ملخص
«فتح الفم» شعيرة مصرية تُقام على جسد الميت المحنّط أو على تمثاله، ليفتح فمه فيأكل ويتكلّم ويتنفّس، وتنفتح عيناه فيرى، فيصير روحاً تامّة القوى في العالم الآخر. وتُقام أيضاً على تماثيل المعبودات في معابدها. وأقدم ما يُعرف من اسمها في مقبرة الموظّف متجن من أواخر الأسرة الثالثة أو أوائل الرابعة، وفي متحف المتروبوليتان صينية صغيرة من الأسرة الخامسة أو السادسة فيها نماذج أدوات هذه الشعيرة، وآنية لها من مقبرة پرنب في سقّارة.
وتُروى الشعيرة في أتمّ صورها في مقبرة الملك سيتي الأوّل من الأسرة التاسعة عشرة ونسخ بعدها. يوضع التمثال على كومة من الرمل ووجهه إلى الجنوب، ويُرشّ بالماء ويُبخَّر، ويُدهن بسبعة أدهان، وتُكحَّل عيناه، ويُلبس ثوبين. ثم يمسّ كاهن السِّم فمه وعينيه بأدوات، منها أداة اسمها «الفخذ» من الحديد، ويقول: «فتحتُ لك فمك بأداة أنوبيس، فتحتُ لك فمك بالأداة الإلهية، بالفخذ من الحديد الذي فُتح به فم المعبودات.. سيفتح حورس فم أوزيريس كما فتح فم أبيه، وسيمشي أوزيريس ويتكلّم، ويكون جسده مع جماعة المعبودات الكبرى». ويُذبح ثور، فيُنتزع قلبه وتُقطع رجله الأمامية اليسرى، وتُقدَّمان إلى التمثال، وتقف امرأتان تمثّلان إيزيس ونفتيس. ثم تُوضع المائدة أمامه، فإذا انتهت فُتح فمه، وصار الميت روحاً لها قوى الأرواح كلّها.
ويطلب الميت هذا لنفسه في الفصل الثالث والعشرين من «كتاب الموتى»: «ليفتح بتاح فمي، وليفكّ إله مدينتي الكمّامات التي على فمي.. ثم ليأتِ تحوت ممتلئاً بكلمات القوّة فيفكّ كمّامات ست عن فمي.. ليُعطَ لي فمي، وليفتحه بتاح بأداة المعدن التي يفتح بها أفواه المعبودات».
والشعيرة نفسها معروفة في بلاد الرافدين على تماثيل المعبودات. يقول أسرحدون إنّ تماثيل مردوخ وزوجته ومعبودات بابل «خُلقت في مدينة آشور بأمرها، ووُلدت حقّاً في إيخورساگالكوركورا»، ثم سارت إلى بابل، فدخلت بساتين إيكارزاگينا، «الموضع الطاهر»، حيث أُقيم لها «غسل الفم» و«فتح الفم» و«الاستحمام» و«التطهير» أمام نجوم السماء وأمام إيا وشمش وأسالوخي ومعبودات الصنعة. ويذكر قاموس شيكاغو قول الطقس: «تقيم على هذا المعبود شعائر غسل الفم وفتح الفم»، وأنّ غسل الفم كان يُقام أيضاً على إنسان، وعلى ثور، وعلى مشعل، وعلى طبل من البرونز.
والفكرة التي تدور عليها الشعيرة أنّ الشيء المصنوع لا يحيا حتى يُفتح فمه. التمثال حجر نحته صانع، والمومياء جسد ملفوف، وكلاهما مغلق، والفم هو الموضع الذي يدخل منه الطعام والنَّفَس ويخرج منه الكلام. فإذا فُتح أكل الميت من القرابين وتكلّم، وإذا فُتح فم تمثال المعبود صار يسكن فيه. ولذلك كان الذي يفتح أفواه المعبودات في «كتاب الموتى» بتاح، المعبود الصانع، ولذلك تقول تماثيل بابل إنّها «وُلدت» في ورشة المعبد ولم تُصنع فقط.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا. اسم الشعيرة في الأكدية pīt pî «پيت پي»، وهو «فتح الفي» حرفاً حرفاً: pītu «پيتُو» من الفعل petû «پِتُو»، وهو «فتح» العربية، سقطت حاؤه كما تسقط الحاء في الأكدية؛ وpî «پي» مجرور pû «پو»، الفم، وهو «فو» العربية، ومجرورها «في»، كما تقول العرب «فو زيد» و«في زيد». والپاء الأكدية تقابل الفاء العربية بانتظام. وقرينتها mīs pî «ميس پي»، غسل الفم. واسمها في المصرية wpt-r «وِپِت را»: wpj «وِپِي» فتح وفصل، وr «را» الفم. ونقرأ wpj قراءة مقترحة على المنهج بـ«فاه»: يقول لين إنّ «فاه بالكلام» نطق به، وإنّ «فاه الرجل بكذا» فتح فمه به، و«ما تفوّهتُ» ما فتحتُ فمي بكلمة.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما تبيّنه |
|---|---|---|
| wpt-r | وِپِت را | اسم الشعيرة في المصرية: فتح الفم |
| pīt pî، KA.DU₈.Ù.DA | پيت پي | اسمها في الأكدية والسومرية: فتح الفم |
| mīs pî، KA.LUḪ.Ù.DA | ميس پي | غسل الفم، قرينتها في الرافدين |
| petû، pû | پِتُو، پو | فتح، فم، في الأكدية |
| פָּתַח، פֶּה | پاتَح، پِه | فتح، فم، في العبرية |
| فتح، فو، في، فاه | فتح، فو، في، فاه | العربية التي نقرأ بها الاسمين |
الاسم الأكدي ثابت الحروف: يضع معجم براون ودرايفر وبريغز العبرية «پاتَح» بجانب الأشورية pitû «پِتُو» وpatû «پَتُو» والعربية «فتح»، ويضع العبرية «پِه»، الفم، بجانب الأشورية pû «پو» والعربية، ويقول إنّ الكلمة ثنائية الأصل في الغالب. والحاء التي في «فتح» تسقط في الأكدية فتصير الحركة قبلها كسرة، فيأتي petû «پِتُو». فالقراءة تتناول الكلمتين كلّهما، وهي قراءة يشهد لها أكثر من فرع من اللسان.
أمّا المصرية wpj «وِپِي» ففيها الواو قبل الپاء، وفي العربية «فاه» الفاء قبل الواو، فالقراءة تحتاج إلى تقديم وتأخير، وتبقى r «را»، الفم، بلا مقابل عربي نقدّمه. ولذلك تبقى القراءة المصرية مقترحة. والذي يقوّي صلة الشعيرة بـ«الفتح» العربي أنّ المقالة السامية المصرية تقرأ اسم بتاح «فتح»، وأنّ بتاح هو الذي يفتح أفواه المعبودات في «كتاب الموتى»، وفي المصرية المتأخّرة فعل ptḥ «پْتَح» بمعنى فتح. وانظر بتاح.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الأدوات
يذكر نصّ القرابين القديم أداة اسمها «پسش كف» يُمسّ بها فم التمثال، وفأسين من الحديد، حديد الجنوب وحديد الشمال. ولا تذكر قوائم القرابين في مقابر الأسرة الرابعة وأوّل الخامسة هذه الأدوات، فيرى بَدْج أنّ الشعيرة كانت يومئذ أقصر، ثم كثرت أدواتها وقرابينها في آخر الأسرة الخامسة. وفي المتروبوليتان تميمة على صورة الپسش كف من عهد الرعامسة، ونموذج من الخشب لأداة «مسختيو» من ودائع أساس مقبرة حتشبسوت. ويقول بَدْج إنّ أداة «الفخذ» الحديدية تُنسب إلى ست، لأنّ الحديد معدن ست، ثم تُستعمل أداة أخرى تُنسب إلى حورس.
القراءة الرمزية
تقرأ مقالة إعادة القراءة المصرية خلق بتاح بالقلب واللسان، فكّر في الأشياء ثم نطق بأسمائها فوُجدت، اكتشافاً لقوّة اللغة: أنّ التسمية معرفة. وفتح الفم يجري على هذا: الصانع يصنع التمثال، لكنّ الكلام هو الذي يجعله حيّاً، ولذلك تُقال الكلمات على الفم وهو يُمسّ، ويُطلب للميت أن يُعطى فمه ليتكلّم.
التوازيات عبر الحضارات
الشعيرتان المصرية والرافدية تفتحان فماً مصنوعاً، لكنّ لكلّ منهما موضعها. في مصر يُفتح فم الميت ليأكل ويتكلّم في العالم الآخر، ثم فم تمثال المعبود. وفي الرافدين يُغسل فم تمثال المعبود ويُفتح ليصير المعبود حاضراً فيه، ويُغسل فم الإنسان أيضاً. وفي المصرية يفتح الفمَ بتاح الصانع، وفي الرافدين تحضر الشعيرة معبودات الصنعة إلى جانب إيا. وفي الحالتين يُطهَّر الشيء قبل أن يُفتح، بالماء والبخور، كما يُطهَّر بيت نبو في الأكيتو قبل أن يدخله.
وفي «كتاب الموتى» يفكّ تحوت كمّامات ست عن فم الميت، فيتّصل فتح الفم بـمحاكمة الميت: الميت يحتاج إلى فمه ليقول أمام القضاة إنّه لم يذنب.