذة أمسكه زيوس من قدمه ورماه من السماء لأنّه أراد نصرة أمّه، فظلّ يهوي يوماً كاملاً حتى سقط في جزيرة لِيمْنُوس. ومع ذلك صار هو الذي يبني للآلهة بيوتهم، وصنع بأمر زيوس أوّل امرأة من الطين، وهي بَانْدُورَا. ولمّا قُتل باتروكلوس جاءته ثيتيس تطلب سلاحاً لابنها أخيل، فوجّه عشرين منفاخاً إلى النار، وأمسك المطرقة والملقط، وصنع له ترساً صوّر عليه الأرض والسماء والبحر، ومدينة في السلم وأخرى في الحرب. وزوجته في «الأُودِيسَّة» أفروديت، فلمّا خانته مع آريس صنع شبكة خفيّة أمسكتهما على الفراش.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الابن الذي رُفض لعيب في جسده هو الذي تقوم عليه صنعة الآلهة كلّها. ما ليس له من قوّة الجسد يعوّضه بالنار واليد: يمسك آريس السريع وهو بطيء أعرج، ويردّ جميل ثيتيس بسلاح يحمي ابنها في الحرب. وعمله كلّه يبدأ من نار يضبطها بالهواء الذي يدفعه فيها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: ننزع اللاحقة اليونانية -os «ـوس» من Ἥφαιστος / Hēphaistos «هِيفَايْسْتُوس» فيبقى «هيفايست». ويقرأ المقال الإغريقي في هذا المشروع أوّله «نَفَثَ» بإبدال النون هاءً، ويعدّ ما بعده زيادة. والنفث في العربية قريب من النفخ، ويقال نفثت القدر إذا بدأت تغلي. فهيفايستوس على هذه القراءة «النافث»، الذي ينفخ في النار، وهو ما تجعله القصّة: صانع يوجّه المنافخ إلى النار فيصير المعدن سلاحاً.
الجذر اللغوي
الصيغ
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| Ἥφαιστος / Hēphaistos | هِيفَايْسْتُوس | الاسم في الرفع |
| Ἡφαίστου / Hēphaistou | هِيفَايْسْتُو | الإضافة، أي «لهيفايستوس»؛ تبقى فيها السين والتاء، فهما من جسم الاسم |
| HEPHAISTOS | هِيفَايْسْتُوس | الاسم مكتوباً على إناء سُوفِيلُوس نحو 580 ق.م |
وكانت φ «فاي» في النطق الكلاسيكي باءً تخرج معها نفخة، ثم قاربت الفاء في عصور لاحقة.
النافث وعائلة النفخ
في معجم لين النفث قريب من النفخ، مع خلاف في مقدار الريق الذي يخرج معه، ويقال إنّ القدر تنفث في أوّل غليانها. فاللفظ يجمع حركة الهواء وخروج شيء معه. وفي مشهد صنع السلاح تؤدّي المنافخ العشرون هذا العمل: يأمرها هيفايستوس فتنفخ في النار بقدر ما يحتاج.
| الفرع والشاهد | اللفظ وقراءته | المعنى |
|---|---|---|
| العربية، معجم لين | نَفَثَ؛ نَفْث | نفخ أو إخراج شيء؛ ويستعمل لغليان القدر في بدايته |
| العربية في مقارنة معجم براون ودرايفر وبريغز | نَفَخَ | دفع الهواء؛ يقارنه المعجم بالفعل العبري والآرامي |
| العبرية، إشعياء 54:16 | נֹפֵחַ «نُوفِيَح»؛ من נָפַח «نَافَح» | نافخ في نار الفحم؛ الفاعل صانع يخرج أداة لعمله |
| الآرامية، تَرْجُوم إشعياء 44:12 | נַפָחָא «نَپّاحَا»؛ والفعل נָפַח «نَافَح» | حدّاد يصنع أداة من الحديد وينفخ النار في الفحم |
| السريانية، البشيطتا في يوحنا 20:22 | ܢܦ݂ܲܚ «نْفَح» | نفخ فيهم؛ شاهد على الفعل في سياق النفَس، لا اسم للحداد |
يجمع هذه الشواهد المعجم العبري، נָפַח «نَافَح» والمعجم الآرامي الشامل، نفح، ويبيّن إشعياء 54:16 عمل الصانع. فالآرامية تسمّي الحدّاد باسم مأخوذ من النفخ، وهذه صلة لغوية مباشرة بين المهنة والنفخ، مستقلّة عن الحكاية اليونانية. أمّا «نفث» العربية فتختلف عن «نفخ» في آخرها، الثاء مكان الخاء.
وأمّا الصوت، فالفاء تقابل φ «فاي» بلا صعوبة. والخطوة الصعبة إبدال النون هاءً في أوّل الاسم، وهو إبدال غير معتاد. ويبقى السين والتاء في «هيفايست» في مقابل ثاء «نفث»، والمقال يعدّهما زيادة، مع أنّ صيغة الإضافة تبيّن أنّهما من جسم الاسم.
قراءتان أخريان في المقال
يذكر المقال مع «نفث» لفظين آخرين. الأوّل «حَيْفَس»، وهو في لسان العرب الرجل القصير السمين، ويورد معه «حَفَيْتَأ» بالتاء، وينقل عن الأَزْهَرِي أنّ التاء بدل من السين. وفيه الحاء مقابل الهاء والفاء مقابل φ «فاي»، ويقابله في الإلياذة جذع هيفايستوس الضخم، لكنّ اللفظ العربي لا يعني أعرج ولا حدّاداً، ولا يصفه هُومِيرُوس بالقِصَر. والثاني «هَفَتَ»، أي تساقط الشيء قطعة بعد قطعة، ويستعمل للانخفاض، فيوافق مشهد سقوطه من السماء، وترتيب الهاء والفاء والتاء فيه قريب من أصوات الاسم، وتبقى السين بلا تفسير.
السياق التاريخي
تقدّم الإلياذة والأوديسة المنسوبتان إلى هُومِيرُوس، و«الثيوغونيا» «ثِيُوغُونِيا» لهسيود، أقدم الشواهد الأدبية على هيفايستوس. ومن الشواهد المادية إناء سُوفِيلُوس المحفوظ في المتحف البريطاني برقم 1971.11-1.1 «رمز فهرسي»، والمؤرخ بنحو 580 ق.م، وعليه اسم HEPHAISTOS «هِيفَايْسْتُوس» مكتوباً بجوار صورته في موكب زفاف بيليوس وثيتيس. فهرس إناء سوفيلوس في المعهد الوطني لتاريخ الفن.
ترتبط به ليمنوس، الجزيرة الواقعة في شمال بحر إيجة: يسمّيها في الأوديسة أحبّ البلاد إليه، وفيها سقط حين رماه زيوس. أمّا سلاح أخيل فيصنعه في بيته بين مساكن الخالدين. ويضع كَالِيمَاخُوس الكِيكْلُوبَات، العمّال ذوي العين الواحدة، عند سنادينه في جزيرة لِيبَارِي قرب صقلية، ويسمّي الجزيرة أيضاً باسمها السابق مِيلِيغُونِيس. فلكلّ نصّ مكانه، ولا تجتمع القصص كلّها تحت جبل إِتْنَا.
الأسرة ومن حوله
| الصلة | الأشخاص | الرواية |
|---|---|---|
| الأم والأب | هيرا؛ وزيوس في الرواية الهوميرية | هسيود 927–929 يجعل هيرا تلده دون زيوس؛ الإلياذة 1.578–583 تسمّي هيرا أمه وزيوس أباه |
| الزوجة | خَارِيس في الإلياذة؛ أَغْلَايَا، أصغر ربّات الحسن، عند هسيود؛ أفروديت في الأوديسة | الإلياذة 18.382–383؛ هسيود 945–946؛ الأوديسة 8.266–366؛ لا تروي هذه النصوص ترتيباً زمنياً واحداً للزيجات |
| من آوتاه | ثيتيس، أم أخيل، ويورينومي ابنة أُوقِيَانُوس | الإلياذة 18.393–405 |
| ابن في الرواية الأثينية | إِرِيخْثُونِيُوس، الذي يصير ملكاً لأثينا | المكتبة 3.14.6 |
| شريكة تعليم الصنعة | أثينا | النشيد 20 |
| خصم ووسيط | آريس وبوسيدون | الأوديسة 8 |
مصادر الجدول: الإلياذة الأولى والثامنة عشرة، هسيود، الأوديسة الثامنة، المكتبة 3.14.6، النشيد 20.
السرديات الأسطورية الرئيسة
السقوطان
في الإلياذة الثامنة عشرة يقول هيفايستوس إنّ أمّه أرادت إخفاءه بسبب عرجه، وإنّ ثيتيس ويورينومي خبّأتاه في كهف يحيط به ماء أوقيانوس، لا يعلم به أحد من الآلهة ولا من البشر. أمّا في الإلياذة الأولى فيسقط بعد أن يحاول نصرة هيرا، فينزل بليمنوس عند الغروب وفيه نفَس قليل، ويعتني به أهلها السِّنْتِيُّون. والعرج في الرواية الأولى سابق للسقوط، فلا يُجعل نتيجة له.
بقيّة السلاح
بعد الترس يصنع هيفايستوس لأخيل درعاً أسطع من النار، وخوذة ثقيلة بعرف من ذهب، وواقيتين للساقين من القصدير، ثم يضعها أمام ثيتيس فتحملها إلى ابنها.
تفاصيل الشبكة
ينشد قصّة الشبكة دِيمُودُوكُوس، المغنّي الذي يسمعه أوديسيوس عند الفَيَاكِيِّين. يخبر هِيلْيُوس، الشمس، هيفايستوس بما رأى، فيخفي القيود حول الفراش ويتظاهر بالسفر إلى ليمنوس. ثم يدعو الآلهة ويطلب ردّ هدايا الزواج، فيضمن بوسيدون التعويض إن لم يدفعه آريس، فيطلقهما.
أثينا وإريخثونيوس
في «المكتبة» المنسوبة إلى أَبُولُودُورُوس تأتي أثينا إلى هيفايستوس تطلب سلاحاً، فيلاحقها ويحاول الاعتداء عليها، فتمتنع. تمسح بالصوف المنيّ الذي أصاب ساقها وتلقيه على الأرض، فيولد منها إريخثونيوس، وتتولّى أثينا تربيته. ويحفظ النصّ قبل ذلك قولاً آخر يجعل أمّه أَتِّيس بنت كْرَانَاوُس.
القراءة الرمزية
تصنع ورشة هيفايستوس أشياء تُستعمل مباشرة: زينة تُلبس، وبيوتاً تقاوم الفصول، وسلاحاً يحمي ويقتل، وقيوداً تمنع الحركة. وينسب إليه النشيد العشرون وإلى أثينا تعليم البشر الحرف التي نقلتهم من الكهوف إلى بيوت يسكنونها آمنين طوال العام.
ولهذه الصنعة جانب آخر في مسرحية «بروميثيوس المقيّد» المنسوبة إلى إِسْخِيلُوس. يُؤمر هيفايستوس بتقييد بروميثيوس لأنّه أعطى البشر النار، فيشفق عليه، لكنّه يخشى مخالفة زيوس فينفّذ الأمر. فاليد التي تصنع سلاح الحماية هي نفسها التي تقيّد بروميثيوس حين يأمرها زيوس.
ويجمع وصف جسمه في الإلياذة ضخامة الجذع والعنق مع ساقين نحيلتين وعرج. وتسنده خادمات من ذهب يصوّرهنّ النصّ كالنساء الحيّات، لهنّ فهم وصوت وقوّة. فلا يمنعه العرج من إدارة الورشة، ولا تقوم الورشة بغير أدوات ومساعدين.
التوازيات عبر الحضارات
تصلنا روايات رومانية مماثلة باسم فولكان، ويقرن معجم لِيدِل وسْكُوت الاسم اليوناني باللاتيني Vulcanus «وُولْكَانُوس». يصف فِرْجِيل ورشته حين تطلب فِينُوس سلاحاً لابنها أَيْنِيَاس، ويروي أُوفِيد الشبكة التي يمسك بها زوجته والمحارب. ويوصي فِيتْرُوفِيُوس بأن يكون معبد فولكان خارج الأسوار، حتى تبعد شعائره خطر الحريق عن البيوت.
وفي قصّة ذي القرنين يجتمع الحديد والنفخ والنار ثم إفراغ القطر في بناء ردم يحمي الناس. وتشبهها ورشة هيفايستوس في تسلسل العمل: مادة تُجمع، وحرارة تُضبط، وشيء مصنوع يحمي. في القرآن يقود ذو القرنين جماعة تشارك في البناء، ثم يقول عن الردم: «هذا رحمة من ربّي»؛ وفي الإلياذة يعمل الصانع استجابة لطلب ثيتيس.