ملخص
سُوبْدِت هي نجم الشِّعرى في السماء المصرية، والمعبودة التي هي هذا النجم، ويسمّيها الإغريق «سوثيس». يقول المتحف المصري العالمي إنّ الشعرى كان يغيب عن السماء زمناً طويلاً، ثم يعود فيظهر في الفجر قبل الشمس، وكان ظهوره هذا يقع حين يوشك فيضان النيل أن يبدأ. فجُعل «خروج سوبدت» أوّل السنة، وسُمّيت المعبودة «سيّدة السنة الجديدة». وصورتها امرأة على رأسها نجمة، وتلبس أحياناً قرني البقرة كما تلبسهما إيزيس. المتحف المصري العالمي، سوثيس.
وأقدم كلامها في «نصوص الأهرام». فيها يقول الملك الميّت إنّ «أخت بيبي هي سوبدت، ونسل بيبي هو المعبود الصباحي»، أي نجم الصباح، ويتكرّر هذا في التعويذات 265 و266 و473. ويقول المتحف المصري العالمي إنّ نصوص الأهرام تجعل سوبدت تتّحد بأوزيريس ثم تلد نجم الصباح. فالملك الصاعد إلى السماء يجد هناك أخته النجمة، ويخرج منه ومنها نجم يطلع قبل الشمس.
ثم صارت سوبدت في أسرة من ثلاثة: زوجها ساح، وهو الجبّار أوريون في السماء، وابنهما سوبدو، ويقول المتحف إنّهم يقابلون أوزيريس وإيزيس وحورس. وفي «مراثي إيزيس ونفتيس»، من العصر المتأخّر، تقول إيزيس لأوزيريس: «صورتك المقدّسة، أوريون في السماء، تطلع وتغيب كلّ يوم، وأنا سوبدت التي تتبعه، لا أفارقه». فالجبّار يطلع في الشرق، والشعرى تطلع بعده، كما تمشي الأرملة وراء زوجها. ويُسمّى في كتاب للتحنيط «إيزيس معك بصفتها سوبدت في السماء».
وبطلوعها حُسب الزمن. ففي رسالة من اللاهون، بردية برلين 10012، يكتب رئيس المعبد إلى كبير الكهنة القرّاء: «اعلم أنّ طلوع سوبدت سيقع في الشهر الرابع من فصل الخروج، اليوم السادس عشر». وعلى ظهر بردية إيبرس جدول يجعل «فاتح السنة» في «الشهر الثالث من فصل الحصاد، اليوم التاسع: خروج سوبدت». ويقول المتحف المصري العالمي إنّ عندنا أخباراً عن طلوعها من عهد سنوسرت الثالث ومن عهد أمنحتب الأوّل أو تحوتمس الثالث، وبها يُضبط تاريخ مصر، لأنّ طلوع الشعرى لا يوافق أوّل السنة الشمسية المصرية إلا مرّة في كلّ 1460 سنة. وكان طلوعها عيداً: يعدّ پاحِري، عمدة نِخِب، وهي الكاب، في الأسرة الثامنة عشرة، في قبره أعياد السنة: «طلوع سوبدت، وعيد الواج، وعيد تحوت».
والفكرة التي تدور عليها سوبدت أنّ نجماً يعلن الماء. فالنجم يختفي، ثم يرجع في الفجر في الأيّام نفسها التي يبدأ فيها النيل بالارتفاع، فيُقرأ رجوعه رسالةً بأنّ الحياة ستعود إلى الأرض. ولهذا صارت النجمة إيزيس، التي تبحث عن أوزيريس وتعيده، وصار طلوعها رأس السنة.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ المقالتين المصريتين في هذا المشروع لا تقرآن الاسم، وإنّما تجعل مقالة إعادة القراءة سوبدت هي «الشعرى اليمانية» وإيزيس. تكتب المصرية الاسم Spd.t «سُپْدِت»، من الجذر spd «سِپِد»، ومعناه في المعجم المصري الحادّ المدبّب، والماهر، والنافذ الأثر، فسوبدت «المدبّبة» أو «الحادّة»، وهي نجمة تلمع كرأس مدبّب. وهي في العربية «سَفَد»: والسَّفُّود في معجم لين أداة من حديد لها شُعَب يُشوى بها اللحم، وهي حادّة مدبّبة. والسين سين، والپاء المصرية فاء كما في قراءة المقالة لـبتاح من «فتح»، والدال دال. وفي الجذر نفسه «سَفَدَ» الذكر الأنثى إذا علاها، ويستعمله أميّة بن أبي الصلت في الأرض والماء: «والأرضُ صيّرها الإلهُ طَروقةً للماء». فالنجمة المدبّبة التي تتّحد بأوزيريس في نصوص الأهرام هي التي تطلع حين يعلو الماء الأرض.
الجذر اللغوي
المدبّبة
| الصيغة | معناها | الشاهد |
|---|---|---|
| Spd.t «سُپْدِت» | الشعرى، النجم | معجم المصرية |
| Spd.t «سُپْدِت» | سوثيس، الشعرى معبودةً | معجم المصرية |
| pr.t-Spd.t «پِرِت سُپْدِت» | خروج سوبدت، طلوع الشعرى الفجري | معجم المصرية |
| spd «سِپِد» | حادّ، مدبّب | معجم المصرية |
| spd «سِپِد» | ماهر، نافذ | معجم المصرية |
| Spd.w «سُپْدُو» | سوبدو، ابنها | معجم المصرية |
| سَفُّود؛ سَفَدَ | حديدة ذات شعب يُشوى بها؛ علا الذكر الأنثى | معجم لين |
| الشِّعرى | النجم المضيء الذي يطلع بعد الجوزاء في شدّة الحرّ | معجم لين |
يضع المعجم المصري سوبدت مع كلمات spd «سِپِد» في جذر واحد: الحادّ المدبّب، والماهر، والنافذ الأثر، والمثلّث spd.t «سِپْدِت»، وسوبدو المعبود. فالاسم وصف بالحدّة، تاء التأنيث في آخره.
والقراءة تقابل كلّ حرف: السين سين، والپاء المصرية فاء، كما تقرأ المقالة المصرية بتاح من «فتح»، وكما يقابل المصري p الفاء العربية في كلمات كثيرة، والدال دال، والتاء تاء التأنيث. والسَّفُّود في معجم لين حديدة ذات شعب معقوفة يُشوى عليها اللحم، وجمعه سفافيد. ويذكر لين عن الزمخشري أنّ التسمية مجاز، من لصوق السفّود بما يُشوى عليه. وفي الجذر نفسه «سَفَدَ» الذكر الأنثى، ويستعمله أميّة بن أبي الصلت في الأرض: «والأرضُ صيّرها الإلهُ طَروقةً للماء، حتى كلّ زَنْدٍ مُسْفَدُ».
فالجذر في العربية يجمع المعنيين اللذين تجمعهما سوبدت: الحدّة في السفّود، كما في المصري spd «سِپِد»، واجتماع الذكر والأنثى في السِّفاد، كما تجتمع سوبدت بأوزيريس فتلد نجم الصباح، وكما يعلو ماء النيل الأرض في الأيّام التي تطلع فيها.
أمّا «الشِّعرى» فاسم النجم نفسه في العربية، وليس قراءة لاسم سوبدت، وحروفه غير حروفه. يقول لين إنّ الشعرى نجم مضيء يطلع بعد الجوزاء في شدّة الحرّ، وإنّ العرب تقول: «إذا طلعت الشعرى جعل صاحب النخل يرى»، أي يرى ما سيكون من ثمره، فهي عند العرب أيضاً نجم يعلن ما سيأتي به العام. ويذكر أنّ بعض العرب عبدها، ولهذا قيل في القرآن: ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾ (النجم: 49).
وحدّ القراءة أنّ العربية لا تعطي معنى الحدّة إلا في اسم الأداة «السفّود»، ويجعله الزمخشري مجازاً، فلا نعرف بعدُ أهو والمصري spd «سِپِد» جذر واحد في الأصل.
القراءة الرمزية
تقول مقالة إعادة القراءة المصرية إنّ المصريين رصدوا السماء بدقّة: «سوبدت، الشعرى اليمانية، هي إيزيس: ظهور الشعرى في الفجر بداية فيضان النيل، فإيزيس تعيد الحياة»، وتسمّي ذلك تقويماً فلكياً دقيقاً. وتجعله إلى جانب «ساح، أوريون، هو أوزيريس»، لأنّ أوريون يغيب سبعين يوماً ثم يعود، كما تدوم أيّام التحنيط سبعين يوماً.
ويحتاج هذا الربط مكان رصد وتاريخاً وتقويماً محدّداً، والشواهد هنا تعطيه: رسالة اللاهون تحدّد يوم الطلوع في عهد بعينه، وتقويم بردية إيبرس يجعله «فاتح السنة»، ونصوص الأهرام ومراثي إيزيس ونفتيس تجعل النجمة إيزيس وأوريون أوزيريس. فقراءة المقالة لها شواهدها في النصوص المصرية نفسها.
التوازيات عبر الحضارات
في إيران الشعرى نجم المطر: تشتريا، الذي يقول نشيده إنّ الناس والقطعان كانوا ينتظرون طلوعه ويسألون متى تجري العيون، ثم يطير إلى البحر فوروكاشا ويصارع شيطان الجفاف أپوشا. فالنجم الواحد يأتي بالماء في البلدين: بالفيضان في مصر، وبالمطر في إيران.
وعند الإغريق الشعرى نجم الحرّ لا نجم الماء. يقول هسيود في «الأعمال والأيّام» إنّ الشعرى «يجفّف الرأس والركبتين» في أيّام الحرّ حين يغنّي الجُدجد، وإنّ الحطب يُقطع حين يقصر مرور الشعرى فوق رؤوس الناس نهاراً، وإنّ العنب يُقطف حين يتوسّط الجبّار والشعرى السماء. فطلوع النجم نفسه في الصيف يعلن عند المصريين الفيضان، وعند الإغريق الجفاف.
وعند العرب «إذا طلعت الشعرى جعل صاحب النخل يرى»، فهي نجم الثمر، وقد عبدها بعضهم، وفي القرآن ﴿وَأَنَّهُ هُوَ رَبُّ الشِّعْرَى﴾.
وفي مصر نفسها ترتبط بـحابي، الفيضان الذي تعلن قدومه، وبـإيزيس التي صارت هي.