ملخص
غُون 鯀 / Gǔn «غُونْ» أبو يو العظيم، والرجل الذي كُلّف في أخبار الصين القديمة أن يردّ الطوفان الأكبر فلم يقدر، فقُتل، وأتمّ ابنه العمل من بعده. ويجعله «سجلّ المؤرّخ الكبير» 史記 / Shiji «شِي جِي» ابنَ الإمبراطور جُوَانْ شُو 顓頊 / Zhuānxū «جُوَانْ شُو»، وابنَ حفيد هوانغدي. «سجلّ المؤرّخ الكبير»، «حوليات شيا».
في زمن الإمبراطور يَاو فاض الماء حتى أحاط بالجبال وعلا التلال، وكأنّه يبلغ السماء، فسأل ياو: من يقدر على ضبطه؟ فقال زعماء الجهات الأربع: غون. فأبى ياو وقال إنّه يعصي الأمر ويُفسد قومه، فقالوا: ليس بيننا من هو خير منه، فجرّبه. فعمل غون تسع سنين ولم يهدأ الماء. فلمّا قام شُون 舜 / Shùn «شُونْ» بأمر الحكم وطاف البلاد، رأى أنّ عمل غون لم يثمر، فقتله في جبل الريش، يُو شَان 羽山 / Yǔshān «يُو شَان»، ثم رفع ابنه يو ليكمل عمله.
ويروي «كتاب الجبال والبحار» 山海經 / Shanhaijing «شَانْ هَايْ جِينْغ» الخبر من جهة أخرى. طغى الماء حتى بلغ السماء، فسرق غون من الحاكم الأعلى التراب الذي ينمو من نفسه، 息壤 / xīrǎng «شِي رَانْغ»، وسدّ به الطوفان من غير أن ينتظر أمره. فأمر الحاكم الأعلى جُو رُونْغ 祝融 / Zhùróng «جُو رُونْغ» فقتل غون في ضاحية جبل الريش. ومن غون وُلد يو، فأمره الحاكم الأعلى أن ينشر التراب حتى تثبت الأقاليم التسعة. ويقول الكتاب نفسه قبل ذلك بأسطر إنّ يو وغون أوّل من نشر التراب وسوّى الأقاليم التسعة.
والفكرة التي تدور عليها قصّته الفرق بين حبس الماء وتوجيهه. غون يسدّ الماء بالتراب ويكبسه فوقه، وابنه يفتح له المجاري. ويضعه «كلام الدول» 國語 / Guoyu «غُوو يُو» في سلسلة واحدة مع غونغ غونغ: أراد غونغ غونغ أن يسدّ الأنهار المئة ويهدم المرتفع ليردم به المنخفض فهلك، ثم جاء غون فأعاد خطأه، أي سدّ الطوفان، فقتله ياو في جبل الريش، ثم نظر يو في خطأ من سبقه فشقّ الأنهار وصرّف الماء الراكد. «كلام الدول»، الباب 3، «كلام جو» الثاني. فالأب يريد أن يحمي الناس بأن يغطّي الماء، والابن يحميهم بأن يجعل للماء طريقاً. ومع ذلك لم يُنسَ غون: صارت روحه بعد قتله دبّاً أصفر دخل هوّة الريش، وكانت أسرة شيا تقدّم له قربان الضاحية، ثم قدّمت له القرابين الأسر الثلاث، شيا وشانغ وجو.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج: يُنطق 鯀 «غُونْ» بكاف غير منفوخة ثم ضمّة ثم نون، فتبقى فيه الكاف والنون، وهما حرفا «كَنَّ» العربية. وكنّ الشيءَ وأكنّه ستره وصانه، والكِنّ كلّ ما يستر ويقي، ويقول ابن فارس إنّ الكاف والنون أصل واحد يدلّ على ستر أو صون. فغون على هذه القراءة «الذي يكُنّ»، وهو ما تجعله القصّة: أراد أن يصون الناس بأن يغطّي الماء بالتراب ويسدّ عليه، ثم بقي هو نفسه محبوساً في جبل الريش، كما تسأل قصيدة «أسئلة السماء».
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى أو الموضع |
|---|---|---|
| 鯀 Gǔn | «غُونْ» | اسمه في «كتاب الوثائق» و«سجلّ المؤرّخ الكبير» و«كتاب الجبال والبحار» |
| 鮌 | «غُونْ» | الرسم نفسه بعنصر صوتي آخر، في «أسئلة السماء» و«كلام الدول» |
| 崇伯鯀 | «تْشُونْغ بُو غُونْ» | «غون أمير تشونغ» في «كلام الدول» |
| 羽山 Yǔshān | «يُو شَان» | جبل الريش، موضع موته |
يشرح معجم «شوو ون جيه دزي» 說文解字 / Shuowen jiezi «شُوَو وِنْ جْيِه دْزِ» الرسم 鯀 بأنّه «سمكة»، ويجعل 系 جزأه الصوتي. ولا تعطي قائمة باكستر وساغار لإعادة بناء الصينية القديمة صورة لهذا الرسم، فتقف المقابلة عند النطق المعروف: كاف غير منفوخة، وضمّة، ونون. وتحفظ «كنّ» الكاف والنون، وتقابل الضمّةُ حركة الكاف، وتُقرأ النون المشدّدة نوناً واحدة كما يقع كثيراً حين تنتقل الكلمة. وفي معجم لين: الكِنّ مكان يُستتر فيه كالكهف، وظلّ الجدار، وكلّ ما يستر ويغطّي ويحمي. وفي «المحيط في اللغة» للصاحب بن عبّاد: الكُنّة من الجبل شبه الكهف، كأنّها تكنّ من المطر.
ويلفت في الخبر أنّ اسم الموضع الذي مات فيه غون واسم الابن الذي وُلد منه صوت واحد. 羽 «يُو»، أي الريش، و禹 «يُو»، اسم يو، رسمان مختلفان يُنطقان نطقاً واحداً في الماندرينية، وفي الصينية الوسيطة hjuX «هْيُو»، وفي إعادة البناء الحديثة للصينية القديمة *[ɢ]ʷ(r)aʔ «غْوَا»، والقائمة تعطي الصورة نفسها للرسمين. فـ«كتاب الجبال والبحار» يقول: قُتل غون في ضاحية «يُو»، ومن غون وُلد «يُو». ولا تعلّق النصوص القديمة على هذا التوافق.
ولا تقرأ المقالتان الصينيتان في المشروع اسم غون. تضع المقالة السامية طوفانه وطوفان ابنه في جدول مع طوفان نوح وطوفان دِيُوكَالِيُون، وترى الفرق في أنّ البطل الصيني يروّض الماء بالحفر ولا يهرب منه، وتذكر إعادة القراءة فشله في السدّ ونجاح ابنه في القنوات. فالقراءة بـ«كنّ» مقترحة على المنهج.
السرديات الأسطورية الرئيسة
يجعل «كتاب الجبال والبحار» غون من نسل هوانغدي من طريق آخر غير «سجلّ المؤرّخ الكبير»: ولد هوانغدي لُوو مِينْغ، وولد لوو مينغ «الحصان الأبيض»، والحصان الأبيض هو غون. فالكتابان يجعلانه من بيت هوانغدي، ويختلفان في الآباء بينهما.
وفي فصل «الخطّة العظمى» 洪範 / Hóngfàn «هُونْغ فَان» من «كتاب الوثائق» يقول الحكيم جِي دْزِ إنّ غون سدّ الطوفان فأفسد ترتيب العناصر الخمسة، فغضب الحاكم الأعلى ولم يعطه أبواب الخطّة التسعة، فقُتل غون، وقام يو بعده فأعطته السماء الخطّة.
وتسأل قصيدة «أسئلة السماء» 天問 / Tianwen «تْيَانْ وِن»، من «أناشيد تشو»، أسئلة متتابعة عن غون: إن لم يكن أهلاً لضبط الماء فلماذا قدّمه الناس؟ ولماذا تبع البوم والسلاحف وهي تجرّ وتمسك؟ ولو أتمّ ما أراده الناس لنجح، فلماذا عاقبه الحاكم؟ ولماذا بقي محبوساً في جبل الريش ثلاث سنين؟ وكيف خرج منه يو على غير طبعه؟ وكيف أتمّ الابن عمل أبيه بتدبير مختلف؟ ويشرح وانغ يي 王逸 / Wáng Yì «وَانْغ يِي» في القرن الثاني بعض هذه الأسئلة: البوم والسلاحف عنده طير وهوامّ ماء تجرّ جسده بعد قتله، والسنون الثلاث سنون لم يُعفَ فيها من ذنبه، وغون عنده عنيد، والسؤال كيف وُلد منه ابن حكيم.
وفي «شرح دزوو» 左傳 / Zuozhuan «دْزُوو جُوَان» يمرض أمير دولة جين فيرى في نومه دبّاً أصفر يدخل باب مخدعه، فيسأل وزيرُه الضيفَ دْزِ تْشَان عن معناه. فيقول دزي تشان إنّ ياو قتل غون في جبل الريش، فصارت روحه دبّاً أصفر دخل هوّة الريش، وكان هو الذي يُقدَّم له قربان الضاحية عند أسرة شيا، وقدّمت له الأسر الثلاث القرابين، ولعلّ دولة جين، وهي رئيسة الحلف، لم تقدّم له شيئاً. فيقدّم الوزير قربان الضاحية لشيا، فيتماثل الأمير.
القراءة الرمزية
تقرأ إعادة القراءة فشل غون درساً في هندسة الماء: حاول أن يمنع الماء بالسدود، وهذا عندها الحلّ الخاطئ لأنّه مقاومة للطبيعة، ونجح ابنه حين وجّه الماء في القنوات. والنصوص القديمة تعطي لفشله أسباباً مختلفة: «كتاب الجبال والبحار» يجعل ذنبه أنّه أخذ التراب العجيب بلا إذن، و«كتاب الوثائق» و«سجلّ المؤرّخ الكبير» يجعلان العيب في طبعه وفي عمل لم يثمر، و«الخطّة العظمى» يجعل السدّ نفسه إفساداً لترتيب العناصر، و«كلام الدول» يجعله تكراراً لخطأ غونغ غونغ. فطريقة العمل في الماء مسألة قديمة في هذه الأخبار، وليست قراءة حديثة وحدها.
التوازيات عبر الحضارات
يسرق بروميثيوس النار من زيوس ويعطيها الناس، فيقيّده زيوس بسلاسل لا فكاك منها، ويرسل إليه نسراً يأكل كبده. وغون يسرق من الحاكم الأعلى التراب الذي ينمو من نفسه ليسدّ به الطوفان عن الناس، فيُقتل في جبل الريش ويبقى محبوساً فيه. يجتمع الخبران في أخذ شيء من ملك السماء لصالح الناس بلا إذن، وفي عقوبة يحملها صاحبها وحده، ويفترقان في أنّ بروميثيوس ينال ما أراد بالحيلة، وغون يفشل في عمله نفسه، ثم يتمّه ابنه بطريقة أخرى.
وفي حكايات الطوفان الأخرى ينجو أوتنابشتم بسفينة حتى ينحسر الماء، أمّا غون وابنه فيبقيان في الأرض ويعملان في الماء نفسه، الأب بالسدّ والابن بالمجرى.