الرئيسية/المفاهيم/الطفل المنبوذ

الطفل المنبوذ

ملخص

الطفل المنبوذ قصّة الطفل الذي يُخرج من بيته عند ولادته ليموت أو ليختفي، فيُلقى في نهر أو بحر أو يُترك على جبل، فينجو، وتربّيه أنثى من الوحش أو الطير أو رجل فقير، ثم يعود إلى المكان الذي أُخرج منه. وأقدم رواية مكتوبة لها بلسان صاحبها قصّة سرجون ملك أكد، في نصّ أكدي نُسخ في مكتبة آشوربانيبال: ولدتني أمّي الكاهنة العليا في السرّ، ووضعتني في سلّة من القصب، وسدّت بابها بالقار، وألقتني في النهر فلم يعلُني، فحملني إلى أقّي ساقي الماء، فانتشلني حين غمس دلوه وربّاني وجعلني بستانيّاً، فأحبّتني عشتار فملكت.

وتتكرّر القصّة عند شعوب كثيرة. في روما يأمر أموليوس، الذي غصب ملك أخيه، بإلقاء التوأمين رومولوس وريموس في التيبر، فترضعهما ذئبة ويربّيهما راعٍ، ثم يقتل رومولوس أموليوس ويبني روما. وعند هيرودوت يرى أستياغيس ملك الميديين في منامه أنّ ابن ابنته سيملك آسيا، فيأمر بقتله، فيربّيه راعٍ وامرأته، ويصير كورش الذي يخلعه. وفي الشاهنامه يُلقى زال على جبل ألبرز لأنّ شعره وُلد أبيض، فتربّيه سيمرغ في عشّها. وعند اليونان يُلقى باريس على جبل إيدا لأنّ أمّه حلمت أنّها تلد شعلة تحرق طروادة، وتُثقب كعبا أوديب ويُلقى على جبل كيثايرون لأنّ النبوءة قالت إنّه سيقتل أباه. وفي الهند يُحمل كريشنا ليلة ولادته عبر نهر يامونا ليفرّ من خاله كمسا. وفي اليابان يضع الزوجان الأوّلان ولدهما هيروكو في قارب من القصب ويتركانه للماء. وفي التوراة تضع أمّ موسى ابنها في سفط من البرديّ مطليّ بالقار والزفت بين الحلفاء على شاطئ النيل.

والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ الطفل الذي يحاول النظام القديم أن يتخلّص منه يعود فيملك. ويُخرج الطفلَ في أكثرها رجل يملك ويخاف: جدّ أو أب أو عمّ أو خال سمع نبوءة أو رأى رؤيا أنّ هذا المولود يأخذ مكانه، فيكون إخراجه هو الطريق إلى ما خافه. ويُخرج في غيرها لعيب يُستحى منه: شعر زال الأبيض، وجسد هيروكو الذي لا يقف. ويحمل الماء الطفل في السلّة أو القارب، أو يحمله الجبل، فيقع بين الموت والحياة، ثم يربّيه من هو أسفل الناس أو خارجهم: ساقي ماء، أو راعٍ، أو امرأة راعٍ، أو ذئبة، أو دبّة، أو طائر. فإذا عاد عاد بشيء لا يملكه من بقي في القصر: معرفة الأرض من أسفلها، وعلامة في جسده، وشرعية لا يعطيها النسب، فيقول سرجون إنّ عشتار أحبّته، ويقول رومولوس إنّ مارس أبوه. وتفترق القصص في العودة: سرجون وكورش ورومولوس يؤسّسون ملكاً جديداً، وزال يعود إلى بيت أبيه ويحمل مجده، وباريس يعود فيأتي معه خراب مدينته، وأوديب يعود فيكشف ما في بيته، وهيروكو لا يعود في «كوجيكي» أصلاً.

أمّا الكلمات فالعربية تسمّي هذا الطفل «المنبوذ»: في معجم لين المنبوذ الطفل الذي تلقيه أمّه في الطريق عند ولادته، فيلتقطه رجل ويقوم عليه، واللقيط. و«نبذه» ألقاه لأنّه لا يعدّه شيئاً. وسلّة سرجون في الأكدية quppu «قُپُّو»، الصندوق أو السلّة من القصب أو الخشب، وفي الأكدية أيضاً qappatu «قَپَّتُو»، السلّة من سعف النخل. ونقرؤهما قراءةً مقترحة على المنهج «القُفّة»: وفي معجم لين القفّة سلّة من جنس المِقْطَف، أكبر منه وأصغر من الزنبيل. والقاف قاف، والفاء تقابل p، والحرف المضعّف مضعّف. والرجل الذي انتشل سرجون dālû «دالُو»، ساقي الماء بالدلو، من dalû «دَلُو» الدلو، وهو «الدَّلْو» العربية بحروفها، وفي لين «دلا الدلو» أخرجها من البئر ملأى.

الجذر اللغوي

كلمات السلّة

اللغة الكلمة النطق المعنى
الأكدية quppu قُپُّو صندوق أو سلّة من القصب أو الخشب، وقفص الطير
الأكدية qappatu قَپَّتُو سلّة من سعف النخل
الأكدية šūru شُورُو حزمة القصب، و«قُپُّو من شورو» سلّة من القصب
الأكدية kupru كُپْرُو القار، للبناء والسفن
العربية قُفّة سلّة من جنس المقطف، أكبر منه

يذكر المعجم الأكدي تحت šūru «شُورُو»، حزمة القصب، عبارة «سلّة من القصب»، وهي العبارة التي في قصّة سرجون. والسلّة quppu «قُپُّو»، وتكون من القصب أو الخشب، ويوضع فيها الطعام والفضّة والألواح، وتكون قفصاً للطير. ونقرؤها في العربية «القُفّة» قراءةً مقترحة على المنهج: القاف قاف بلا تبديل، والفاء تقابل p في القانون الأوّل من قوانين مشروع جذور، والتضعيف في الكلمتين، والمعنى في لين السلّة. فالاختبارات الثلاثة الأولى تجتمع، والقصّة قصّة طفل في سلّة. والذي يبقى مفتوحاً تاريخ الكلمة: لم نجد شاهداً على «القفّة» في العربية قبل الإسلام، فلا نعرف أهي من الأصل المشترك أم دخلت العربية من الآرامية أو الأكدية متأخّرة.

ساقي الماء والدلو

dālû «دالُو» في المعجم الأكدي ساقي الماء، اسم حرفة، من الفعل dalû «دَلُو» استقى الماء بالدلو، والاسم dalû «دَلُو» الدلو من النحاس لاستقاء الماء. والحروف الدال واللام والواو في العربية «دلو» بلا تبديل، وفي لين «دلا الدلو» أخرجها من البئر ملأى، و«أدلى دلوه» أرسلها. فهذه كلمة واحدة في الأختين، يُسمّى بها الرجل الذي انتشل سرجون من النهر.

المنبوذ والموضوع

اسم القصّة في العربية من «نبذ»: في معجم لين «نبذه» ألقاه ورمى به لأنّه لا يعدّه شيئاً، وهو أصل المعنى، و«المنبوذ» الطفل الذي تلقيه أمّه في الطريق عند ولادته فيلتقطه رجل ويقوم عليه، وهو اللقيط. أمّا اللاتينية فتقول exponere «إِكْسْپونيرِه»، أي وضعه خارجاً، ويقول ليفي إنّ الخدم «وضعوا» التوأمين في أقرب ماء من الفيضان، وتقول اليونانية ἐκτίθημι «إِكْتِيثِيمي» بالمعنى نفسه. وفي العربية «وضع» الشيء حطّه، و«وضعت المرأة» ولدت، وهي القراءة الثانية التي تقرأ بها المقالة الإغريقية اسم أوديب: المولود الذي وُضع قبل أن يولد. فالولادة والإلقاء في العربية فعل واحد.

الشواهد بحسب الحضارة

بلاد الرافدين: سرجون

يروي سرجون ولادته بلسانه: أمّ كاهنة عليا، وأب لا يُعرف، وسلّة من القصب مسدودة بالقار في الفرات، وساقي ماء ينتشله ويجعله بستانيّاً، وعشتار تحبّه. ويعرف ثبت الملوك السومري الأب البستانيّ، ويجعل سرجون ساقي أور-زبابا ملك كيش، وتروي القصّة السومرية كيف حاول أور-زبابا قتله فحمته إنانا.

روما: رومولوس وريموس

يقول ليفي إنّ أموليوس أمر بإلقاء الطفلين في النهر، وكان التيبر قد فاض، فوضعهما الخدم في أقرب ماء راكد عند تينة، فلمّا انحسر الماء نزلت ذئبة عطشى من الجبال إلى البكاء فأرضعتهما، ووجدها فاوستولوس راعي الملك تلعقهما بلسانها، فحملهما إلى امرأته لارنتيا. ثم يعود رومولوس فيقتل الملك ويردّ الملك إلى جدّه، ويبني مدينة حيث أُلقي.

إيران: كورش وزال وكيخسرو

يقول هيرودوت إنّ أستياغيس رأى ابنته ماندانا تبول فيغرق بولها آسيا، ثم رأى كرمة تخرج منها فتظلّل آسيا، فدفع ابنها إلى هارباغوس ليقتله، فأعطاه هارباغوس راعياً، وكانت امرأة الراعي قد ولدت ولداً ميّتاً، واسمها بلغة الميديين سباكو، أي الكلبة، فبدّلا الطفلين. فلمّا بلغ كورش العاشرة جعله الصبيان ملكاً في لعبهم، فجلد ابن أحد الأشراف، فعُرف. وأشاع أبواه بعد ذلك أنّ كلبة أرضعته. وفي الشاهنامه يُلقى زال على ألبرز فتربّيه سيمرغ، ويُعطى كيخسرو بعد قتل أبيه لرعاة جبل كالور يربّونه لا يُعرف نسبه، ثم يعود فيثأر من جدّه أفراسياب. هيرودوت 1.107–122، وارنر، المجلّد الأوّل، ص 239–248، المجلّد الثاني، ص 328–334.

اليونان: باريس وأوديب وغيرهما

يُلقى باريس على إيدا فترضعه دبّة خمسة أيّام، ويُلقى أوديب على كيثايرون مثقوب الكعبين، ويُلقي أكريسيوس ابن ابنته برسيوس مع أمّه في صندوق في البحر، ويُلقى تيليفوس على جبل بارثينيون فترضعه ظبية. وفي كلّ قصّة من هذه نبوءة أو رؤيا أو خوف من ولد، وفي كلّ منها عودة. ويسبقها في أنساب الآلهة كرونوس الذي يبتلع أولاده، فتخبّئ ريا زيوس في كريت حتى يكبر ويخلعه.

الهند: كريشنا

يسمع كمسا صوتاً يقول له إنّ الولد الثامن لأخته ديفاكي سيقتله، فيحبسها ويقتل أولادها. فلمّا وُلد كريشنا نام الحرّاس، وحمله أبوه فاسوديفا عبر يامونا، فانفرج له النهر، وبدّله ببنت ياشودا امرأة الراعي ناندا، فنشأ بين الرعاة والبقر، ثم عاد فقتل كمسا.

اليابان: هيروكو

يدور الزوجان إيزاناغي وإيزانامي حول عمود السماء، فتتكلّم هي أوّلاً، فيولد لهما ولد كالعلقة، فيضعانه في قارب من القصب ويتركانه للماء، ولا يعدّانه من أولادهما. ويقول أستون في حاشيته إنّ قارب القصب يذكّر بقصّة سرجون الأكدية وسفينته من الأسل وبقصّة موسى. ولا يعود هيروكو في «كوجيكي»، لكنّه عُبد منذ العصور الوسطى باسم إيبيسو، صاحب الصيّادين والرزق.

التوراة: موسى

يأمر فرعون أن يُلقى كلّ مولود ذكر للعبرانيين في النهر، فتخبّئ أمّ موسى ابنها ثلاثة أشهر، ثم تضعه في سفط من البرديّ تطليه بالقار والزفت وتضعه بين الحلفاء، فتنتشله ابنة فرعون وتسمّيه موسى «لأنّي انتشلته من الماء».

القراءة الرمزية

تجمع هذه القصص ثلاثة مواضع: القصر الذي يُخرج منه الطفل، والماء أو الجبل الذي يُلقى فيه، والبيت الفقير أو العشّ أو الكهف الذي يُربّى فيه. وأكثر أصحابها مؤسّسون: سرجون أوّل من جمع سومر وأكد، ورومولوس باني روما، وكورش مؤسّس ملك الفرس. فالقصّة تعطي الرجل الذي لا يرث الملك ولادة ملكية أو إلهية خفيّة، وتربيةً في أسفل الناس تجعله يعرف الأرض التي يملكها: الماء والبستان والقطيع. وقد درس براين لويس نصّ سرجون مع قصّة البطل الذي يُلقى عند ولادته عند الشعوب الأخرى. وفي القصص التي يُخرج فيها الطفل لنبوءة، كقصّة أوديب وباريس، يصير الإخراج نفسه طريق النبوءة، كما يحدث في النبوءات والعرافة. وفي القصص التي تكون فيها المرضعة ذئبة أو دبّة أو كلبة أو طائراً، يربّي الطفل ما هو خارج المدينة، فيعود إليها وفيه شيء منه.

التوازيات عبر الحضارات

يلتقي الطفل المنبوذ بـالتوأمين الإلهيين في رومولوس وريموس، فهما توأمان أُلقيا معاً، ثم قتل أحدهما الآخر عند سور المدينة. ويلتقي بـأبطال الحضارة حين يعود الطفل بما تعلّمه في الخارج، فيبني مدينة أو يؤسّس ملكاً. ويفترق عن قصّة كرونوس في أنّ الأب هناك يبتلع أولاده ولا يلقيهم، وتكون الأمّ هي التي تخبّئ الطفل.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. جوان غودنيك ويستنهولز، أساطير ملوك أكد: النصوص، آيزنبراونز، 1997، ص 38–49؛ براين لويس، أسطورة سرجون: دراسة في النصّ الأكدي وقصّة البطل الذي أُلقي عند ولادته، 1980؛ اللوح K.3401، المكتبة البابلية الإلكترونية.

  2. ثبت الملوك السومري، أسطورة سرجون السومرية، مدوّنة النصوص الأدبية السومرية الإلكترونية، جامعة أكسفورد.

  3. ليفي، تاريخ روما، الكتاب الأوّل؛ هيرودوت، التواريخ، الكتاب الأوّل، ترجمة غودلي؛ سوفوكليس، أوديب ملكاً، ترجمة جِب؛ أبولودوروس، المكتبة، الكتاب الثاني والثالث؛ هسيود، أنساب الآلهة.

  4. وارنر، الشاهنامه، المجلّد الأوّل والثاني؛ بهاغافاتا بورانا 10.1 و10.3 و10.44؛ كوجيكي، الفصل 4، جامعة كوكوغاكوين؛ نيهونغي، ترجمة أستون؛ الخروج 2.

  5. المعجم الأكدي، المكتبة البابلية الإلكترونية: قپّو، قپّتو، شورو، كپرو، دالو، دلو.

  6. معجم لين: نبذ، قف، دلو، وضع؛ لويس وشورت، expono.

  7. هيرودوت 1.122
  8. قاعدة أسماء كوكوغاكوين، هيروكو
  9. الخروج 1: 22