ملخص
غِيرْذ ابنة العملاق غِيمِير وزوجته أُورْبُوذَا، وهي من عمالقة الجبال، في أساطير الشمال الإسكندنافي. يقول سنوري إنّها كانت أجمل النساء كلّهنّ، وصارت زوجة فرير، وتُعدّ في الربّات اللواتي يجلسن في مجلس الآسير.
وقصّتها قصّة خطبة بالنيابة. صعد فرير يوماً إلى هْلِيذْسْكْيَالْف، كرسيّ أودين العالي الذي يُرى منه العالم كلّه، فنظر نحو الشمال فرأى بيتاً كبيراً جميلاً، ورأى امرأة تمشي إليه، فلمّا رفعت ذراعيها لتفتح الباب أضاءت ذراعاها الهواء والبحر، وأشرقت منها العوالم كلّها. فرجع فرير ممتلئاً حزناً، لا يتكلّم ولا ينام ولا يشرب. فأرسل نيورد إليه خادمه سْكِيرْنِير يسأله ما به، فقال فرير إنّه رأى في ساحات غيمير فتاة لن يعيش طويلاً إن لم ينلها، وأمره أن يخطبها له. فطلب سكيرنير حصانه الذي يحمل صاحبه عبر النار المتوهّجة، وسيفه الذي يقاتل وحده، فأعطاه فرير إيّاهما.
فركب سكيرنير فوق الجبال الرطبة إلى بلاد العمالقة، وجاوز الراعي الجالس على التلّ وكلاب غيمير، حتى اهتزّت الأرض تحت حصانه وارتجفت ساحات غيمير. فدعته غيرذ إلى القاعة ليشرب من الشراب الطيّب، وهي تخشى أن يكون قاتل أخيها. فعرض عليها إحدى عشرة تفّاحة كلّها من ذهب لتقول إنّ فرير أحبّ الناس إليها، فأبت. ثم عرض عليها الخاتم الذي أُحرق مع ابن أودين الشابّ، بالدر، يقطر منه كلّ تاسع ليلة ثمانية خواتم مثله، فقالت: لا ينقصني ذهب في ساحات غيمير. فرفع عليها السيف وهدّدها بقطع رأسها، فقالت إنّها لا تحتمل القهر، ثم هدّد به أباها. ثم أخذ عصا يروّض بها، ولعنها: أن تجلس على تلّ النسر مولّية وجهها عن العالم ناظرة إلى هيل، ويصير الطعام أبغض إليها من الحيّة، وتعيش مع عملاق ذي ثلاثة رؤوس أو بلا زوج، وتكون كالشوكة التي سُحقت في آخر الحصاد، ثم نقش لها رونة العملاق وثلاث علامات: الفجور والجنون والشوق الذي لا يُحتمل، وقال إنّه يكشطها كما نقشها إن احتاج. فلانت غيرذ، وناولته كأساً من الجليد ملأى بالشراب القديم، وقالت: كنت عزمت ألّا أحبّ أحداً من الفانير. ثم قالت: بستان بَارِّي نعرفه نحن الاثنين، ساكن الريح، وبعد تسع ليال تهب غيرذ فيه لابن نيورد متعة الحبّ. فلمّا جاء سكيرنير بالخبر قال فرير: طويلة ليلة، وطويلتان ليلتان، فكيف أصبر ثلاثاً؟
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ سيّد المطر وثمر الأرض لا ينال عروسه من العمالقة بالذهب ولا بتهديد السيف، وإنّما بأن يُعرض عليها مستقبل لا زوج فيه ولا فرح ولا ثمر، فتختار الموعد في البستان. والثمن يدفعه فرير لا هي: أعطى سيفه، فقتل العملاق بِيلِي بقرن أيّل، ويلقى أبناء مُوسْبِلّ في راغناروك بلا سيف. ومن هذا الزواج تأتي سلالة الملوك: تقول «ملحمة ينغلينغا» «يِنْغْلِينْغا» إنّ غيرذ ابنة غيمير كانت زوجة فرير حين حكم السويد وبنى معبد أوبسالا، وإنّ ابنهما فْيُولْنِير، ومن اسم فرير الآخر، يِنْغْفِي، سُمّي ملوك أوبسالا «الينغلينغيين».
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقال لا يقرأ اسمها: الراء الأخيرة في Gerðr «غِيرْذْر» علامة الرفع النوردية، تسقط في الإضافة فيقال Gerðar «غِيرْذَار»، فيبقى Gerð- «غِيرْذ»: غين معقودة وراء وذال. ويصل المعجم النوردي هذه الحروف بكلمة garðr «غَارْذْر»، أي الساحة المسوّرة، ومنها gerði «غِيرْذِي»، الحقل المسوّر، وفي «ساحات غيمير» رآها فرير. والمقال يقرأ هذه الكلمة نفسها في اسمَي أسغارد وميدغارد «جَرَد». والجيم تقابل الغين المعقودة بانتظام، والراء راء، والدال تقابل الذال. والجَرَد في معجم لين المكان الذي خلا من النبات، و«جرّد السيف» سلّه. فغيرذ على هذه القراءة الأرض الجرداء المحفوظة في ساحة أبيها، تنتظر سيّد المطر والثمر، وهذا ما تهدّدها به اللعنة: أن تبقى بلا زوج كالشوكة المسحوقة في آخر الحصاد، حتى تعده بلقاء في بستان. وفي قصّتها سيف يُجرَّد عليها مرّتين.
الجذر اللغوي
غيرذ و«الجَرَد»
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| Gerðr | غِيرْذْر | الاسم في الرفع |
| Gerðar | غِيرْذَار | الإضافة، «فرير ينال غيرذ» في عنوان «خداع غيلفي» 37 |
| garðr | غَارْذْر | الساحة المسوّرة، و«في ساحات غيمير» في «قول سكيرنير» 6 |
| gerði | غِيرْذِي | الحقل المسوّر |
يذكر معجم كليسبي وفيغفوسون غيرذ اسماً لربّة، واسماً لنساء من البشر، وجزءاً في أسماء مركّبة كثيرة. ويجعل أورل garðr «غَارْذْر» من جرمانية قديمة معناها البيت والأسرة والساحة، ومنها القوطية gards «غَارْدْس» والإنجليزية القديمة geard «يَارْد»، أي الحظيرة والساحة والأرض، والألبانية gardh «غَارْذ»، أي السياج، ثم يجعل gerði «غِيرْذِي»، الحقل المسوّر، منها.
وفي معجم لين، مادّة «جرد»: «جَرَدَ الجرادُ الأرضَ» أكل نبتها كلّه، و«جَرِدَ المكانُ» خلا من النبات، و«جرّده من ثيابه» عرّاه، و«جرّد السيف» سلّه من غمده. فالمادّة تجمع الأرض التي ذهب نبتها والسيف الذي خرج من غمده. وفي مادّة «جدر»: «جَدَرَ» بنى جداراً يحيط بالشيء، و«الجَدِير» المكان الذي بُني حوله جدار.
والمقابلة على «جَرَد» تحفظ الحروف على ترتيبها: الجيم تصير غيناً معقودة في اللغات الأوروبية بانتظام، كما تسجّل قوانين مشروع جذور، والدال تقابل الذال النوردية بين حركتين. أمّا «الجَدِير» فيوافق معنى الكلمة النوردية، الأرض المسوّرة، لكنّه يحتاج إلى أن تتبادل الراء والدال موضعيهما، والقلب من الأبواب التي تسجّلها تلك القوانين. فالقراءتان تلتقيان في القصّة: حقل مسوّر في ساحة أبيها، أجرد حتى يأتيه المطر.
قراءة المقال لكلمة garðr «غَارْذْر»
يقرأ المقال اسم ميدغارد «مَدّ + جَرَد»، أي الأرض الممتدّة المكشوفة، ويقرأ اسم أسغارد «أُسّ + جَرَد»، ويعدّ القراءتين راجحتين. ويقول في موضع آخر إنّ «غارد» في الجرمانية الحديقة المسوّرة، فهو يعرف المعنيين معاً: الأرض المكشوفة في العربية، والأرض المسوّرة في النوردية. ولا يذكر المقال غيرذ، لكنّ الكلمة التي يقرؤها هي الكلمة التي يصلها المعجم باسمها.
السرديات الأسطورية الرئيسة
غيمير أبو غيرذ وإيغير
تقول المقدّمة النثرية لـ«خصومة لوكي» «لُوكَاسِنَّا» إنّ إيغير «يسمّى أيضاً غيمير»، ويقول سنوري في «لغة الشعر» إنّ إيغير وهْلِير وغيمير كلّها واحد، أي البحر. أمّا في «خداع غيلفي» فغيمير أبو غيرذ رجل زوجته من عمالقة الجبال، ولا تقول النصوص هل هما غيمير واحد.
بارّي وبارّيي
يسمّي «قول سكيرنير» موضع اللقاء «بارّي»، بستاناً ساكن الريح، ويسمّيه سنوري «بارّيي»، ويجعل اللقاء عرساً. ويقول شرح «حكايات الشمال» إنّ الاسم قد يكون من barr «بَارّ»، الشعير أو إبر الصنوبر. ولا يسمّي النصّ أخا غيرذ الذي تخشى أن يكون سكيرنير قاتله، ويجعله الشرّاح بيلي الذي قتله فرير.
ثمن الذهب في «خصومة لوكي»
يعيّر لوكي فرير في وليمة إيغير بأنّه اشترى ابنة غيمير بالذهب وأعطى سيفه، فلا يعرف كيف يقاتل حين يركب أبناء موسبل.
القراءة الرمزية
يقرأ المقال النوردي تخلّي فرير عن سيفه في سبيل الحبّ «السلام مقابل الخصب»: من أراد الزرع وضع السلاح. ويذكر شرح «حكايات الشمال» أنّ تقليداً مؤثّراً في الدراسات يقرأ القصيدة كلّها أسطورة خصب، يظفر فيها فرير بغيرذ، وهي الأرض. والصور التي في النصّ تسند هذه القراءة من غير أن تقولها: ذراعان يضيء منهما الهواء والبحر، ولعنة تجعلها شوكة يابسة في آخر الحصاد، وبستان قد يكون اسمه الشعير، وتسع ليال ينتظرها سيّد المطر.
التوازيات عبر الحضارات
في نصّ العمارنة من خبر نرغال وإريشكيغال لا يكون الزواج إلّا تحت التهديد بالقتل، وفي «قول سكيرنير» يُرفع السيف على غيرذ قبل أن تلين، فالروايتان تجعلان عرس الملك أو السيّد قائماً على إكراه. وتفترقان في أنّ غيرذ لا تلين للسيف، وإنّما للّعنة. وتؤخذ بيرسيفوني من بيت أمّها إلى مملكة هاديس، فتمنع أمّها الأرض ثمرها حتى ترجع، أمّا غيرذ فيُهدّد جسدها هي بأن يبقى بلا ثمر. وزواجها من فرير شاهد شمالي على الزواج المقدّس، وزواج سكاذي ابنة ثياتسي من نيورد زواج آخر للفانير بالعمالقة في الأسرة نفسها.