ملخص
يَاو، 堯 / Yáo، وشُون، 舜 / Shùn، الملكان الحكيمان في أخبار الصين القديمة، يجعلهما الكونفوشيون مثال الحكم العادل. وقصّتهما قصّة واحدة: ملك عجوز يبحث عن خلف له خارج بيته، فيجده في رجل فقير من عامّة الناس، فيمتحنه ثم يعطيه الملك، ويفعل شون مثل ذلك حين يكبر، فيعطي الملك لـيو لا لابنه.
يبدأ «كتاب الوثائق» 書經 / Shujing «شُو جِينْغ» في «قانون ياو» بصفته: كان ياو، واسمه فَانْغ شُون، 放勛 / Fàngxūn، مهيباً حكيماً متواضعاً، يعمّ نوره الجهات الأربع، فوصل أهله ثم قومه ثم الممالك كلّها. ثم أمر شي وخه أن يتبعوا السماء الواسعة بخشوع، ويرصدوا الشمس والقمر والنجوم، ويعلّموا الناس أوقاتهم، فجعل السنة ثلاثمئة وستّة وستّين يوماً، وأقام الشهر الزائد ليستقيم الفصول. ثم سأل: من يصلح لأمري؟ فاقترحوا ابنه جو، فقال: كذّاب مخاصم. فاقترحوا غونغ غونغ، فقال: حسن الكلام، فإذا عمل خالف، ويتظاهر بالتقوى وهو يطغى إلى السماء. ثم قال لزعماء الجهات الأربع: الماء الطاغي يفيض، ويلفّ الجبال، ويعلو التلال، ويبلغ السماء، والناس يشكون، فمن يقدر عليه؟ فقالوا: غون. فقال: يعصي الأمر ويفسد قومه. قالوا: جرّبه. فعمل غون تسع سنين ولم ينجح.
ثم قال ياو لزعماء الجهات: ملكتُ سبعين سنة، فهل يأخذ أحدكم مكاني؟ فقالوا: ليس فينا من يليق به. فقال: ارفعوا الصالح ولو كان من أهل الوضاعة. فقالوا: في الناس رجل أعزب اسمه شون، ابن الأعمى، أبوه عنيد، وأمّه كذوب، وأخوه شيانغ متكبّر، ومع ذلك أصلح بينهم ببرّه، فلم يقعوا في الشرّ. فقال ياو: سأمتحنه، وزوّجه ابنتيه. ثم امتحنه في القوانين الخمسة فأقامها، وفي المناصب المئة فرتّبها، وفي استقبال الضيوف عند الأبواب الأربعة فأحسن، وأدخله الغابة الكبرى فلم يضلّ في العاصفة والرعد والمطر. وبعد ثلاث سنين قال: اصعد العرش، فتأخّر شون وقال إنّ غيره أحقّ، ثم أخذ الحكم نائباً عن ياو، ونفى غونغ غونغ إلى الشمال، ونفى هوان دو وقبائل سان مياو، وقتل غون في جبل الريش، فرضي الناس. ومات ياو بعد ثمانٍ وعشرين سنة، فحزن عليه الناس حزنهم على آبائهم، وسكتت الموسيقى ثلاث سنين. ثم جعل شون يو مسؤولاً عن الأرض ليسوّي الماء والتراب، وجعل لكلّ عمل رجلاً: للزرع، وللتعليم، وللقضاء، وللصنعة.
ويروي «سجلّ المؤرّخ الكبير» 史記 / Shiji «شِي جِي» ما احتمله شون من أهله. أراد أبوه الأعمى غُو سُو، 瞽叟، أن يقتله، فأمره أن يطيّن سقف مخزن الحبوب، ثم أشعل النار من تحته، فنزل شون يحمي نفسه بقبّعتين من الخيزران كالجناحين ونجا. ثم أمره أن يحفر بئراً، فحفر فيها ممرّاً جانبياً خفياً، فلمّا نزل ردم أبوه وأخوه البئر بالتراب، فخرج شون من الممرّ. ففرح الأب وشيانغ وظنّاه مات، وقال شيانغ: أنا صاحب الفكرة، آخذ زوجتيه وعوده، وللأبوين البقر والغنم والمخازن، وجلس في بيت شون يعزف على عوده. فدخل شون، فاضطرب شيانغ وقال: كنت أفكّر فيك فأحزن، فقال شون: هكذا ينبغي أن تكون. ثم خدم أباه وأحسن إلى أخيه أكثر من قبل. ويقول الكتاب إنّ شون حرث في جبل لي فترك الناس الحدود بعضهم لبعض، وصاد في بحيرة لي فترك الناس المواضع بعضهم لبعض، وصنع الفخّار على النهر فلم يكن في فخّاره عيب، فصار موضعه قرية في سنة، وبلدة في سنتين، ومدينة في ثلاث. وعرف ياو أنّ ابنه دان جو لا يصلح، فقال: لا أضرّ العالم كلّه لأنفع رجلاً واحداً، فأعطى شون الملك. فلمّا مات ياو ابتعد شون إلى جنوب النهر الجنوبي ليترك الأمر لدان جو، فذهب الأمراء والمتقاضون والمغنّون إلى شون لا إلى دان جو، فقال: إنّها السماء، وجلس على العرش. ومات شون في جولة في الجنوب عند تسانغ وو، ودُفن في جبال جيو يي، وكان ابنه شانغ جيون لا يصلح أيضاً، فقدّم يو.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الحكم يُعطى لمن يصلح له لا لمن يرثه. ياو يرفض ابنه لأنّه مخاصم، ويقبل رجلاً لا يملك شيئاً، لأنّ هذا الرجل أصلح بيتاً فيه من يريد قتله. والملك الذي يقدر على بيت كهذا يقدر على العالم. والامتحان نفسه يمضي من الداخل إلى الخارج: الزوجة، ثم القوانين، ثم المناصب، ثم الضيوف، ثم الغابة والعاصفة. ويضع منسيوس كلمة الفصل: ياو لم يعطِ العالم لشون، فالملك لا يملك أن يعطيه، وإنّما أعطته السماء، والسماء لا تتكلّم، بل تُظهر رضاها بالأعمال والأحداث: قُدّم شون للقرابين فقبلتها الأرواح، وقُدّم لشؤون الناس فرضي الناس.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، قراءة مقترحة على المنهج. كان 堯 «يَاو» في الصينية القديمة *[ŋ]ˤew «نْغِيو»، نوناً من أقصى الحلق ثم واواً، ومعناه في الصينية «العالي». ونقرأ النون من أقصى الحلق جيماً، فيكون الاسم «جَوّ»، والجوّ في معجم لين الهواء بين السماء والأرض. فياو على هذه القراءة «الجوّ»، العالي القريب من السماء، وهذا ما يقوله كونفوشيوس: «ما أعظم ياو ملكاً! لا عظيم إلّا السماء، ولم يتّخذها قدوة إلّا ياو». وكان 舜 «شُونْ» *[s.t]u[n]-s «سْتُونْس»، والسين في أوّله بادئة غير مؤكّدة، والسين في آخره لاحقة النبرة، فيبقى الأصل تاء ثم ضمّة ثم نون، وهي «دانَ». ودان له في معجم لين أطاعه، ودانه خدمه وأحسن إليه، وجزاه بفعله، وحكمه وساسه. فشون على هذه القراءة «الذي دان»: أطاع أباه وخدمه وهو يريد قتله، ثم حكم الناس وجزى المذنبين.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى أو الموضع |
|---|---|---|
| 堯 *[ŋ]ˤew، ngew | «نْغِيو»، «نْغِيُو» | العالي؛ اسم ياو |
| 放勛 Fàngxūn | «فَانْغ شُون» | اسمه الشخصي في «قانون ياو» |
| 陶唐 Táotáng | «تَاو تَانْغ» | اسم بيته |
| 舜 *[s.t]u[n]-s، sywinH | «سْتُونْس»، «شْوِين» | الخطميّ، نبات بزهر؛ اسم شون |
| 重華 Chónghuá | «تْشُونْغ خْوَا» | اسمه في «قانون شون» و«سجلّ المؤرّخ الكبير» |
| 虞 Yú | «يُو» | اسم بيته |
| 禪讓 shànràng | «شَانْ رَانْغ» | التنازل عن الملك للأصلح |
يجعل باكستر وساغار 堯 *[ŋ]ˤew بمعنى «العالي»، والحرف الأوّل بين قوسين لأنّ هويّته غير مؤكّدة، والعلامة بعده علامة التفخيم. وقد قرأت صفحة شن نونغ النون من أقصى الحلق جيماً، والجيم والواو حرفا «جوّ»، والواو في الصينية بعد الحركة تقابل الواو المشدّدة. ويجعلان 舜 *[s.t]u[n]-s بمعنى الخطميّ، والبادئة s. بين قوسين، والنون بين قوسين، ثم لاحقة النبرة. فإذا أُسقطت البادئة واللاحقة بقيت التاء والنون، والتاء والدال في مجموعة واحدة من حروف طرف اللسان في قوانين جذور، والضمّة بينهما تقابل الياء الساكنة في «دين» على صورة الفعل «دان».
وفي معجم لين في مادّة «جو»: الجوّ الهواء، أو ما بين السماء والأرض، ومنه «في جوّ السماء» في القرآن، أي في الهواء بين السماء والأرض، أو في وسط السماء، والجوّ أيضاً المنخفض من الأرض والواسع من الوادي. وفي مادّة «دين»: دان له أطاعه، ودِنتُه خدمته وأحسنت إليه، ودانه جزاه بفعله، ومنه المثل «كما تدين تُدان»، ودِنتُه حكمته وسُسته وملكت أمره. وكلّ هذه المعاني في قصّة شون: أطاع أباه، وخدم ياو ثماني وعشرين سنة، ثم حكم، ثم جزى الأربعة المذنبين.
وموضع الضعف أنّ قراءة النون من أقصى الحلق جيماً لها سابقة واحدة، وأنّ باكستر وساغار يضعان أوّل الاسمين بين قوسين. فإن كانت السين في أوّل 舜 من الأصل لا بادئة، كانت الحروف س-د-ن، وهي حروف «سَدَن»، وسدن في معجم لين خدم البيت وكان بوّابه، وهذا يلتقي بخدمة شون لياو ولا يخرج عن معنى «دان». ولا تذكر المقالتان الصينيتان في المشروع ياو وشون، فالقراءتان مقترحتان على المنهج.
السرديات الأسطورية الرئيسة
من ينكر التنازل
لم تقبل كلّ الكتب القديمة خبر التنازل. يقول شيون دزي في باب «تصحيح الأقوال»: يقول عامّة القائلين إنّ ياو وشون تنازلا عن الملك، وهذا غير صحيح، فالملك أعلى من أن يتنازل لأحد، والحكيم إذا مات قام بالأمر من يصلح له. ويضع هان في دزي على لسان الوزراء الخونة قولاً أشدّ: شون ضيّق على ياو، ويو ضيّق على شون، وتانغ نفى جيه، ووو حارب جو، فهؤلاء الأربعة رعايا قتلوا ملوكهم ومدحهم الناس. فخبر الملك الذي يعطي العرش للأصلح بقي خبراً يُحتجّ له ويُحتجّ عليه.
شون الذي لم يخبر أباه
ويسأل تلميذ منسيوس: يقول الشعر إنّ من أراد الزواج أخبر أبويه، فكيف تزوّج شون ولم يخبرهما؟ فيقول منسيوس: لو أخبرهما لما تركاه يتزوّج، وزواج الرجل والمرأة أعظم روابط الناس، فلو أخبرهما لترك هذه الرابطة وعادى أبويه. ويسأل: أكان شون لا يعلم أنّ شيانغ يريد قتله؟ فيقول: كان يعلم، لكنّ شيانغ جاءه بطريق محبّة الأخ، فصدّقه وفرح به.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الصينية التي تعيد قراءة الأساطير خبر الطوفان درساً في الهندسة: غون يسدّ الماء فيفشل، ويو يوجّهه بالقنوات فينجح، وتجعل الأباطرة الأوائل أصحاب اختراعات. وفي «قانون ياو» يقع اختيار الرجال على هذا المقياس نفسه: لا يُختار غون إلّا تجربة، ويُعزل حين يفشل، ويُختار يو لأنّه يصلح للعمل، ويوزّع شون الأعمال على أهلها، فكلّ منصب صنعة. وتقرأ المقالة الأمازيغية التي تعيد قراءة الأساطير الملك الأمازيغي، الأَگَلِّيد، ملكاً يختاره مجلس القبائل ويُعزل إذا أخطأ، لا ملكاً بحقّ إلهي. وهذا قريب ممّا يقوله منسيوس: الملك يقدّم الرجل، والسماء تقبله بأن يرضى به الناس.
التوازيات عبر الحضارات
يُروى عن نوما، ثاني ملوك روما، أنّه لم يكن من بيت رومولوس ولا من أهل روما، بل رجل من الصابين معروف بالعدل والتقوى، اختاره مجلس الشيوخ والشعب بعد أن خلا العرش. ثم أبى نوما أن يملك حتى تُسأل الآلهة، فجلس العرّاف ينظر في الطير، فلمّا جاءت العلامات أُعلن ملكاً. فالملك في الخبرين يأتي من خارج البيت لصلاحه، والسماء تقبله بعلامة: الطير عند الرومان، والأرواح التي تقبل القرابين والناس الذين يرضون عند منسيوس.
وفي أوغاريت يدخل يَصِّب، ابن كِرْتا الأكبر، على أبيه المريض ويقول: لم تحكم في قضيّة الأرملة، ولم تقضِ للضعيف، ولم تُطعم اليتيم، فانزل عن الملك لأملك أنا. فالابن هنا يطلب العرش لأنّ الأب لم يعدل، وياو يمنع العرش عن ابنه لأنّه مخاصم. وفي الخبرين العدل هو الذي يستحقّ به الملك.
ويقسم جمشيد في «الشاهنامه» الناس على حرفهم، فيجعل لكلّ صنعة أهلها، كما يجعل شون لكلّ عمل رجلاً: للزرع، والتعليم، والقضاء، والصنعة. لكنّ جمشيد يقول في آخر ملكه إنّ كلّ شيء جاء منه، فيفارقه المجد، وشون يتأخّر عن العرش ويقول إنّ غيره أحقّ.