ملخص
زيوس «زِوْس» سيّد الآلهة في أساطير الإغريق، وأتمّ رواية لقصّته عند الشاعر هِسْيُود في «الثيوغونيا» «ثِيُوغُونِيا»، أي أنساب الآلهة، نحو سنة 700 ق.م. وقصّته في أصلها قصّة أبٍ يخاف أبناءه. كان كرونوس قد أخذ الملك من أبيه أُورانُوس، ثم أُخبر أنّ أحد أبنائه سيأخذه منه، فصار يبتلع كلّ مولود تلده زوجته رِيَا: هستيا وديميتر وهيرا وهاديس وبوسيدون. فلمّا ولدت زيوس خبّأته في جزيرة كريت، وأعطت كرونوس حجراً ملفوفاً في قماط، فابتلعه وهو يظنّه الطفل.
كبر زيوس فأجبر أباه على أن يلفظ ما في بطنه، فخرج الحجر، وخرج إخوته أحياء. ثم أطلق الكِيكْلُوبَات، وهم العمالقة ذوو العين الواحدة، وذوي المئة يد من سجنهم تحت الأرض، فصنع له الأوّلون الصاعقة، وقاتل الآخرون معه. وبعد حرب دامت عشر سنين غلب جيلَ أبيه، التِّيتَان، فاختاره الآلهة ملكاً، فقسم بينهم المناصب.
والفكرة التي تدور عليها القصّة كلّها خوفُ الملك من وارثه. فعل ذلك أورانوس حين حبس أبناءه في بطن الأرض، فخصاه كرونوس، ومن الزبد الذي اختلط بدمه في البحر وُلدت أفروديت. وفعله كرونوس حين ابتلع أبناءه، فخلعه زيوس. ثم كاد زيوس يفعله هو أيضاً: لمّا أُخبر أنّ زوجته الأولى مِيتِيس، واسمها في اليونانية الحكمة والتدبير، ستلد ابناً يغلبه، ابتلعها وهي حامل، فخرجت أثينا من رأسه. فصارت الحكمة في داخل الملك بدل أن تخرج عليه، ولهذا كانت أثينا ربّة التدبير والحرب المحسوبة. والفرق بين زيوس وأبيه وجدّه أنّه لم يحكم وحده: حكم بأمّ خبّأته، وحلفاء حرّرهم، وجماعة اختارته.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: السين في آخر Ζεύς / Zeus «زِوْس» علامة إعراب يونانية، تسقط حين يُنادى فيقال Ζεῦ «زِوْ». يبقى «زِوْ»، وهو قريب من «ذو» العربية، أي صاحب الشيء ومالكه: ذو المال، وذو السلطان، وكذلك سمّت ملوكُ اليمن أنفسَها: ذو نواس، وذو يزن. فزيوس على هذه القراءة هو «ذو»، السيّد صاحب الأمر، وهو بالضبط ما تجعله القصّة: الابن الذي صار له الملك.
الجذر اللغوي
زيوس و«ذو»
يأتي الاسم بصيغ مختلفة بحسب موقعه في الجملة: Ζεύς «زِوْس» في الرفع، وΖεῦ «زِوْ» في النداء، وΔιός «دِيُوس» في الإضافة، أي «لِزيوس» و«من زيوس». وصيغة النداء هي التي تبيّن أنّ السين لاحقة إعراب لا جزء من الاسم.
و«ذو» في العربية اسم بمعنى صاحب، يُضاف دائماً إلى ما يملكه صاحبه: ذو مال، وذو علم، و«ذو الجلال والإكرام». وبه سمّى ملوكُ حِمْيَر وأقيالُها أنفسَهم: ذو نواس، وذو يزن، وذو رُعَين، أي صاحب هذه الأرض أو هذا البيت. فهو في أصله لقب سيادة، لا اسم شخص. ويقترح المقال الإغريقي في هذا المشروع أن يكون «زيوس» هو هذا اللقب ببساطة.
وانتقال الذال إلى الزاي ليس غريباً على اللغات الأخوات. فالذال القديمة تصير زاياً في العبرية: «ذَهَب» العربية هي זָהָב «زَاهَاف» في العبرية، وتصير دالاً في الآرامية. والطريف أنّ اسم زيوس يحمل الوجهين معاً: الزاي في Zeus «زِوْس»، والدال في صيغة الإضافة Διός «دِيُوس»، وفي أقدم كتابة للاسم على ألواح بِيلُوس الميسينية بالخط الخطي ب: di-we / di-wo «دِيْوِي / دِيْوُو»، نحو القرن الثالث عشر ق.م. وفي الآرامية نفسها صارت «ذو» أداةً هي «دي» بمعنى الذي وصاحب. وفي جدول المقابلات بين العربية واليونانية في هذا المشروع تصير الذال العربية دالاً، δ «دِلْتَا»، فالدال في Διός «دِيُوس» وفي di-we «دِيْوِي» هي الصورة المنتظمة للذال في اليونانية. فهذه مقابلة تستحقّ الفحص، لا نتيجة مقطوع بها.
قراءة ثانية: الضوء
ويربط علماء اللغات الهندوأوروبية الاسم بأسرة ألفاظ معناها السماء المضيئة والنهار، يعيدون بناءها في صيغة *dyeu- «دْيَوْ». ولهذا المعنى مقابل عربي في «ضوء» و«ضياء». غير أنّ مقابلة الضاد العربية بدال الأسرة الهندوأوروبية، ومواضع الواو والياء والهمزة، تحتاج إلى تاريخ صوتي لم يُكتب بعد. أمّا «ساس» و«برق» فيصفان ما يفعله زيوس من حكم وصاعقة، ولا يفسّران أصوات اسمه.
السياق التاريخي
يسجل لوح بيلوس Tn 316 «تي إن 316، رمز فهرسي» اسم زيوس في أواخر العصر البرونزي. كتب بالخط الخطي ب في قصر ميسيني، ويحصي أواني ذهبية وأشخاصاً في تقديمات لزيوس وهيرا وغيرهما. فهو شاهد عبادة وإدارة، لا رواية حرب.
نحو 700 ق.م تجمع «الثيوغونيا» نسبه وحروبه وحكمه. ويصوره تمثال برونزي نذري، رقمه Misc. 10561 «مِسْك 10561، رمز فهرسي»، رافعاً ذراعه ليطلق الصاعقة؛ عثر عليه في دودونا، ويؤرخ بنحو 470–460 ق.م، وارتفاعه 13.5 سم. يحفظ هذا النذر صورة زيوس حامل الصاعقة في حرم دودونا.
السرديات الأسطورية الرئيسة
تفاصيل الولادة والحرب
وتزيد الروايات على هذه القصة تفاصيل. فالحجر الذي لفظه كرونوس أقامه زيوس في بِيثُو، وهي دلفي، علامةً يراها الناس. ويذكر كتاب «المكتبة» المنسوب إلى أَبُولُودُورُوس أنّ ميتيس هي التي أعطت كرونوس دواءً جعله يلفظ أبناءه، بينما ينسب هسيود ذلك إلى تدبير الأرض وقوّة زيوس.
وفي الحرب رمى ذوو المئة يد الصخور إلى جانب زيوس. ولم تنته المعركة بسقوط التيتان: فقد خرج على زيوس بعدهم تايفون، فغلبه أيضاً، وعندها فقط استقرّ له الملك.
الطعام والنار والخوف من الوريث
تقسم قصة بروميثيوس ذبيحة الثور بين لحم وعظام مغطاة بالدهن، فتفسر ما يأكله الناس وما يحرقونه على المذبح. يحجب زيوس النار، فيسرقها بروميثيوس للبشر. ثم يبتلع زوجته الأولى ميتيس وهي حامل بـأثينا خوفاً من ابن ينتزع ملكه. أما هيرا فهي أخته وزوجته وأم هيبي وآريس وإيليثيا عند هسيود؛ وليتو أم أبولو وأرتميس، وديميتر أم برسيفوني. ويسمي لوح بيلوس دريميوس ابناً لزيوس بلا أم مسماة.
وفي «نشيد إلى زيوس» لكليانثيس، من القرن الثالث ق.م، يقود زيوس الطبيعة بالقانون ويطلب منه الشاعر إزالة جهل البشر. هذه صورة للحكم الكوني تختلف عن حكاية الرضيع الناجي.
القراءة الرمزية
تخفي ريا ابنها، ويصنع الكيكلوبات صاعقته، ويقاتل ذوو المئة يد معه، ثم تختاره الجماعة ملكاً. وفي قصة بروميثيوس تتناول القسمة طعام البشر وقربانهم: يأكلون اللحم، وتحرق العظام المغطاة بالدهن على المذبح. وحين يحجب زيوس النار يحرمهم الوسيلة التي يطبخون ويصنعون بها. أما ابتلاع ميتيس فيعيد خوف كرونوس نفسه من الابن الذي يرث الملك.
التوازيات عبر الحضارات
يشبه مردوخ زيوس في الحلفاء والقتال وتثبيت الحكم، لكن مردوخ يشترط السيادة قبل مواجهة تيامات، بينما تأتي دعوة زيوس إلى الملك بعد الحروب. ويشترك بعل معه في سلاح العاصفة والقصر، وإندرا في السلاح الذي يهزم خصماً شديداً. مقارنة الثيوغونيا بإنوما إيليش، والمطر والرعد والسيادة في الميثولوجيات، وصراع المعبودات مع البحر والتنين حيث يقف قتاله مع تايفون بجانب قتال إندرا لڤْرِتْرا.
ويقابله عند الرومان جوبيتر، ويقرأ المقال الروماني في هذا المشروع اسمه «جبّار». ويحلّل المعجم اللاتيني اسمه إلى Iov- «يُوْ» وpater «پاتِر»، أي «الأب يوف»، ويجعل Iov- من أسرة اسم زيوس نفسه؛ فالاسمان من أصل واحد في تاريخهما وتختلف قراءتاهما العربيتان، «ذو» في زيوس و«جبّار» أو «الأب القويّ» في جوبيتر. لويس وشورت، Iuppiter «يُوپِّيتِر». أمّا قصّة الأب الذي يبتلع أبناءه وحرب الابن على جيل الآباء فنقلها الرومان من قصّة زيوس إلى ساتورن أبي جوبيتر.