ديوكاليون

ملخص

دِيُوكَالِيُون الناجي من الطوفان في أساطير الإغريق، ابن بروميثيوس، وزوجته بيرّا «پِيرَّا» ابنة إِبِيمِيثِيُوس وباندورا، أوّل امرأة صنعتها الآلهة. كان يملك في فْثِيَا من بلاد ثِسَالْيَا، وأتمّ خبره في «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور، ويرويه أُوفِيد مطوّلاً في الكتاب الأوّل من «التحوّلات»، ويذكره بِنْدَار قبلهما في القرن الخامس قبل الميلاد.

أراد زيوس أن يهلك ناس العصر البرونزي، فنصح بروميثيوس ابنه أن يصنع صندوقاً، فصنعه وملأه زاداً وركبه مع بيرّا. فأنزل زيوس من السماء مطراً كثيراً أغرق أكثر بلاد اليونان، فهلك الناس إلّا قليلاً فرّوا إلى رؤوس الجبال القريبة، وانشقّت جبال ثسالْيا. وطفا الصندوق على الماء تسعة أيام وتسع ليال حتى بلغ جبل بَارْنَاسُوس، فلمّا كفّ المطر نزل منه ديوكاليون وذبح لزيوس «حامي الفارّين». فأرسل إليه زيوس هرمس يخيّره ما يشاء، فاختار أن يكون له ناس. فأمره زيوس أن يأخذ حجارة ويرميها فوق رأسه، فصارت الحجارة التي رماها ديوكاليون رجالاً، والتي رمتها بيرّا نساءً. ولذلك سُمّي الناس في اليونانية λαός «لَاوُوس»، من λᾶας «لَاءَس»، أي الحجر. وولدت له بيرّا هِيلِين، الذي سمّى الإغريق باسمه «الهيلينيّين»، وأَمْفِيكْتِيُون وبْرُوتُوجِينِيَا.

ويروي أوفيد الحكاية بتفصيل آخر. لم يبق بعد الماء إلّا رجل واحد وامرأة واحدة، لم يكن رجل أصلح منه ولا امرأة أشدّ خوفاً للآلهة منها. فلمّا انحسر الماء رأى ديوكاليون الأرض خالية صامتة، فبكى، وقال لبيرّا إنّه يتمنّى لو كان يعرف صنعة أبيه فيعيد الناس من الطين. فذهبا إلى معبد ثِيمِيس عند نهر كِيفِيسُوس، فقالت لهما: اخرجا من المعبد، وغطّيا رأسيكما، وحلّا ثيابكما، وارميا خلفكما عظام أمّكما الكبرى. فأبت بيرّا أن تؤذي عظام أمّها، حتى فهم ديوكاليون أنّ الأمّ هي الأرض وأنّ عظامها الحجارة. فرميا الحجارة وراءهما، فلانت وكبرت وأخذت صورة الناس شيئاً فشيئاً، كتمثال من رخام لم يتمّ نحته، فصار ما فيها من رطوبة لحماً، وما فيها من صلابة عظاماً. ويقول أوفيد: ولذلك نحن قوم صلاب نحتمل التعب.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ الناس صُنعوا مرّتين. صنعهم بروميثيوس أوّل مرّة من الماء والتراب، فلمّا أغرقهم زيوس صنعهم ابنه مرّة ثانية من الحجارة، بيد رجل وامرأة، ومن غير زواج كما يقول بندار. فالذي ينجو هنا يحمل في الصندوق نفسه وزوجته وزاده فقط، ويعيد الناس بعد ذلك من الأرض نفسها. ومن ابنه هيلين أخذ الإغريق كلّهم اسمهم، فالشعب في هذه الحكاية أحفاد الناجي.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ المقالين الإغريقيين يرويان القصّة ولا يقرآن الاسم. Δευκαλίων / Deukalion «دِيُوكَالِيُون» آخره -ίων «ـِيُون»، لاحقة أسماء يونانية كما في Κρονίων «كْرُونِيُون»، فيبقى Δευκαλ- «دِيُوكَل»، ونقسمه جزأين. فأمّا Δευ- «دِيُو» فهو Δεύς «دِيُوس»، صيغة اسم زيوس في لهجة بُويُوتِيَا، وزيوس يُقرأ في هذا المشروع «ذو»، والذال العربية تصير في اليونانية دالاً بانتظام. وأمّا -καλ- «كَل» فهو «كَلَأ». في معجم لين: كلأه الله حفظه وحرسه، وكلّأ السفينة قرّبها من الشطّ وأرساها، وكلّأ الرجلَ حبسه وأمسكه، وكلّأ أتى المكان فوقف فيه. وفي العبرية כָּלָא «كَالَا» حبس وأمسك ومنع، وجاء الفعل في قصّة نوح نفسها: «وامتنع المطر من السماء». فديوكاليون «ذو الكِلاءة»، الذي حفظه زيوس في صندوق مغلق، ووقف به الماء على بارناسوس حين امتنع المطر، وأوّل ما فعله أن ذبح لزيوس حامي الفارّين.

الجذر اللغوي

ديوكاليون و«ذو الكِلاءة»

الصيغة النطق الموضع
Δευκαλίων دِيُوكَالِيُون الرفع، «الإلياذة» 13.451، وبندار
Δεύς دِيُوس اسم زيوس في لهجة بويوتيا
כָּלָא كَالَا العبرية: حبس وأمسك، وفي صيغة الانفعال «امتنع»

في معجم لين: كلأه حفظه وحرسه، و«اذهبوا في كِلاءة الله» أي في حفظه، وكلّأ السفينة قرّبها من الشطّ وأرساها، والكَلّاء والمُكَلَّأ مرفأ السفن، سُمّي بذلك لأنّه يكلأ السفن من الريح، وكلّأ الرجلَ حبسه، ويقول المعجم إنّ هذا المعنى مأخوذ من إرساء السفينة، وكلّأ أتى المكان فوقف فيه. ويذكر معجم براون ودرايفر وبريغز مع العبرية כָּלָא «كَالَا» الآرامية כְּלָא «كْلَا»، والأكدية kâlû «كَالُو»، والعربية في «مَن يَكلؤكم» في القرآن. فالحفظ والحبس والإرساء معنى واحد في الأصل: أن يُمسَك الشيء فلا يذهب.

والمقابلة في الصوت: الذال العربية تقابلها δ «دِلْتَا» في اليونانية، والكاف كاف، واللام لام، والهمزة تسقط كما تسقط حروف الحلق في اليونانية، والنهاية -ίων «ـِيُون» لاحقة.

وحدّ هذه القراءة أنّ التقسيم Δευ- «دِيُو» وκαλ- «كَل» تقسيمنا، لا يعرفه شاهد قديم. وفي حواشي «الأرغونوتيكا» كلمة δεῦκος «دِيُوكُوس» بمعنى γλεῦκος «غْلِيُوكُوس»، أي العصير الحلو، وهي التي يذكرها المحدثون في اسمه، فتقسمه Δευκ- «دِيُوك» و-αλ- «ـَل». ويدلّ ديوكاليون الآخر، ابن مينوس ملك كريت في «الإلياذة»، وخبره في صفحة ثيسيوس، على أنّ الاسم كان اسماً مألوفاً للأبطال، يحمله غير الناجي من الطوفان.

بيرّا و«فَوْر»

اسم Πύρρα / Pyrrha «پِيرَّا» في اليونانية من πυρρός «پُورُّوس»، أي الأحمر بلون اللهب، وهو من πῦρ «پُور»، النار. ونقرؤه على المنهج «فَوْر»: الفاء العربية تقابلها π «پِي» في اليونانية كما تقابلها پاء العبرية، والضمّة الطويلة تقابل υ «أُپْسِيلُون»، والراء راء، وتضعيف الراء من بناء الصفة اليونانية، والألف الأخيرة علامة التأنيث. وفي معجم لين: فار الماء غلى، وفار الماء من الأرض نبع وخرج، والفَوْر شدّة الحرّ. فتلتقي القراءة بالمعنى اليوناني، النار والحرّ، وبالقصّة: بيرّا ابنة باندورا التي أُرسلت إلى الناس ثمناً لنار بروميثيوس. وفي الرواية الإغريقية التي سمعها لوقيانوس في الشام يبدأ الطوفان بأنّ «الأرض أخرجت ماءً كثيراً»، وفي قصّة نوح في القرآن يبدأ حين «فار التنّور». وكانت القراءة الأولى «بَرّ»، أي اليابسة التي يعود إليها الزوجان، وهي أبعد صوتاً، لأنّ π «پِي» تقابل الفاء بانتظام، والباء تقابلها β «بِيتَا».

السرديات الأسطورية الرئيسة

شعب من حجر عند بندار

يقول بندار إنّ بيرّا وديوكاليون نزلا من بارناسوس بأمر زيوس، فأقاما أوّل بيت لهما في مدينة بروتوجينيا، أي أُوبُوس في لُوكْرِيس، وأنشآ من غير فراش زوجية شعباً واحداً من الحجارة، فأخذ الناس اسمهم من الحجارة. ويقول إنّ قوّة الماء غطّت الأرض السوداء، ثم سحب زيوس بحيلته الماء دفعة واحدة.

ديوكاليون في أثينا

ويروي باوسانياس أنّ في حرم زيوس الأولمبي في أثينا شقّاً في الأرض عرضه ذراع، يقول أهلها إنّ ماء الطوفان الذي كان في زمن ديوكاليون جرى فيه، وإنّهم يرمون فيه كلّ سنة دقيق قمح معجوناً بالعسل، وهو في حرم غايا الأولمبية. ويقول الأثينيون إنّ ديوكاليون بنى المعبد القديم لزيوس الأولمبي، ويُرون قبره قريباً من المعبد الجديد دليلاً على أنّه سكن أثينا.

ديوكاليون في هيرابوليس

ويروي لوقيانوس السُّمَيْساطي أنّ أهل هيرابوليس في شمال الشام، وهي التي يسمّيها بلينيوس باسمها السرياني «مابوغ»، يقولون إنّ ديوكاليون بنى معبدهم، وفي نصّ سترونغ وغارستانغ: «ديوكاليون أو سِيسِيثُوس». ويروي الحكاية كما سمعها من الإغريق: كان الجيل الأوّل من الناس عصاة لا يحفظون يميناً ولا ضيفاً، فأخرجت الأرض ماءً كثيراً، ونزلت أنهار السماء، وارتفع البحر، فهلكوا، ونجا ديوكاليون وحده لحكمته وتقواه. فأدخل أولاده ونساءه صندوقاً عظيماً ودخل معهم، فجاءته الخنازير البرّية والخيل والأسود والحيّات وسائر الحيوان أزواجاً، فاستقبلها كلّها، ولم تؤذه. ثم يروي ما يقوله أهل المدينة: انفتح في أرضهم شقّ عظيم ابتلع الماء كلّه، فبنى ديوكاليون فوقه مذابح ومعبداً لهيرا. ويقول إنّه رأى الشقّ تحت المعبد صغيراً، وإنّ الكهنة وأهل الشام والعرب ومن وراء الفرات ينزلون مرّتين في السنة إلى البحر، فيحملون ماءه ويصبّونه في المعبد، فينزل في الشقّ. ويقول غارستانغ إنّ «سيسيثوس» هو كْسِيسُوثْرُوس، الناجي من الطوفان عند بِيرُوسُوس البابلي، وإنّ مجيء الحيوان أزواجاً يقابله ما في الرواية البابلية.

ديوكاليون آخر

وفي كريت ديوكاليون آخر، ابن مينوس وأبو إيدومينيوس قائد أهل كريت في حرب طروادة. وفي إحدى روايات بلوتارخ طلب من أثينا أن تسلّمه ديدالوس، فقتله ثيسيوس عند باب المتاهة، وفي «الخلاصة» يزوّج ثيسيوسَ أختَه فيدرا.

القراءة الرمزية

يقرأ المقال «إعادة قراءة الأساطير الإغريقية» طوفان ديوكاليون حدثاً حقيقياً، هو طوفان بلاد الرافدين نفسه، نحو 2900 قبل الميلاد، أو فيضان البحر الأسود نحو 5600 قبل الميلاد، وصل خبره إلى اليونانيين عن طريق الفينيقيين والأناضول، فديوكاليون عنده هو نوح وأوتنابشتم وزيوسودرا بأسماء مختلفة. ويقرأ رمي الحجارة إعادة بناء بعد الكارثة: الحجارة أساسات البيوت، وتحوّلها ناساً مجتمع يُبنى من أوّله. ويرى في «عظام الأمّ» تفكيراً بالاستعارة: الأرض أمّ، والحجارة عظامها، والناس أبناء الأرض.

وفي النصوص نفسها يرتبط الطوفان بأماكن يعرفها الناس: شقّ في حرم زيوس بأثينا يُرمى فيه الدقيق والعسل كلّ سنة، وشقّ تحت معبد هيرابوليس يُصبّ فيه ماء البحر مرّتين في السنة. فالماء الذي أهلك الناس يُذكر في طقس يردّه إلى الأرض التي ابتلعته.

التوازيات عبر الحضارات

ديوكاليون من أشهر شواهد الطوفان. وأقرب الناجين إليه زيوسودرا السومري وأوتنابشتم البابلي: في هيرابوليس صار اسمه «سيسيثوس»، وهو كسيسوثروس عند بيروسوس، وصار الحيوان يدخل صندوقه أزواجاً كما يدخل سفينة أوتنابشتم. ويفترق عنهما في أنّ صندوقه لا يحمل إلّا الزوجين، فيُعاد الناس بعده من الحجارة.

ويشبه مانو في الهند في أنّ الناجي يبقى وحده فيعيد الناس بقربان أو بأمر إلهي: يلقي مانو السمن واللبن في الماء فتخرج منه إيدا، ويلقي ديوكاليون وبيرّا الحجارة فتصير ناساً. ويقابل المقال الصيني بين طوفانه وطوفان يو العظيم: ديوكاليون ينجو بالسفينة، ويو يروّض الماء بشقّ المجاري.

وصنع الناس من الحجارة بعد صنعهم من الطين بيد أبيه بروميثيوس يضعه في خلق الإنسان.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور، 1.7.2–3، أوفيد، «التحوّلات» 1، بندار، «الأولمبية» 9.

  2. باوسانياس 1.18، لوقيانوس، «الربّة السورية»، ترجمة فاولر، سترونغ وغارستانغ، «الربّة السورية» 1913.

  3. «الإلياذة» 13، بلوتارخ، «سيرة ثيسيوس»، «الخلاصة» 1.

  4. المعجم اليوناني، Ζεύς «زِوْس» وδεῦκος «دِيُوكُوس» وπυρρός «پُورُّوس»، معجم لين، كلأ وفور، المعجم العبري، كلأ، التكوين 8:2، هود 40.