ملخص
بتاح «پْتَاح» معبود مدينة مَنْف في مصر، وسيّد الصنّاع والبنّائين، يُرسم رجلاً ملفوف الجسد في رداء ضيّق، على رأسه قلنسوة محكمة، وفي يده صولجان. وكانت تعبده منف مع زوجته سِخْمِت وابنهما نِفِرْتُم.
وقصّته قصّة خلق بالفكر والكلام. يرويها نقش يُعرف بحجر شَبَكَا، نقشه الملك شبكا في منف نحو 710 ق.م.، ويقول إنّه نسخه عن بردية قديمة أكلها الدود. يقول النصّ إنّ العين والأذن والأنف ترفع ما تدركه إلى القلب، فيدبّر القلب الأمر، ثم ينطق به اللسان، فيكون. وبهذا الطريق وُجدت الآلهة وصورها، وأعمال الأعضاء، والحِرَف، والقرابين. فبتاح لم يُخرج العالم من جسده، ولم يصارع وحشاً حتى يبنيه، وإنّما فكّر فيه ثم أمر به.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الخلق يشبه عمل الصانع. فالصانع يرى الشيء في قلبه أوّلاً، ثم يأمر به بلسانه، ثم تعمله اليد. ولذلك كان ربّ الخلق في منف هو نفسه ربّ الصنّاع: النجّار والنحّات والصائغ يكرّرون في عملهم ما فعله بتاح أوّل مرّة. وتختلف هذه الرواية عن رواية إِيُونُو، حيث يقف أتوم على التلّ الأوّل الخارج من ماء نون ويُخرج الجيل الأوّل من جسده؛ فهما طريقتان مصريتان في وصف البداية، لا فصلان من حكاية واحدة.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية ptḥ «پْتَح»، بپاء ثم تاء ثم حاء، ولا تكتب الحركات. والپاء المصرية تقابلها في العربية الفاء، فيصير الاسم «فتح» بحروفه الثلاثة، والتاء والحاء باقيتان كما هما. والفتح في العربية نقيض الإغلاق، وهو كذلك البدء بالشيء، ومنه فاتحة الكتاب، أي أوّل ما يُقرأ منه. فبتاح على هذه القراءة هو الفاتح: يفتح الوجود بكلمة ينطقها بعد أن يدبّرها في قلبه، وهو بالضبط ما يجعله حجر شبكا.
الجذر اللغوي
الاسم المصري وقراءة «فتح»
| الصيغة | النطق | ما تثبته |
|---|---|---|
| 𓊪𓏏𓎛، Ptḥ (پ-ت-ح في النقل العلمي) | «پِتَاح» اصطلاحاً | الرسم المصري بلا حركات. مدخل الاسم |
| Ptah «پْتَاح» | الصيغة الأوروبية الشائعة. | |
| بتاح | «بَتَاح» | الرسم العربي المألوف، والباء فيه مكان الپاء. |
يجمع مدخل الجذر المصري شواهد بتاح من نحو 2800 ق.م. إلى سنة 324م، وهذه تواريخ الشواهد المفهرسة لا تاريخ نشأة الاسم.
وفي المعاجم العربية: «الفَتْحُ: نقيض الإغلاق»، والفتّاح من أسماء الله، والفاتحة أوّل الكتاب. وفي العبرية פתח «پَاتَح» بمعنى فتح، وفي الأكدية patû «پَتُو» بالمعنى نفسه، فالمادّة واحدة في اللغات الأخوات. والمقابلة تحفظ التاء والحاء، وتضع الفاء العربية مقابل الپاء المصرية. وفي المصرية نفسها فعلان متأخّران بالحروف نفسها: ptḥ «پْتَح» بمعنى شكّل وصنع، في شاهد بين 664 و526 ق.م.، وptḥ «پْتَح» بمعنى فتح، في سبعة شواهد بين 350 ق.م. و14م، يضعه المعجم تحت جذر آخر. فالمعنيان اللذان تجمعهما القصّة، الصنع والفتح، موجودان بالصوامت نفسها في المصرية، وإن كانت شواهدهما متأخّرة عن الاسم.
ويسمّي المقال هذه المقابلة أقوى ما في أسماء الآلهة المصرية، ويجعل الپاء والفاء والباء إبدالاً منتظماً بين المصرية والسامية. وما يحتاج إليه هذا الإبدال لكي يصير تاريخاً صوتياً مثبتاً هو مقابلات متكرّرة في ألفاظ أخرى مؤرّخة.
السياق التاريخي
استُعمل حجر شبكا بعد ذلك رحىً فضاع بعض نقشه. ويسجّل المتحف عبارة النسخ عن بردية قديمة بوصفها دعوى النقش، فيبقى زمن تأليف الكلام المنسوخ غير محسوم.
وفي بردية هاريس الكبرى، نحو 1150 ق.م.، يقف رمسيس الثالث «رَمْسِيس» أمام بتاح وسخمت ونفرتُم، بينما تسجّل البردية عطايا الملك للمعابد. هكذا قامت العبادة على مدينة وأسرة وطقس ومال، لا على فكرة الخلق المجرّدة وحدها. وتصف بطاقة تمثال متأخّر في المتروبوليتان منزلته بين الصنّاع.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة المصرية الخلق بالكلمة اكتشافاً لقوّة التسمية: من سمّى الشيء عرفه وميّزه من غيره. وهذا يلتقي بترتيب حجر شبكا، حيث يسبق الإدراكُ والتدبيرُ النطقَ، ويسبق النطقُ العملَ. وتوثّق آثار منف أنّ هذه العقيدة عاشت بين الصنّاع وفي المعابد، لا في النصّ وحده.
التوازيات عبر الحضارات
يختلف أمر بتاح عن أمر مردوخ في «إينوما إيليش». يختبر المجلس كلمة مردوخ قبل القتال: يأمر كوكبة أن تختفي ثم تعود، فيثبت أن أمره نافذ ويستحق السلطان الذي طلبه. عند مردوخ تبرهن الكلمة أهلية المتكلم للملك، أما عند بتاح فتخرج بالكائنات والمهن والقرابين إلى نظام العالم.