الرئيسية/المفاهيم/الأبطال الحضاريون، من جاء بالنار والكتابة والزرع

الأبطال الحضاريون، من جاء بالنار والكتابة والزرع

ملخص

الأبطال الحضاريون في الأساطير هم الذين جاؤوا الناس بما يعيشون به: النار التي يطبخون بها ويصهرون، والعلامات التي يكتبون بها ويحسبون، والمحراث والبذر، والنول والسفينة والبيت، والنظام الذي يُقسَم به العمل. وتقول أكثر القصص إنّ هذه العطايا أُخذت من قوّة أكبر، وإنّ أحداً دفع ثمنها.

أقدم قصّة تامّة في هذا الباب القصيدة السومرية «إنانا وإنكي». تأتي إنانا من أوروك إلى إريدو، مدينة إنكي، فيستقبلها في بيت الماء العذب بالطعام والجعة، ويتسابقان في الشرب من آنية البرونز. وفي سكره يعطيها المِه واحدة بعد واحدة، وهي ما تقوم عليه المدينة: حرفة النجّار وحرفة النحّاس وحرفة الكاتب، وحرفة الحدّاد والدبّاغ والقصّار والبنّاء وصانع القصب، والحكمة والانتباه، وإشعال النار وإطفاء النار، ومعها الخداع أيضاً. فتحمّلها في قارب السماء وتمضي. ولمّا صحا إنكي سأل وزيره إيسيمود عن المِه، فقال له إنّه أعطاها ابنته. فأرسل وراءها ستّ مرّات من يستردّ القارب، فكانت تجيب بأنّ كلام إنكي لا يُردّ، وتطرد وزيرتها نينشوبور المطاردين، حتى بلغت أوروك ففرح بها أهلها.

وأشهر هذه القصص عند الإغريق قصّة بروميثيوس. يقول هِسْيُود في «الثيوغونيا» إنّه قسم ذبيحة ثور في ميكوني بين الآلهة والبشر قسمة فيها حيلة، فغضب زيوس وحجب النار عن البشر، فسرقها بروميثيوس وحملها إليهم في ساق نبات مجوّفة. فشدّه زيوس بقيود لا تُفكّ، وأرسل عليه نسراً يأكل كبده، وصنع للبشر المرأة التي خرجت معها الشرور. ويجعل أَيْسْخُولُوس بروميثيوس في مسرحية «بروميثيوس المقيّد» يعدّ ما علّمه الناس: البيوت، ومطالع النجوم ومغاربها، والعدد، وتأليف الحروف التي تُحفظ بها الأشياء في الذاكرة، وتذليل الدوابّ تحت النير، والسفن، والدواء، والعرافة، والمعادن المدفونة تحت الأرض، ثم يقول: «كلّ فنّ عند البشر من بروميثيوس».

وفي الصين ينظر فوشي إلى السماء والأرض فيصنع منهما الخطوط الثمانية، ويعقد الحبال شباكاً للصيد، ثم يصنع شن نونغ المحراث ويذوق النبات حتى يلقى سبعين سمّاً في يوم واحد. وفي الشمال يترك أودين عينه رهناً ليشرب من بئر ميمير، ويعلّق نفسه تسع ليال ليأخذ الرونات. وفي مصر يكتب تحوت للآلهة، وفي فارس يعلّم جمشيد الناس صنع السلاح والغزل والبناء، وفي اليابان تولد النار من جسد الأمّ فتقتلها.

تتّفق هذه القصص في أنّ ما يعيش به الناس جاءهم من يد لها اسم وقصّة، وأنّه أُخذ في الغالب من موضع مغلق: من بيت إنكي، أو من نار زيوس، أو من بئر تحت جذر الشجرة، أو من جبل العملاق الذي خبّأ فيه شراب الشعر. وتفترق في طريق الأخذ: إنانا تأخذ المِه هديّة من سكران، وبروميثيوس يسرق النار، وأودين يشتري الحكمة بعينه وبجسده، وفوشي لا يأخذ من أحد، يرى العلامات بعينه فيصنع منها. والفكرة التي تدور عليها أنّ العطيّة لها ثمن يُدفع: قيد بروميثيوس وكبده، وعين أودين وتعليقه، وخلود أدابا الذي ردّه، وسموم شن نونغ، وقتل غون لأنّه سرق تربة الإله، وسقوط جمشيد حين قال إنّ العمل كلّه منه.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج». سمّى الإغريق ما جاء به بروميثيوس τέχνη / tekhnē «تِخْنِي»، ففي آخر خطبته: πᾶσαι τέχναι «پَاسَاي تِخْنَاي»، أي كلّ الفنون من بروميثيوس. وسمّى هسيود حيلته في ميكوني δολίη τέχνη «دُولِيِي تِخْنِي»، «الصنعة الماكرة». والكلمة في المعجم اليوناني صنعة اليد ومهارتها، وخاصّة في المعادن، ثم المكر والحيلة. ننزع منها النهاية -η «ـِي» فيبقى τεχν- «تِخْن»، وأصلها τεκ- «تِك» كما في τέκτων «تِكْتُون»، النجّار والبنّاء. وهذه حروف «أَتْقَنَ» العربية: التاء تاء، والقاف تصير كافاً لأنّ اليونانية لا قاف فيها، والنون نون. وفي معجم لين: أتقن الشيء أحكمه بالمهارة حتى صار متيناً سالماً من العيب، والتِّقْن الرجل الحاذق، ومنه في القرآن «الذي أتقن كلّ شيء». فالفنّ الذي أعطاه بروميثيوس هو الإتقان، وفي الكلمة المهارة والحيلة معاً كما في قصّته. ويبقى أنّ النون في اليونانية تُعدّ لاحقة لا تظهر في τέκτων «تِكْتُون»، وهي في العربية من أصل الكلمة. وسمّى أهل بابل حكماءهم الذين علّموا الناس قبل الطوفان apkallu «أَبْكَلُّو»، وكتبوها ABGAL «أَبْگال»، ومعناها الحكيم الخبير. وتقرؤها المقالة البابلية «أب» و«كلّ»: «أبو كلّ شيء»، أي الحكيم الشامل. و«گال» في السومرية «عظيم»، وتُقرأ في اسم نرغال «جَلَّ»، فيكون الاسم «الأب الجليل»، وهو قريب من قراءة المقالة: المعلّم الأوّل الذي يُرجع إليه في كلّ صنعة.

الشواهد بحسب الحضارة

سومر وبابل: إنكي والحكماء

في «إنكي ونظام العالم» يرتّب إنكي أعمال البلاد واحداً بعد واحد، ويجعل على كلّ عمل من يتولّاه: ينظّم المحاريث والنير ويفتح الأتلام ويجعل عليها إنكيمدو صاحب القنوات والسدود، ويملأ الحقول بالشعير ويجعل عليها أشنان، ويشدّ الخيط في المعزقة وينظّم قوالب الطوب ويجعل عليها كولّا، ويضع الأساس ويرصّ الطوب ويجعل عليه موشداما بنّاء إنليل، ويُتقن عمل النساء في الغزل ويجعل عليه أوتّو. ثم تأتيه إنانا باكية لأنّه لم يجعل لها نصيباً.

وفي الأكدية خلق إيا أدابا حكيماً لإريدو، أعطاه الحكمة ولم يعطه الحياة الدائمة. ولمّا استُدعي إلى آنو أوصاه إيا ألّا يأكل خبز الموت ولا يشرب ماء الموت، فلمّا قُدّم له خبز الحياة وماؤها ردّهما، فأُعيد إلى أرضه. وبقي للناس منه العلم: قال آشوربانيبال إنّه تعلّم «صنعة الحكيم أدابا»، أي فنون الكتابة. «أدابا وريح الجنوب»، 1–70، آشوربانيبال 220، العمود الأول 13. وفي القرن الثالث قبل الميلاد كتب بِيرُوسُوس، كاهن بابلي يكتب باليونانية، أنّ كائناً عاقلاً اسمه أُوانّيس خرج من البحر عند حدود بابل، له جسد سمكة، وتحت رأسها رأس آخر، وله قدما إنسان. كان يقضي النهار مع الناس لا يأكل شيئاً، ويعلّمهم الحروف والعدد والفنون كلّها، وبناء المدن والمعابد، والشرائع، ومساحة الأرض، والبذور وجني الثمار، ثم يعود إلى البحر في الليل. وجاء بعده كائنات مثله، يقول بيروسوس إنّ أوانّيس أرسلها كلّها. وتجعل المقالة البابلية أدابا أوّل هؤلاء الحكماء السبعة.

مصر: تحوت وأوزيريس

تحوت عند المصريين إله الكتابة والحكمة وكاتب الآلهة، وقد يُفهم أيضاً عقلَ الخالق ونطقَه الذي تُسمّى به الأشياء فتكون، ولذلك اتّصل باللغة والنصوص. شتادلر، ص 1 و5. أمّا خبر اختراعه للكتابة فيرويه أفلاطون اليوناني في محاورة «فايدروس» على لسان سقراط: سمع أنّ إلهاً قديماً عند نوقراطيس في مصر اسمه ثِيُوث اخترع العدد والحساب والهندسة والفلك ولعب الرقعة والنرد، وأهمّ من ذلك الحروف، فعرضها على الملك تاموس ليعلّمها المصريين. فقال له الملك إنّ هذا الاختراع سيورث النسيان من يتعلّمونه لأنّهم لن يمرّنوا ذاكرتهم، وإنّه دواء للتذكير لا للذاكرة، وإنّه يعطيهم ظاهر الحكمة لا حقيقتها.

وفي بردية «نزاع حورس وست» يكتب أوزيريس من عالم الموتى إلى مجلس الآلهة، ويذكّرهم بأنّه هو الذي أوجد الشعير والحنطة. بردية النزاع، ص 24–26. أمّا أنّه علّم المصريين الزراعة والشرائع فخبر يرويه بلوتارخ اليوناني في العصر الروماني، بعد النصوص المصرية بزمن طويل: أوّل ما فعله حين ملك أنّه أخرج المصريين من عيش معدَم يشبه عيش الوحوش، فأراهم ثمار الزرع وأعطاهم الشرائع وعلّمهم تعظيم الآلهة، ثم طاف الأرض يعلّم أهلها، يكسبهم بالكلام الحسن والغناء والموسيقى. فلمّا عاد دبّر له ست المكيدة.

كنعان: كوثر وحسيس

كوثر وحسيس صانع الآلهة في أوغاريت، يُقصد في مقامه البعيد بكفتور. يصنع لـبعل هراوتين يهزم بهما يم، ويسبك الفضّة ويصبّ الذهب أثاثاً لـأثيرت، ويبني قصر بعل من خشب فيه أرز لبنان، ويقترح فيه نافذة يرسل منها بعل صوته. ويخرج من ورشته قوس يصل إلى دانِئيل فيعطيه ابنه أقهت، فتطمع فيه عنات وتدبّر قتل أقهت، ويضيع القوس.

الإغريق والرومان: بروميثيوس وهيفايستوس وهرمس وفولكان

يقول بروميثيوس في مسرحية أيسخولوس إنّه جعل البشر لا يرون موتهم قبل أن يأتي، وأسكن قلوبهم آمالاً عمياء، وأعطاهم النار، وإنّهم سيتعلّمون منها فنوناً كثيرة. «بروميثيوس المقيّد»، 248–256. وفي أوّل المسرحية يقول «القوّة» لـهيفايستوس: إنّ بروميثيوس سرق زهرتك، النار المتوهّجة التي هي أصل كلّ الفنون، وأعطاها للفانين. فيقول هيفايستوس إنّه لا يجد في نفسه الجرأة على أن يقيّد إلهاً من قرابته، ثم يدقّ عليه القيود في الصخرة الموحشة لأنّه مأمور. «بروميثيوس المقيّد»، 1–20. فصاحب النار في السماء هو الذي يقيّد من أخذها للأرض. وهيفايستوس نفسه صانع الآلهة: يبني لهم بيوتهم، ويصنع لـأخيل الدرع التي عليها الأرض والسماء والبحر، ويصوغ المرأة الأولى من الطين بأمر زيوس.

ويقول «النشيد الهوميري إلى هرمس» إنّ هرمس أوّل من اخترع أعواد القدح والنار، وإنّه صنع القيثارة من درع سلحفاة في يوم مولده. وهو في القصيدة نفسها لصّ بقر أخيه، فيجتمع فيه المخترع والمحتال. النشيد الرابع، 24–51 و111. وعند الرومان يصنع فولكان في ورشته تحت جزيرة تدخّن درع إينياس، وينصح فيتروفيوس ببناء معبده خارج أسوار المدينة ليبقى خطر النار بعيداً عن البيوت.

الشمال: أودين

جاء أودين إلى بئر ميمير تحت جذر الشجرة، وفيها الحكمة وعقل الناس، فلم يُعطَ شربة حتى ترك عينه رهناً. «خداع غيلفي»، 15. ويقول في «أقوال العالي» إنّه علق تسع ليال على شجرة تضربها الريح، مطعوناً برمح، مقرَّباً من نفسه لنفسه، بلا خبز ولا قرن شراب، ثم نظر إلى أسفل فرفع الرونات صارخاً وسقط، ثم تعلّم تسع أغان عظيمة وشرب من الشراب الثمين في أُودْرِيرِير. «أقوال العالي»، 138–140. وشراب الشعر نفسه أخذه بالحيلة: صُنع من دم كفاسير الحكيم ممزوجاً بالعسل، وخبّأه العملاق سوتونغ في جبل تحرسه ابنته غونلود. فجاء أودين باسم بُولْفِيرْك، أي «صانع الشرّ»، وعمل عند أخي العملاق صيفاً كاملاً بأجر شربة، ثم ثقب الجبل ودخل في صورة حيّة، وبات عند غونلود ثلاث ليال فأذنت له بثلاث جرعات أفرغ بها الأواني الثلاثة، وطار في صورة نسر إلى أسغارد فبصق الشراب في أواني الآلهة، ومنه يأخذ الشعراء. «لغة الشعر»، 5–6. وتقول «أقوال العالي» بعد ذلك: كيف يُوثق بعهوده، وقد خدع سوتونغ وترك غونلود تبكي.

فارس: جمشيد

يقول «الشاهنامه» إنّ جمشيد ليّن الحديد بمجد الملك فصنع الخوذ والدروع والسيوف في خمسين سنة، ثم علّم الناس في خمسين أخرى غزل الكتّان والحرير والصوف ونسجها وخياطتها، ثم قسمهم أربع طبقات بحسب أعمالهم، ثم أمر الشياطين أن يخلطوا التراب بالماء فيصنعوا الطوب، فبنى الحمّامات والقصور. واستخرج الجواهر من الصخر، وطلب الطيب والدواء، وصنع سفينة يعبر بها من بلد إلى بلد، ثم رفعت الشياطين عرشه إلى السماء فسُمّي ذلك اليوم «اليوم الجديد». وبعد سبعمئة سنة قال للكبار إنّ الطعام والكسوة والأمن والشفاء جاءتهم كلّها منه، ففارقه المجد، وتفرّق الناس، وأخذ الضحّاك العرش، ثم نشره بالمنشار نصفين.

الصين: سلسلة المؤسّسين

يقول ملحق «شي تسي» في «كتاب التغيّرات» إنّ فوشي نظر إلى الصور في السماء والقواعد في الأرض ونقوش الطير والوحش، فصنع الخطوط الثمانية باغوا، وعقد الحبال شباكاً يصيد بها الناس في البرّ والماء. ثم نحت شن نونغ الخشب سكّة وعطف خشبة أخرى مقبضاً فعلّم الناس الحرث، وأقام السوق في منتصف النهار. ثم أرسل هوانغدي وياو وشون الثياب فاستقام الحكم، وجاءت من بعدهم القوارب، وركوب البقر والخيل، والهاون والمدقّة، والقوس والسهم، والبيوت مكان الكهوف، وتوابيت الموتى، وحلّت العلامات المكتوبة 書契 «شُو تْشِي» محلّ العقد في الحبال. ويردّ النصّ كلّ اختراع إلى علامة من علامات الكتاب، فالشبكة مأخوذة من علامة 離 «لِي».

ويقول «هواينان تسي» إنّ شن نونغ علّم الناس زرع الحبوب الخمسة، وفحص الأرض، وذاق كلّ نبات وماء كلّ نبع حتى يعرفوا ما يأكلون وما يجتنبون، فلقي في يوم واحد سبعين سمّاً. «هواينان تسي»، باب «شيو وو». ويقول في باب آخر إنّ تسانغجيه لمّا صنع الكتابة أمطرت السماء دخناً وبكت الأشباح في الليل، ولمّا حفر بويي البئر صعدت التنانين إلى السحاب الأسود، ثم يقول: كلّما كثرت المهارة رقّت الفضيلة.

وفي «كتاب الجبال والبحار» سرق غون من الإله الأعلى التربة التي تنمو بنفسها، فسدّ بها الطوفان من غير إذن، فأمر الإله بقتله، ثم أمر ابنه يو أن يبسط التربة ويقرّ الأقاليم التسعة. ويعدّ الباب نفسه أوّل من صنع كلّ شيء: فان يو أوّل من صنع القارب، وجي غوانغ أوّل من صنع العربة من الخشب، وهو جي بذر الحبوب المئة، وحفيده شو جون أوّل من حرث بالبقر. «كتاب الجبال والبحار»، 18. ويقول «سجلّات المؤرّخ» إنّ يو فتح للماء مجاري إلى البحر، وغاب عن بيته ثلاث عشرة سنة يمرّ ببابه ولا يدخل. «سجلّات المؤرّخ»، حوليات شيا. وتصهر نوا حجارة ذات خمسة ألوان لترقع السماء، وتعجن التراب الأصفر فتصنع منه الناس بيديها.

اليابان: النار التي تقتل أمّها

لا يسرق أحد النار في «كوجيكي» ولا في «نيهون شوكي». تلد إيزانامي آخر أولادها كاغوتسوتشي، معبود النار، فيحرقها في الولادة، وتخرج من قيئها كامي المعادن، ومن فضلاتها كامي التراب والماء والنماء، ثم تموت. فيقطع زوجها إيزاناغي رأس الابن، فتنشأ من دمه على الصخر وعلى السيف كامي جديدة، ومن جسده كامي الجبال. «كوجيكي»، الفصول 6–8. وفي رواية من «نيهون شوكي» تلد إيزانامي وهي تموت معبودة التراب وإلهة الماء، فيتزوّج كاغوتسوتشي معبودة التراب، ويولد لهما واكاموسوبي، فينبت على رأسه دود الحرير والتوت، وفي سرّته الحبوب الخمسة. «نيهون شوكي»، الكتاب الأول. وتخرج الحبوب ودود الحرير كذلك من جسد إلهة الطعام بعد قتلها: يقتلها سوسانو في «كوجيكي»، وتسوكويومي في «نيهون شوكي»، فتجعل أماتيراسو الحبوب بذوراً للحقول وتضع دود الحرير في فمها فتسحب منه الخيط.

التوازيات عبر الحضارات

تجتمع العطايا في أربعة أبواب: النار، والعلامات والكتابة، والطعام والماء، والحِرَف والنظام. وهذا جدولها مع ثمنها:

العطيّة من جاء بها الشاهد الثمن
النار بروميثيوس «الثيوغونيا» 565–616؛ «بروميثيوس المقيّد» 7–8 القيد والنسر، والمرأة وشرورها للبشر
أعواد القدح والنار هرمس النشيد الرابع 111 لا يذكر النصّ ثمناً
إشعال النار وإطفاؤها مع سائر المِه إنكي، وتحملها إنانا «إنانا وإنكي» يخسر إنكي ما أعطى
النار كاغوتسوتشي «كوجيكي» 6–8 تموت أمّه، ويقطع أبوه رأسه
الحروف والعدد تحوت، وهو ثيوث عند أفلاطون «فايدروس» 274–275 النسيان، كما يقول الملك تاموس
الكتابة تسانغجيه «هواينان تسي» 8 بكت الأشباح في الليل
الرونات أودين «أقوال العالي» 138–140 تسع ليال معلّقاً مطعوناً بلا طعام
شراب الشعر أودين «لغة الشعر» 5–6 يمين مكسورة، وغونلود تبكي
الخطوط الثمانية والشبكة فوشي «شي تسي» الثانية لا يذكر النصّ ثمناً
الحكمة وفنون الكاتب أدابا، وأوانّيس عند بيروسوس «أدابا»؛ بيروسوس ردّ أدابا خبز الحياة
المحراث والسوق ومعرفة النبات شن نونغ «شي تسي»؛ «هواينان تسي» 19 سبعون سمّاً في يوم
الشعير والحنطة أوزيريس بردية النزاع؛ بلوتارخ 13 لا يربط النصّ قتله بالعطيّة
التربة التي تنمو بنفسها غون «كتاب الجبال والبحار» 18 قُتل
مجاري الماء يو «سجلّات المؤرّخ» 2 ثلاث عشرة سنة بعيداً عن بيته
أعمال الحقل والبناء والغزل إنكي «إنكي ونظام العالم» لا يذكر النصّ ثمناً
السلاح والقصر والقوس كوثر وحسيس دورة بعل؛ «أقهت» لا يملك مصير القوس
السلاح والنسيج والطوب والدواء والسفينة جمشيد «الشاهنامه» زال عنه المجد حين نسب العمل إلى نفسه
الحبوب ودود الحرير إلهة الطعام المقتولة، وواكاموسوبي «كوجيكي» 17؛ «نيهون شوكي» 1 قتل إلهة الطعام

تأتي العطيّة من أربعة مواضع. فقد تُؤخذ من بيت معبود يملكها: إنانا تأخذ المِه من إنكي وهو سكران، وبروميثيوس يسرق نار زيوس، وأودين يأخذ شراب الشعر من جبل العملاق بالخداع، وغون يسرق تربة الإله الأعلى. وقد تأتي من النظر في العالم: فوشي ينظر إلى السماء والأرض، و«شي تسي» يردّ كلّ اختراع إلى علامة من علامات الكتاب. وقد تأتي من التجربة في الجسد: شن نونغ يذوق النبات فيعرف السمّ من الدواء. وقد تخرج من جسد يموت: النار اليابانية تقتل أمّها، والحبوب تخرج من جسد إلهة الطعام بعد قتلها.

ويقع الثمن على ثلاثة. يدفعه الذي جاء بالعطيّة: قيد بروميثيوس وكبده، وعين أودين وتعليقه، وسموم شن نونغ، وقتل غون، وغياب يو عن بيته. أو يدفعه الناس الذين أخذوها: المرأة التي خرجت معها الشرور، والنسيان الذي يورثه المكتوب عند أفلاطون، وبكاء الأشباح حين صُنعت الكتابة في «هواينان تسي»، والخلود الذي ردّه أدابا فبقي الناس بلا خلود. أو يدفعه صاحبها الأوّل: إنكي يخسر المِه، وسوتونغ يخسر شرابه. أمّا الصنّاع الذين يعملون للآلهة، كوثر وهيفايستوس وفولكان، فلا يدفعون ثمن الصنعة، ويقفون في جانب السلطة: هيفايستوس صاحب النار التي سرقها بروميثيوس، وهو الذي يُؤمر بتقييده فيدقّ القيود وهو كاره. ويقف جمشيد بين الطرفين: جمع عمل الناس كلّهم، ثم سقط حين نسبه إلى نفسه.

والشبكة مثال على اختلاف المصير. يعقد فوشي الحبال شباكاً يصيد بها الناس في البرّ والماء. ويعقد لوكي خيوط الكتّان عيوناً، كما يقول سنوري، فتكون أوّل شبكة، ثم يرميها في النار حين يقترب الآلهة، فيعرفون صنعتها من رسمها في الرماد، ويصيدونه بها. «خداع غيلفي»، 50. وتجمع اليونانية الصنعة والحيلة في كلمة τέχνη «تِخْنِي»، فالحيلة في ميكوني صنعة، وشبكة هيفايستوس التي أمسك بها آريس صنعة، وفي المحتال أخبار من غيّروا العالم بالحيلة.

وأسماء هؤلاء كما تُقرأ في اللسان العربي على صفحاتهم تصف عملهم: بروميثيوس «المُبرِم» الذي يحكم الأمر قبل وقوعه، وهيفايستوس «النافث» في النار، وكوثر وحسيس «الكثير الحسّاس»، وتحوت «الحافظ» من حاط يحوط، وأدابا من «الأدب»، وفوشي «الفتّاح»، وهوانغدي «الهادي الأعلى»، وجمشيد «الباني العظيم»، وأودين «الأُذُن» الذي يعلم بما يسمع، وشن نونغ «صانع الزرع» على قراءة مقترحة.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة الإغريقية سرقة النار اكتشافَ إشعالها بالاحتكاك، وتجعله أعظم انقلاب تقني في تاريخ البشر، و«الآلهة» التي سُرقت منها النار عندها قوى الطبيعة. وتقرأ عقاب بروميثيوس ثمن التقدّم، فالنسر الذي يأكل الكبد إرهاق المخترع الدائم، والكبد الذي ينمو في الليل احتمال الإنسان واستمراره. وتقول إنّ نسبة الفنون كلّها إلى بروميثيوس ضغط لآلاف السنين من الاختراع في شخص واحد.

وتقول المقالة الصينية إنّ معبودات الصين مهندسون وملوك ومخترعون، وتقابل كلّ واحد منهم باختراع: فوشي بالصيد وتربية الحيوان، ونوا بصناعة الفخّار، وشن نونغ بالزراعة والطبّ بالأعشاب، وهوانغدي بالبرونز والنسيج، وتسانغجيه بالكتابة، وتجعل عيونه الأربع في الخبر دقّة الملاحظة. وتقرأ المقالة السومرية إنكي معرفةً تطبيقية، والمِه قواعد الحضارة وبروتوكولاتها، وأخذ إنانا لها انتقال مركز الحضارة من إريدو إلى أوروك. وتقرأ المقالة الفارسية إنجازات جمشيد تاريخ الثورة الزراعية والمعادن مضغوطاً في أسطورة. وتقرأ المقالة النوردية أودين صورة الحكيم الباحث، وتقول إنّ الرونات جاءت ثمرة معاناة وتأمّل طويل، لا هبة من السماء. وتقرأ المقالة الكنعانية كوثر وحسيس طبقة الحرفيين، وتقول إنّ الملوك أنفسهم يحتاجون إلى الصانع، وإنّ مقامه في كفتور اعتراف بأنّ بعض الصنعة جاءت من بحر إيجة. وتقرأ المقالة المصرية حكم أوزيريس العادل وتعليمه الزراعة موسم الزرع والحصاد، مستندة إلى الرواية المتأخّرة. وتقرأ المقالة اليابانية موت إيزانامي بولادة النار بركاناً يخرج من الأرض فيدمّرها. وتقابل المقالة البابلية الحكماء السبعة بالأنبياء وببروميثيوس معلّم البشر، وتقابل أدابا ببروميثيوس في المعرفة والعقاب، وتجعل المقالة الصينية الثانية فوشي وبروميثيوس وإنكي «الإله الذي يعطي المعرفة للبشر».

والنصوص تسند هذه القراءة في أمرين. الأوّل أنّ قوائم العطايا قوائم أعمال مجتمع مستقرّ: الحقل والموقد والكور والنول والكاتب والسفينة والسوق والقانون، يذكرها «إنكي ونظام العالم» و«شي تسي» و«الشاهنامه» و«بروميثيوس المقيّد» كلّها تقريباً، ويجعل كلّ نصّ لكلّ عمل صاحباً. والثاني أنّ الأثمان أشياء يعرفها الناس من عيشهم: النبات الذي يُعرف بالذوق يسمّ من يذوقه أوّلاً، وعمل الماء يأخذ العامل من بيته سنين، والكتابة تُضعف الحفظ، والنار تحرق من يوقدها، والحرفة إذا جُمعت في يد ملك واحد زعم أنّها له. أمّا التواريخ التي تقترحها المقالات لكلّ اختراع فلا تذكرها النصوص، والنصوص تحفظ ترتيب الأعمال وأثمانها.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «إنانا وإنكي»، «إنكي ونظام العالم»، «أدابا وريح الجنوب»، آشوربانيبال 220، معجم الأدب الأكدي القديم، أبكلّو، روجرز، «متوازيات مسمارية»، ص 76–79.

  2. شتادلر، «تحوت»، أفلاطون، «فايدروس»، بردية «النزاع»، طبعة غاردنر، بلوتارخ، «إيزيس وأوزيريس».

  3. متحف المتروبوليتان، «معبودات كنعان»، لوبيز-رويز، كريستنسن، «قصيدة أقهت».

  4. هسيود، «الثيوغونيا»، «الأعمال والأيام»، أيسخولوس، «بروميثيوس المقيّد»، «النشيد الهوميري إلى هرمس»، الإلياذة 1 و18، «الإنيادة» 8، فيتروفيوس.

  5. «خداع غيلفي»، 15 و50، «أقوال العالي»، «لغة الشعر»، 5–6.

  6. «الشاهنامه»، جمشيد.

  7. «شي تسي الثانية»، «هواينان تسي»، «شيو وو» و«بن جينغ» و«لان مينغ»، «كتاب الجبال والبحار» 18، «سجلّات المؤرّخ» 2، «تاي بينغ يو لان» 78.

  8. «كوجيكي»، طبعة كوكوغاكوين، ترجمة تشامبرلين، القسم 17، «نيهون شوكي»، الكتاب الأول.

  9. المعجم اليوناني، τέχνη «تِخْنِي»، معجم لين، تقن وجلل.

  10. 472–506
  11. «الثيوغونيا» 540
  12. «بروميثيوس المقيّد» 506
  13. «بروميثيوس المقيّد»، 248–256
  14. «بروميثيوس المقيّد»، 1–20
  15. جمشيد 4
  16. «نيهون شوكي»، ترجمة أستون، ص 32–33