الرئيسية/الكيانات/كنوز الآلهة

كنوز الآلهة

ملخص

كنوز الآلهة في أساطير الشمال ستّ تحف صنعها الأقزام بسبب جناية من لوكي: شعر من ذهب لـسيف زوجة ثور، والرمح غُونْغْنِير لـأودين، والسفينة سْكِيذْبْلاذْنِير لـفرير، والخنزير ذو الشعر الذهبي غُولِّينْبُورْسْتِي لفرير، والخاتم دْراوْبْنِير لأودين، والمطرقة ميولنير لثور. ويروي سْنُورّي سْتُورْلُسُون قصّتها في «لغة الشعر» «سْكالْدْسْكاپارْمال» جواباً عن سؤال: لماذا يسمّي الشعراء الذهب «شعر سيف»؟

قصّ لوكي شعر سيف كلّه خبثاً. فلمّا علم ثور أمسكه، وكاد يكسّر كلّ عظم فيه، حتى حلف لوكي أن يأتي من الألفار السود بشعر من ذهب ينبت كما ينبت الشعر. فذهب إلى أقزام يقال لهم أبناء إِيفالْدِي، فصنعوا الشعر، وصنعوا معه السفينة سكيذبلاذنير، والرمح الذي صار لأودين، واسمه غونغنير. ثم راهن لوكي برأسه قزماً اسمه بْرُوكّ على أنّ أخاه إِيتْرِي لا يصنع ثلاث تحف مثلها. فلمّا بلغا الكير وضع إيتري جلد خنزير في النار، وأمر بروك أن ينفخ بالمنفاخ ولا يتوقّف حتى يُخرج ما وضع. فلمّا خرج إيتري من الكير وقعت ذبابة على يد بروك فلدغته، فبقي ينفخ، حتى أخرج الحدّاد خنزيراً شعره من ذهب. ثم وضع ذهباً، فوقعت الذبابة على عنقه ولدغته ضعف ما لدغته أوّلاً، فبقي ينفخ، حتى أخرج الحدّاد خاتماً من ذهب اسمه دراوبنير. ثم وضع حديداً، وقال: إن توقّف النفخ فسد كلّ شيء. فوقعت الذبابة بين عينيه ولدغت جفنيه، فسال الدم في عينيه فلم يبصر، فمدّ يده بسرعة يطرد الذبابة، فهبط المنفاخ لحظة، وجاء الحدّاد فقال: كاد كلّ ما في النار يفسد، ثم أخرج مطرقة.

ثم جلس الآلهة على كراسيّ القضاء، وجعلوا الحكم لأودين وثور وفرير. فأعطى لوكي أودين الرمح، وقال: لا يتوقّف في طعنته أبداً، وأعطى ثور الشعر، فما إن وُضع على رأس سيف حتى التصق باللحم ونبت، وأعطى فرير السفينة، وقال: تجد الريح المواتية متى رُفع شراعها إلى حيث أراد صاحبها، وتُطوى كالقماش فتوضع في كيس. ثم أعطى بروك أودين الخاتم، وقال: يقطر منه في كلّ ليلة تاسعة ثمانية خواتم مثله في الوزن، وأعطى فرير الخنزير، وقال: يجري في الهواء وعلى البحر ليلاً ونهاراً أسرع من كلّ فرس، ولا تكون ظلمة في الليل ولا في عوالم الظلام إلّا أضاء ما حوله بشعره، وأعطى ثور المطرقة، وقال: يضرب بها ما شاء فلا تنكسر، وإذا رماها لم تخطئ ولم تبعد حتى ترجع إلى يده، وتصغر إن شاء حتى يحملها في قميصه، وعيبها أنّ مقبضها قصير. فحكموا بأنّ المطرقة خير الكنوز، وأقوى ما يدفع به الآلهة عمالقة الصقيع، وأنّ القزم ربح الرهان.

فعرض لوكي أن يفتدي رأسه، فأبى القزم، فقال لوكي: خذني إذن، فلمّا مدّ يده كان لوكي قد بعد، لأنّ له حذاءين يجري بهما في الهواء وعلى البحر. فطلب القزم من ثور أن يمسكه فأمسكه، فأراد القزم أن يقطع رأسه، فقال لوكي: لك الرأس، لا العنق. فأخذ القزم سيراً وسكّيناً ليثقب شفتي لوكي ويخيط فمه، فلم تقطع السكّين، فقال: المخرز خير هنا، فما إن ذكره حتى حضر المخرز فثقب الشفتين، فخاط فم لوكي، ومزّق لوكي الخيوط. والسير الذي خيط به فمه اسمه ڤَارْتَارِي.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ سلاح الآلهة لا يولد معهم: يصنعه قوم الأرض الذين نشأوا في لحم يمير، ويأتي به لوكي من جنايته ورهانه. والآلهة يقضون ويأخذون، والأقزام يصنعون، ولوكي ينجو برأسه بحيلة في الكلام. وخير الكنوز خرج ناقصاً، لأنّ العمل انقطع لحظة. ثم يعمل كلّ كنز في قصص أخرى: يضع أودين دراوبنير على محرقة ابنه بالدر، فيردّه بالدر من دار هيل مع هرموذر، ويعرضه سكيرنير على غيرذ فتأباه، ويجرّ غولينبورستي عربة فرير إلى جنازة بالدر، ويركب أودين في آخر الزمان إلى المعركة وفي يده غونغنير.

أمّا الأسماء فنقرأ منها في اللسان العربي اسم الخاتم أوّلاً، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ أسماء هذه الكنوز. Draupnir «دْرَاوْبْنِير» مبنيّ على draup «دْرَاوْب»، ماضي الفعل drjúpa «دْرْيُوبا»، أي قطر، وبهذا الفعل نفسه يصف سنوري الخاتم: «يقطر منه كلّ ليلة تاسعة ثمانية خواتم». ويقابله في العربية «ذَرَفَ»: في معجم لين ذرف الدمع سال وقطر، وذرفت عينه سال دمعها، واستذرف الشيءَ طلب أن يقطر، واستذرف الضرعُ دعا إلى حلبه وإلى طلب قطره. فالذال تصير d «د» كما تقول قوانين مشروع جذور، والراء راء، والفاء تقابل p «پ» التي لا تعرفها العربية. فالخاتم «الذارف»، الذي يقطر ذهباً كما يقطر الضرع، والذهب يأتي منه قطراً لا عدّاً: ثمانية في كلّ تسع ليال.

ويقرأ المقال السامي النوردي اسم سيف «السيف»، والشعر الذهبي كالسيف المسلول، وفي معجم لين أنّ السيف يقال لشعر ذيل الفرس، والسِّيف ليف أصول النخل، فالمادّة تجمع النصل والشعر كما تجمعهما قصّة سيف.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما هي
haddr Sifjar هَادّْر سِيفْيَار «شعر سيف»، كناية الشعراء عن الذهب
Gungnir غُونْغْنِير رمح أودين، «لا يتوقّف في طعنته»
Skíðblaðnir سْكِيذْبْلاذْنِير سفينة فرير، من skíð «سْكِيذ»، شظيّة الخشب، وblað «بْلاذ»، الورقة
Gullinbursti غُولِّينْبُورْسْتِي «ذهبيّ الشعر»، خنزير فرير، ويُسمّى أيضاً Slíðrugtanni «سْلِيذْرُوغْتانِّي»
Draupnir دْرَاوْبْنِير خاتم أودين، من drjúpa «دْرْيُوبا»، قطر
Mjöllnir مْيُولّْنِير مطرقة ثور
ذَرَفَ، استذرف سال الدمع وقطر؛ طلب أن يقطر
شَظِيَ، شَظِيّة انشقّ الخشب؛ القطعة المنشقّة منه

دراوبنير و«ذَرَفَ»

يقول معجم كْلِيسْبِي وفِيغْفُوسُون إنّ drjúpa «دْرْيُوبا» قطر، وماضيه draup «دْرَاوْب» وجمعه drupu «دْرُوبُو»، ويقابله بالإنجليزية drip «دْرِيپ»، ويجعل أوريل الفعل الجرماني *dreupanan «دْرِيُوپَانَان» بمعنى قطر، في الإنجليزية القديمة dreópan «دْرِيُوپَان» وفي الألمانية العليا القديمة triofan «تْرِيُوفَان». وفي «خداع غيلفي» يصف سنوري الخاتم بالفعل نفسه في الماضي: drupu af honum «دْرُوبُو أَفْ هُونُوم»، أي قطرت منه ثمانية خواتم. وفي معجم لين: ذرف الدمع سال، وذرفت العين دمعها أسالته، و«استذرف الضرع» دعا إلى حلبه وإلى طلب قطره.

والحروف ثلاثة في ترتيب واحد: الذال d «د»، والراء r، والفاء p. وفي جدول مشروع جذور أنّ الذال تصير d في اللغات الأوروبية، وأنّ الفاء تصير f في تسعة وثلاثين شاهداً وp في واحد وثلاثين. وجدول قانون غريم في قوانين التحوّلات يجعل الپاء الجرمانية مقابلة للباء، فالذي يسند مقابلة الفاء بالپاء هنا جدول جذور. والمعنى واحد في اللسانين: القطر، وهو ما يصنعه الخاتم.

سكيذبلاذنير و«شَظِيّة»

ويقول المعجم النوردي إنّ skíð «سْكِيذ» قطعة من الخشب المشقوق للوقود، وإنّ فعلها في القوطية skaidan «سْكَايْدَان»، أي فرّق، ويقابلها باللاتينية scindere «سْكِينْدِيرِه»، أي شقّ، ويقول أوريل إنّ الإنجليزية القديمة scíd «شِيد» القطعة من الخشب المشقوقة رقيقة. وفي معجم لين: شَظِيَ العود انشقّ، وتشظّى تفرّق شظايا، والشظيّة القطعة المنشقّة من العصا أو الخشب أو القصب أو العظم. فسفينة فرير على هذه القراءة سفينة من شظايا الخشب الرقيقة، ولذلك تُطوى كالقماش. وقراءتها مقترحة على المنهج، وموضع الضعف فيها حرفان: الشين العربية تقابل sk «سْك» النوردية، وهي السين والكاف التي صارت شيناً في الإنجليزية، كما صارت skip «سْكِيپ» النوردية ship «شِيپ»، وجدول جذور لا يعدّ هذه المقابلة، والظاء تقابل الذال النوردية ð «ذ». أمّا blað «بْلاذ»، الورقة، فلم نقرأه بعد.

اسم الأخ

في المخطوطة الوُرْمِيّة اسم أخي بروك إيتري، وفي المخطوطة الملكية تُرك الاسم بياضاً ثم مُلئ بعد ذلك بـسِنْدْرِي، ولا يُسمّى في المخطوطتين الأخريين. ولذلك يسمّيه فولكس في طبعته إيتري، وتسمّيه ترجمات أخرى سندري، وبهذا الاسم يُذكر في صفحات أخرى من هذه الموسوعة. ويقول المعجم النوردي إنّ eitr «إيتْر» السمّ، وإنّ سندري «الحدّاد».

السرديات الأسطورية الرئيسة

السفينة في «أقوال غريمنير»

يقول أودين متنكّراً في «أقوال غريمنير»: ذهب أبناء إيفالدي في الأيّام الأولى يصنعون سكيذبلاذنير، خير السفن، لفرير اللامع. ثم يعدّ أفضل كلّ جنس: يغدراسيل أفضل الشجر، وسكيذبلاذنير أفضل السفن، وأودين أفضل الآسير، وسليبنير أفضل الخيل.

الشعر والذهب

القصّة كلّها في كتاب سنوري جواب عن سؤال في لغة الشعر، فالشعراء يسمّون الذهب «شعر سيف»، وسنوري يروي الخبر ليشرح الكناية.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير الشمال كنوز فرير قراءة من حياة الناس: السفينة التي تتّسع للآلهة وتُطوى في الجيب سفينة التجارة التي كان أهل الشمال يفكّونها ويحملونها في البرّ بين الأنهار، والخنزير الذهبي الثروة من تربية الخنازير، وهي أكثر ما يأكل الناس من اللحم هناك. وتجعل المطرقة الصاعقة والمطرقة الحقيقية معاً، وتشرح اسمها بـ«الساحقة».

وتقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الإغريقية الكيكلوبس، الذين صنعوا البرق لزيوس، حدّادين يغمض أحدهم عيناً ليحمي بصره من الشرر، وتجعل صنعهم البرق اختراع صهر المعادن. وصانع المطرقة في الشمال حدّاد كذلك، والذبابة لدغته في جفنيه حتى سال الدم في عينيه، فخرجت المطرقة ناقصة.

التوازيات عبر الحضارات

وفي اليونان صنع الكيكلوبس للآلهة الثلاثة الكبار سلاحهم في يوم واحد. يروي أبولودوروس أنّ زيوس فكّ قيودهم في الحرب على التيتان، فأعطوه الرعد والبرق والصاعقة، وأعطوا بلوتو خوذة، وأعطوا بوسيدون الرمح ذا الشعب الثلاث، فبها غلب الآلهة التيتان. ففي القصّتين صنّاع من غير الآلهة يصنعون في مرّة واحدة سلاح ثلاثة آلهة، وأعظمها سلاح إله الرعد. والصانع الأكبر للآلهة عند اليونان هيفايستوس، يبني لهم بيوتهم، ويصنع قدوراً ثلاثية القوائم على عجلات من ذهب تدخل مجلس الآلهة وتعود من تلقاء نفسها، وخادمات من ذهب يفكّرن ويتكلّمن، كما يصنع الأقزام خنزيراً يجري في الهواء وسفينة تُطوى.

وفي أوغاريت يصنع كوثر وحسيس لـبعل عصاوين يسمّيهما، يغلب بالثانية يمّ، ثم يصبّ الفضّة والذهب أثاثاً لـأثيرت لتشفع لبعل عند إيل في بيت. فالهدايا المصنوعة في القصّتين تُقدَّم لتنال حكماً: كنوز الأقزام تُعرض على قضاة من الآلهة، وأثاث كوثر يُهدى لمن تحمل الطلب إلى إيل.

وقصّة لوكي كلّها، من قصّ الشعر إلى الرهان إلى «لك الرأس لا العنق»، من أخبار المحتال: يفسد، ثم يُصلح أكثر ممّا أفسد، ثم ينجو بحيلة في الكلام. وصنّاع الكنوز من الأبطال الحضاريين الذين يعطون الصنعة ولا يقاتلون.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. سنوري ستورلسون، «لغة الشعر»، طبعة أنتوني فولكس، النصّ النوردي والحواشي النصّية؛ «لغة الشعر»، 43 في ترقيم «حكايات الشمال»، بالنصّ والترجمة.

  2. «خداع غيلفي»، 49 و51، «أقوال سكيرنير»، «أقوال غريمنير».

  3. كليسبي وفيغفوسون: قطر، شظيّة الخشب، الورقة، شعر الخنزير، السمّ، سندري؛ فلاديمير أوريل، «معجم الاشتقاق الجرماني»، ص 76 و341.

  4. معجم لين: ذرف، شظي.

  5. أبولودوروس، «المكتبة» 1؛ «الإلياذة» 18؛ وايت، «نصوص دينية من أوغاريت»، KTU 1.2 IV 11–27 و1.4 I 23–43.

  6. «لغة الشعر»، 35 في طبعة فولكس
  7. «لغة الشعر»، 35 في طبعة فولكس
  8. «لغة الشعر»، 35 في طبعة فولكس
  9. 51
  10. معجم لين، سيف
  11. أوريل، ص 76
  12. أوريل، ص 341
  13. فولكس، «لغة الشعر»، الحواشي النصّية، ص 141