أبيس

ملخص

أَبِيس ثور حيّ كان المصريون في مَنْف يعبدونه في معبد بجانب معبد پتاح، ويرونه صورة أوزيريس الحيّة. وهو عجل حيّ يولد بعلامات معيّنة، فإذا وُجد عاش في المعبد حتى يموت، ثم يُدفن دفن الملوك ويُبحث عن خلفه.

يصف هيرودوت علاماته: يولد من بقرة لا تحمل بعده أبداً، ويقول المصريون إنّ نوراً من السماء ينزل عليها فتحمل به. وهو أسود، على جبهته بقعة بيضاء مثلّثة، وعلى ظهره صورة نسر، وشعر ذيله مثنى، وتحت لسانه عقدة. وكان كاهن يفحص الثيران التي تُذبح، فيقيمها ويقعدها ويخرج لسانها وينظر في شعر ذيلها، فإن وجد فيها شعرة سوداء واحدة كانت غير طاهرة، فلا يُذبح ثور إلّا بخاتمه، لأنّ الثيران عندهم لأبيس. ويقول إنّ الملك پسماتيك بنى لأبيس فناءً أمام معبد پتاح، تحيط به أعمدة، وتحمل سقفه تماثيل عظيمة علوّها عشرون قدماً، يُحفظ فيه ويُطعم متى ظهر. ويروي سترابون أنّ أمّه كان لها معبد في الفناء نفسه، وأنّ الثور يُطلق في الفناء أحياناً ليراه الغرباء، فيمرح قليلاً ثم يُردّ إلى حظيرته.

ويروي ديودور كيف تنتهي حياته وتبدأ من جديد. إذا مات أبيس ناح عليه المصريون كما ينوح من فقد ولده، ودفنوه دفناً يفوق ما يملكون: يقول إنّ أبيس مات من الشيخوخة بعد موت الإسكندر، فأنفق حارسه في دفنه كلّ ما رُصد لطعامه، واقترض فوق ذلك خمسين وزنة من الفضّة من بطليموس بن لاغوس. ثم يبحث الكهنة عن عجل صغير على جسده علامات كعلامات سلفه، فإذا وجدوه انتهى الحداد، وأخذوه إلى مدينة النيل فبقي فيها أربعين يوماً لا تراه فيها إلّا النساء، ثم حملوه في سفينة عليها قمرة مذهّبة إلى معبد پتاح في منف. ويقول بعضهم إنّ روح أوزيريس حين مات دخلت في هذا الحيوان، ولا تزال تنتقل إلى خلفائه.

والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ المعبود يسكن جسداً يشيخ ويموت، ولا يموت هو. فالثور يُعرف بعلامات، ويُخدم ويُطعم، ثم يموت فيُبكى عليه كما بكت إيزيس أوزيريس، ثم يُبحث عن الجسد الجديد الذي انتقلت إليه الروح، فيعود المعبود إلى معبده. ولذلك يقول پلوتارخ إنّ أبيس «الصورة الحيّة لروح أوزيريس»، وإنّ أكثر الكهنة يقولون إنّ أوزيريس وأبيس صارا واحداً، ومن هذا الاجتماع خرج اسم سيرابيس. والقصّة من الثور المقدّس عند الشعوب، ومن المعبود الذي يموت ويعود. پلوتارخ، «إيزيس وأوزيريس» 20 و29.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: يكتبه المصريون Ḥp «حَپ»، حاءً ثم پاءً، ويكتبه اليونان Ἆπις / Apis «أَپِيس» بعد أن تسقط الحاء وتلحق اللاحقة -is «ـِيس». والمقالة المصرية في هذا المشروع تقرأ پاء پتاح فاءً، فپتاح عندها «فتح»، وعلى هذا يكون Ḥp «حَفّ». وفي معجم لين: حفّ القوم بالبيت طافوا حوله، وحفّوه أحاطوا به، ومنه المثل: من حفّنا أو رفّنا فليقتصد، أي من طاف حولنا وقام بأمرنا وخدمنا وحرسنا، وحفّه أعطاه وجاءه بالطعام، والحفيف صوت قوائم الفرس إذا جرى. فأبيس على هذه القراءة المحفوف: ثور يحيط به فناء ذو أعمدة، ويقوم عليه رجال ذوو مكانة يقدّمون له أطيب الطعام، كما يقول ديودور. وهي قراءة مقترحة على المنهج، وحدودها في الجذر اللغوي.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق اللسان المعنى
Ḥp حَپ المصرية أبيس
Ḥp-Wsjr حَپ وَسِير المصرية أبيس أوزيريس
Mr-wr مِر وِر المصرية منيڤيس، ثور هليوپوليس
Ἆπις أَپِيس اليونانية أبيس
Ἔπαφος إِپافُوس اليونانية الاسم الذي يسمّيه به هيرودوت
Σάραπις سارَپِيس اليونانية سيرابيس
حَفّ، حَفِيف العربية أحاط وطاف وخدم؛ صوت قوائم الفرس في الجري

الحاء والپاء

يذكر معجم المصرية القديمة الاسم Ḥp «حَپ»، ويحيل إلى معجم برلين الكبير، الجزء الثالث، الصفحة 70، ومن شواهده: «بنيتُ لأبيس قصراً في الغرب الجميل». والحاء المصرية حاء في العربية، وهي تسقط في اليونانية كما يقول جدول قوانين مشروع جذور، فتبقى Ἆπις «أَپِيس». والپاء المصرية فاء في العربية على ما تقرأ به المقالة المصرية اسم پتاح، وهي تقابل الفاء في اسم فرعون أيضاً. فالحرفان «ح ف»، والمادّة في معجم لين «حفّ». ومعانيها الثلاثة تلتقي في أبيس: الإحاطة به في فنائه، والقيام بأمره وإطعامه، وصوت جريه حين يُطلق في الفناء ليراه الناس. وحدّ القراءة أنّ المصرية لا تُعرف فيها كلمة ḥp «حَپ» بمعنى الإحاطة أو الخدمة أو الجري، فالقراءة تقرأ ما يصنعه الناس حوله، لا معنى مصرياً مشهوداً للاسم.

سيرابيس

يذكر پلوتارخ في اسم سيرابيس أقوالاً: منهم من يجعله من فعل يوناني بمعنى «كنس» و«رتّب»، ومنهم من يقول إنّه اسم تابوت أبيس، ثم يقول إنّ أكثر الكهنة يرون أنّ أوزيريس وأبيس صارا واحداً، فأبيس الصورة الجسدية لروح أوزيريس. ويذكر معجم المصرية القديمة الاسم المركّب Ḥp-Wsjr «حَپ وَسِير»، «أبيس أوزيريس»، وفي الترتيب المقلوب «وَسِير حَپ» يخرج «أوسيراپيس» ثم «سيراپيس».

السرديات الأسطورية الرئيسة

قمبيز يطعن أبيس

حين رجع الملك الفارسي قمبيز إلى منف بعد أن هلك كثير من جيشه، ظهر أبيس، فلبس المصريون أحسن ثيابهم وأقاموا عيداً. فظنّ قمبيز أنّهم يفرحون بمصيبته، فقتل حكّام منف الذين قالوا له إنّ معبوداً قد ظهر، ثم أمر الكهنة أن يأتوه به، فاستلّ خنجره يريد بطنه فأصاب فخذه، وضحك وقال: أهذه آلهتكم، من لحم ودم يحسّ الحديد؟ وأمر بجلد الكهنة وقتل من يُرى محتفلاً. فمات أبيس في المعبد من جرح فخذه، ودفنه الكهنة سرّاً. ويزيد پلوتارخ أنّ قمبيز لمّا قتل أبيس ورمى جثّته لم يقترب منها ولم يأكل منها إلّا الكلب، ولذلك فقد الكلب مكانته الأولى عند المصريين.

مولده من نور القمر

يقول هيرودوت إنّ نوراً من السماء يحمل البقرة بأبيس، ويقول پلوتارخ إنّه يولد حين يخرج من القمر نور مُخصِب فيقع على بقرة في وقت حملها، ولذلك في أبيس أشياء تشبه وجوه القمر، فيه البياض يظلّله السواد. ويقيم المصريون في هلال شهر فامِنوت عيداً يسمّونه «دخول أوزيريس في القمر»، وهو أوّل الربيع.

السيرابيوم

يقول سترابون إنّ في منف معبداً لسيرابيس في موضع كثير الرمل، تكوّم الريح عليه الرمل، رأى فيه تماثيل أبي الهول مدفونة إلى رؤوسها وأخرى ظاهر نصفها. وبعد ثمانية عشر قرناً كان الفرنسي أوغست مارييت يمسح جبّانة سقّارة فرأى تمثالاً من هذه التماثيل ثلاثة أرباعه في الرمل، فتذكّر قول سترابون، وحفر على طريق التماثيل حتى بلغ السيرابيوم، حيث كانت أجساد أبيس تُدفن في سراديب تحت الأرض.

القراءة الرمزية

يقول ديودور إنّ المصريين يقدّسون الثورين أبيس ومنيڤيس ويجعلونهما لأوزيريس لأنّهما، أكثر من كلّ حيوان، أعانا الذين اكتشفوا الحبّ على البذر وعلى كلّ عمل في الزرع ينتفع به الناس. فالثور المعبود في هذا التفسير القديم هو الثور الذي يحرث، وموته وعودته موت الزرع وعودته مع أوزيريس. وتضع المقالة الهندية في هذا المشروع أبيس بجانب ناندي، ثور شيفا، وتقول إنّها «الفكرة نفسها»: ثور مقدّس يقوم عند معبد معبوده.

التوازيات عبر الحضارات

وفي هليوپوليس ثور آخر، منيڤيس، يقول سترابون إنّه يُحفظ في معبد الشمس ويُعبد كما يُعبد أبيس في منف، وفي «كتاب الموتى» تُصنع أجزاء سفينة العبور في العالم الآخر من جلد منيڤيس، كما في نهر الموتى. سترابون 17.1.27، معجم المصرية القديمة، Mr-wr «مِر وِر».

وفي القرآن يُؤمر بنو إسرائيل بذبح بقرة «لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث، مسلّمة لا شية فيها»، أي لا لون فيها يخالف سائر لونها، وفحص الكاهن المصري الثور الذي يُذبح شعرة شعرة، فإن وجد فيه شعرة سوداء واحدة ردّه. ففي الموضعين تُعرف البقرة المقصودة بلونها وبخلوّها من العلامة أو بالعلامة.

ويقول المصريون إنّ أبيس يولد من نور القمر، ويروي الإغريق أنّ إپافوس، الذي يسمّي به هيرودوت أبيس، ابن زيوس من إيو، وقد جعلها زيوس بقرة بيضاء، فطاردتها ذبابة هيرا من بلد إلى بلد حتى بلغت مصر فعادت امرأة وولدته عند النيل، وأنّ إپافوس ملك مصر وبنى مدينة منف وسمّاها باسم زوجته، وأنّ المصريين يسمّون إيو إيزيس. «المكتبة» 2.1.3–4. وفي كريت يخرج ثور من البحر لملك فيحبسه ويغضب المعبود، كما في صفحة ثيسيوس، وفي بلاد الرافدين يرسل آنو ثور السماء، وتُجمع هذه كلّها في الثور المقدّس.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. هيرودوت 2.38، و2.153، و3.27–29

  2. سترابون 17.1.27، و17.1.31، و17.1.32

  3. ديودور 1.21، و1.84–85

  4. پلوتارخ، «إيزيس وأوزيريس» 20 و29، و43–44

  5. مارييت، «سيرابيوم منف»، 1882

  6. «المكتبة» المنسوبة إلى أپولودوروس 2.1.3–4

  7. معجم المصرية القديمة: Ḥp «حَپ»، Ḥp-Wsjr «حَپ وَسِير»، Mr-wr «مِر وِر»

  8. البقرة 71

  9. معجم لين، حفّ

  10. هيرودوت 3.28