ملخص
راهو وكيتو في الأخبار الهندية رأسٌ وجسدٌ لواحد من الأسورا شرب شراب الخلود، فقُطع رأسه، فبقي الرأس حيّاً في السماء يطارد الشمس والقمر ويبتلعهما، فذلك الكسوف والخسوف، وصار الجسد كيتو. ويعدّهما الفلكيون الهنود من الكواكب التسعة، وهما في الحساب العقدتان اللتان يتقاطع عندهما طريق القمر وطريق الشمس، وعندهما يقع الكسوف. ويقول معجم مونير وليامز إنّ معنى راهو «الآخذ»، وإنّ كيتو في أقدم معانيه الضوء الظاهر والراية والعلامة، ثم المذنّب والشهاب.
وأقدم صورة لهذا الخبر في «الرگ ڤيدا»: يطعن سْڤَرْبْهانو، من نسل الأسورا، الشمسَ بالظلام، فيبدو الناس كمن لا يعرف أين يقف، حتى يجد الحكيم أتري الشمس المخبّأة في الظلام ويعيدها.
ثم تروي «المهابهاراتا» القصّة كاملة في خبر خضّ المحيط. لمّا خرج من المحيط شراب الخلود، الأمريتا، أخذه ڤيشنو في صورة امرأة فاتنة وسقى الآلهة. وجلس بين الآلهة أحد الدانافا، اسمه راهو، في صورة إله، فشرب، فلمّا بلغ الشراب حلقه عرفته الشمس والقمر فأخبرا الآلهة، فقطع نارايانا رأسه بقرصه. فارتفع الرأس العظيم، كأنّه قمّة جبل، إلى السماء يصيح صياحاً مخيفاً، وسقط الجسد على الأرض يتقلّب فاهتزّت الأرض بجبالها وغاباتها وجزرها. ومن ذلك اليوم بين رأس راهو والشمس والقمر عداوة لا تنقطع، فهو يبتلعهما إلى اليوم. ويزيد «البهاگڤتا پورانا» أنّ الرأس صار خالداً لأنّ الشراب مسّه، فجعله براهما واحداً من الكواكب، يهاجم الشمس والقمر في ليالي المحاق والبدر.
ويصف «ڤيشنو پورانا» الكواكب في عرباتها: عربة راهو المظلمة تجرّها ثمانية خيول سود تُربط بها مرّة واحدة إلى الأبد، وفي أيّام العقد، أي الكسوف والخسوف، ينتقل راهو من الشمس إلى القمر ومن القمر إلى الشمس، وعربة كيتو تجرّها ثمانية خيول بلون الصمغ الأحمر أو دخان القشّ المحترق، وعربات الكواكب التسعة كلّها مربوطة بنجم القطب بحبال من الهواء. ويقول ويلسون، مترجمه، إنّ جعل الجسد خالداً باسم كيتو، وجعله سبب الشهب، يبدو زيادة لاحقة على القصّة.
وفي القرن السادس جمع الفلكي ڤَراهَمِهِيرا في كتابه «بْرِهَتْ سَمْهِيتا» ما يقوله الناس في راهو: أنّه أسورا قُطع رأسه فلم يمت لأنّه ذاق شراب الخلود، وأنّ له قرصاً أسود لا يُرى إلّا عند الكسوف بإذن من براهما، وأنّه في صورة حيّة انقطع رأسها عن ذنبها، وأنّه بلا جسد، ظلام فقط، وابن سِمْهيكا. ثم سأل: إن كان له جسد يسير في طريق ثابت، فكيف يكسف الشمس والقمر وهما على بعد نصف السماء منه؟ وقال: الحقّ أنّ القمر في خسوفه يدخل ظلّ الأرض، وأنّ الشمس في كسوفها يحجبها القمر من تحتها كما تحجبها السحابة. ونقل البيروني هذا الكلام إلى العربية في كتابه عن الهند نحو سنة 1030، وسمّى راهو «الرأس»، كما كان الفلكيون العرب يسمّون العقدتين «الرأس والذنب».
وانتقل الكوكبان مع الفلك الهندي إلى الصين واليابان. فالكواكب التسعة في اليابان، «كُويو»، هي الشمس والقمر والكواكب الخمسة، ومعها 羅睺 «راغو» و計都 «كيتو». وتقول موسوعة هيبونشا إنّ كتاباً صينياً من أوائل القرن التاسع يسمّي الأوّل «معبود رأس الكسوف» والثاني «معبود ذنب الكسوف»، وإنّ فلكياً هندياً في الصين اسمه غوتاما سيدّها ترجم سنة 718 كتاباً في الفلك الهندي سمّاه «حساب الآخذين التسعة»، ترجمةً لكلمة نَڤَغْرَها، أي الكواكب التسعة، والكلمة الصينية تترجم معنى «الآخذ» في غْرَهَ، وإنّ صورة الكواكب التسعة، دائرة كبيرة تحيط بها ثماني دوائر صغيرة، صارت شعاراً لبيوت يابانية.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الذي سرق الخلود قُسم اثنين: رأس حيّ بلا جسد، وجسد بلا رأس، والرأس يطارد الشمس والقمر اللذين فضحاه، فيبتلعهما مرّة بعد مرّة. والقصّة نفسها خدمت الحساب: النقطتان اللتان يقع عندهما الكسوف صارتا الرأس والجسد، وحين فسّر الفلكيون الكسوف بالظلّ بقي الاسمان، فهما «الرأس والذنب» عند العرب، و«رأس الكسوف وذنبه» في الصين.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرؤهما. Rāhu «راهو» فيه حرفان، الراء والهاء، والواو حركة في بناء الاسم. ونقرؤه من النواة «ره» في «رَهِقَ»: في معجم لين رهقه الشيء غشيه كما يغشى الغطاءُ ما تحته، ولحقه وأدركه، وتبعه حتى كاد يدركه، وفي القرآن: «ولا يرهق وجوههم قتر ولا ذلّة»، أي لا يغشاها سواد. وهذا ما يفعله راهو: يتبع الشمس والقمر ويدركهما ويغشى وجهيهما بالظلام، وهو ما يقوله المعجم السنسكريتي في اسمه، «الآخذ». ويسمّيه الفلكيون العرب «الرأس»، وهو في القصّة رأس فقط. وKetu «كيتو» نقرؤه «قَطّ»: في معجم لين قطّ الشيءَ قطعه عرضاً، و«قطّ القلم» قطع رأسه عرضاً، والقاف تصير كافاً والطاء تاء. فكيتو على هذه القراءة الجسد الذي قُطع عنه رأسه، ويسمّيه العرب «الذنب».
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | المعنى | الشاهد |
|---|---|---|---|
| rāhu | راهو | الآخذ؛ اسم الأسورا والكوكب | مونير وليامز |
| ketu | كيتو | الضوء الظاهر؛ الراية؛ المذنّب؛ العقدة الهابطة | مونير وليامز |
| graha | غْرَهَ | الآخذ الكاسف؛ الكوكب | مونير وليامز |
| svarbhānu | سْڤَرْبْهانو | الأسورا الذي يطعن الشمس بالظلام | «الرگ ڤيدا» 5.40 |
| 羅睺، 計都 | راغو، كيتو | راهو وكيتو في اليابان | كوتوبانك |
| الرأس والذنب | عقدتا الكوكب | معجم لين | |
| رَهِقَ | غشي وغطّى؛ لحق وأدرك | معجم لين | |
| قَطَّ | قطع عرضاً | معجم لين |
راهو بين «رهق» و«الرأس»
يقول مونير وليامز إنّ راهو من الفعل rabh «رَبْه»، أي أخذ وأمسك، ويذكر في طبعة أقدم أنّه يُقال من rah «رَهْ»، وإنّ معناه «الآخذ». ويقول إنّ كلمة graha «غْرَهَ» نفسها، أي الكوكب، معناها «الآخذ الكاسف»، ويُسمّى بها راهو أو رأس التنّين، ثم كلّ كوكب، ويعدّ منها تسعة: الشمس والقمر والخمسة وراهو وكيتو.
وفي اسم راهو حرفان فقط، الراء والهاء. ومنهج مشروع جذور أن يُنظر في النواة كما يُنظر في الجذر الكامل، فالحرفان في العربية نواة «رهق»، وفيها الغشيان واللحاق: رهقه الشيء غشيه، ولحقه، وتبعه حتى كاد يدركه، و«طلبتُ فلاناً حتى رهقته» أي دنوت منه وربّما أخذته. والقاف حرف ثالث لا يقابله شيء في الاسم السنسكريتي. والقراءة الثانية من المعنى لا من الحروف: يسمّي الفلكيون العرب العقدتين «الرأس والذنب»، كما يقول لين، وينقل البيروني كلام ڤراهمهيرا فيسمّي راهو «الرأس». والهمزة في «رأس» قد تقابل الهاء، فهما حرفا حلق، لكنّ السين لا يقابلها شيء.
كيتو و«قطّ»
يقول مونير وليامز إنّ كيتو من الفعل cit «تشِت»، أي ظهر وأضاء، وإنّ معناه في «الرگ ڤيدا» الضوء الظاهر والأشعّة، ثم الراية والعلامة، ثم كلّ ظاهرة غريبة في السماء، المذنّب والشهاب، ثم العقدة الهابطة وجسد الأسورا المقطوع. ويقول ڤراهمهيرا إنّ الكيتو أضواء كالنار لا تحرق، منها ما في السماء ومنها ما في الهواء ومنها ما في الأرض، وإنّ بعضهم يعدّها مئة وواحداً، وبعضهم ألفاً، وإنّ نارادا يقول إنّها كيتو واحد يظهر في صور كثيرة. فالمعنى الأقدم الظهور والضوء، و«قطّ» تقرأ الاسم بما صار إليه في القصّة: الجسد الذي قُطع رأسه عرضاً كما يُقطّ رأس القلم.
والتحوّلات: القاف تصير كافاً، كما تصير في اليونانية واللاتينية في جدول قوانين مشروع جذور، والطاء تاء لأنّ السنسكريتية لا تعرف الأصوات المفخّمة.
السرديات الأسطورية الرئيسة
سفربهانو وأتري
في النشيد 5.40 من «الرگ ڤيدا» يقول المنشد للشمس: حين طعنك سفربهانو بالظلام بدت المخلوقات كمن لا يعرف موضعه، ثم يذكر إندرا الذي أسقط سحر سفربهانو الممتدّ تحت السماء، وأتري الذي وجد الشمس المخبّأة بدعائه الرابع، ثم تتكلّم الشمس فتطلب ألّا يبتلعها الظلام. فالكسوف في أقدم نصّ عمل أسورا، والشفاء منه عمل حكيم يعرف الدعاء.
الأمّ سمهيكا
تقول حاشية ويلسون على «ڤيشنو پورانا» إنّ أشهر أبناء سِمْهيكا، الذين يُسمّون «أبناء سمهيكا»، راهو وكيتو، وإنّ «البهاگڤتا» و«ڤايو پورانا» يذكرانهما وراهو أكبرهما.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الهندية خضّ المحيط عملية استخلاص كيميائية: الخضّ تحريك وتقطير، والأمريتا المادّة النافعة التي تخرج في آخرها، وتقرأ العدد 108 حساباً فلكياً لأبعاد الشمس والقمر. وهذه قراءتها للقصّة الكبرى التي يخرج منها راهو.
وتقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير اليابانية اختباء أماتيراسو في الكهف كسوفاً للشمس أو الانقلاب الشتوي.
وفي النصوص الهندية نفسها انتقل راهو من القصّة إلى الحساب: هو في «المهابهاراتا» رأس يصيح، وفي «ڤيشنو پورانا» عربة لها خيول، وعند ڤراهمهيرا اسم لنقطة يُحسب فيها الكسوف، ويقول إنّ حساب الفلكي العالم لا يخطئ.
التوازيات عبر الحضارات
في مصر يعترض أبوفيس، الثعبان العظيم، مركب رع في كلّ ليلة يريد أن يبتلعه أو يبتلع ماء النهر حتى يجنح المركب، وتجعله المقالة المصرية الظلام الذي يحاول أن يبتلع الشمس كلّ ليلة. وراهو يبتلع الشمس والقمر في العقد. والفرق أنّ أبوفيس يُهزم كلّ ليلة قبل الفجر، وراهو لا يموت، وإنّما يرجع في كلّ عقدة.
وفي الشمال يطارد الذئب سكول الشمس، ويطارد الذئب هاتي القمر، وأقوى نسل العملاقة في غابة الحديد مانا غارم، «كلب القمر»، يبتلع القمر ويرشّ السماء بالدم، كما يُروى في صفحة سول وماني. فالكسوف في الحضارتين مطاردة، والمطارِد في الهند رأس، وفي الشمال ذئب.
وفي الصين يقول «هواينان تسي»: «القمر يضيء ما تحت السماء، ويأكله الضفدع»، والضفدع في القمر هو الذي صارت إليه تشانغ إي حين سرقت دواء الخلود. ويقول «السجلّات التاريخية» إنّ «الكلب السماوي» يبدو كنجم ساقط كبير له صوت، فإذا بلغ الأرض كان كالكلب، وإنّه مرّ فوق أرض ليانغ حين ثارت الممالك السبع. فالضفدع يأكل القمر كما يأكله راهو، والكلب السماوي شهاب كما أنّ كيتو الشهاب والمذنّب.
وراهو الذي يشرب الأمريتا متنكّراً فيُقطع رأسه من قصص طعام الخلود، وتنكّره بين الآلهة من صور المحتال، والعدوّ الذي يعترض الشمس من صور رحلة الشمس.