خنوم

ملخص

خْنُوم معبود مصري برأس كبش، قرناه ممتدّان أفقيّاً ملتويان، من سلالة الكباش التي دجّنها المصريون أوّلاً ثم انقرضت في الدولة الحديثة. كان سيّد منطقة الجنادل في الجنوب، وأهمّ معابده في إِلِفَنْتِين، الجزيرة التي في النيل أمام أسوان، حيث عُبد مع ساتِت وعَنُقِت، وفي إِسْنَا، حيث عُبد مع نِيت.

وقصّته قصّة الخزّاف. كان المصريون يقولون إنّ خنوم يصنع الإنسان وقرينه، الكا، على عجلة الفخّار، ويصنع الجنين في بطن أمّه، ويحضر الولادة مع حِقِت. وفي معبد إسنا ترنيمة كبرى تُنشد في عيد «تنصيب عجلة الفخّار»، تقول إنّه «معبود عجلة الفخّار، الذي عمّر الأرض بصنع يديه»، صنع المعبودات والناس، والقطعان والماشية، والطير والسمك، وعقد مجرى الدم بالعظام، وبنى الجمجمة، وفتح العينين، وجوّف الأذنين، وصنع اللسان ليتكلّم، ثم تقول: «صوّر الجميع على عجلته، فاختلف كلامهم في كلّ بلد»، و«لا تتوقّف العجلة بعد ذلك، تدور كلّ يوم». وفي قصّة «الأخوين» يطلب رع من خنوم أن يصنع لباتا زوجة حتى لا يعيش وحده، فيصنعها أجمل من كلّ امرأة في الأرض.

وهو أيضاً صاحب الماء. كان المصريون يرون أنّ النيل يخرج من نون من ثقب في الأرض عند إلفنتين، ومنه يدخل الفيضان مصر بطميه، وخنوم يحرس هذا المنبع. وعلى صخرة في جزيرة سهيل، قرب إلفنتين، نقش كهنة العصر البطلمي «لوحة المجاعة»، ونسبوها إلى الملك زوسر من الدولة القديمة. يقول فيها الملك إنّ النيل لم يأتِ في وقته سبع سنين، فشحّ الحَبّ، وسرق كلّ رجل أخاه، وأُغلقت المعابد. فسأل كاهناً من كهنة إيمحوتب: أين يولد النيل؟ فرجع إليه الكاهن من الكتب المقدّسة بالجواب: في وسط الماء بلدة اسمها يِبُو، إلفنتين، و«الكهفان» اسم مائها، وهناك ينام النيل، وخنوم يحكم هناك، نعلاه على الفيضان، والمزلاج في يده، يفتح الباب كما يشاء. فقدّم الملك القرابين، فلمّا نام رأى خنوم واقفاً أمامه يقول: «أنا خنوم صانعك.. أنا مصوّر كلّ أحد.. حين أفتح البئر.. أجعل النيل يتدفّق لك، فلا تكون سنة نقص». فاستيقظ الملك ووهب معبد خنوم أرضاً تمتدّ اثني عشر إِتِراً جنوب إلفنتين، والإِتِر نحو عشرة كيلومترات ونصف، ووهبه عُشر ما يأتي من النوبة. ويرى ليشتهايم أنّ كهنة خنوم هم الذين كتبوا النقش، ليقوّوا حقوقهم في هذه الأرض في وجه كهنة إيزيس في فيلة.

والفكرة التي تجمع وجهي خنوم أنّ الخزّاف والنهر عمل واحد. فالطين الذي يصنع منه الناس على عجلته هو ما يأتي به الفيضان الذي يفتح له الباب، والبلد الذي يجوع حين يتأخّر النيل يشبع حين يرضى خنوم. ولذلك يرجّح المتحف المصري العالمي أنّ صلته بالماء والطمي هي التي جعلته خزّافاً. والعجلة في ترنيمة إسنا لا تتوقّف: كلّ مولود جديد يُصنع بيده كما صُنع أوّل الناس.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية H̱nm.w «خْنُمُو»، والواو بعد النقطة لاحقة، كما في اسم أتوم، فيبقى ẖnm «خْنُم». وفي المصرية أفعال بهذه الحروف: ẖnm «خْنُم» بمعنى ضمّ ووحّد، وبمعنى بنى وشكّل، واسم بها لأهل البيت والتابعين. ويقرؤه المقال المصري في هذا المشروع «غَنَم»، ويجعله أقرب قراءاته. والنون نون، والميم ميم، وتجمع قوانين المشروع العين والحاء والخاء والغين في مجموعة واحدة من حروف الحلق. والغَنَم في معجم لين الضأن والمعز معاً، اسم جمع لا مفرد له من لفظه، و«غنم مُغْنَمة» غنم مجموعة كثيرة، و«الغُنْم» ما يُنال بلا مشقّة. فخنوم على هذه القراءة صاحب الغنم: الكبش الذي يقود القطيع المجموع، وتسمّيه ترنيمة الصباح في إسنا «الكبش العظيم الجلال» و«قائد الرعاة»، وهو الذي يغنم منه الناس الفيضان بلا تعب حين يفتح الباب. وتلتقي القراءة بالفعل المصري نفسه، فـẖnm «خْنُم» ضمّ وجمع، والغنم هي المجموعة. والخاء المصرية تقابل في الغالب الخاء العربية، كما في اسم خبري، فوضع الغين مكانها هو موضع البحث في هذه القراءة.

الجذر اللغوي

«صاحب الغنم»

الصيغة معناها الشاهد
H̱nm.w «خْنُمُو» اسم المعبود معجم المصرية
ẖnm «خْنُم» ضمّ، وحّد معجم المصرية
ẖnm «خْنُم» بنى، شكّل معجم المصرية
ẖnm «خْنُم» أهل البيت، التابعون معجم المصرية
H̱nm.ww «خْنُمُوو» «الصانعون»، جماعة الخنومات معجم المصرية
nb-nḥp «نِب نِحِپ» «سيّد عجلة الفخّار»، لقب خنوم معجم المصرية

في الكلمة المصرية ثلاثة أصول: الخاء ذات الخطّ تحتها ẖ «خ»، والنون، والميم. والمعنيان المصريان، الضمّ والبناء، يتّفقان مع عمل الخزّاف الذي يضمّ الطين ويبني منه الجسد، وفي ترنيمة إسنا يقال عن خنوم إنّه «يضمّ في الخفاء، ويبني بناءً متيناً». وفي معجم لين: «غَنِمَ» نال الغنيمة، و«الغُنْم» اكتساب الشيء بلا مشقّة، و«الغَنَم» الضأن والمعز معاً، و«غنم مُغْنَمة» مجموعة كثيرة. فالجذر العربي يجمع القطيع المجموع والكسب الذي يأتي بلا تعب، والمصري يجمع الضمّ والبناء.

وتضع قوانين المشروع العين والحاء والخاء والغين في «انهيار الحروف الحلقية»، أي في مجموعة تتبادل وتسقط عند انتقال الكلمة إلى لغات أخرى. وهذا ما تستند إليه مقابلة الخاء المصرية بالغين العربية، أمّا المقابلة المعتادة بين المصرية والعربية فخاء بخاء.

قراءات أخرى في المقال

يقدّم المقال المصري أوّلاً «خنم» بمعنى صنع ونحت وشكّل، وهي توافق الحروف كلّها، لكنّ المعاجم العربية لا تعرف «خنم» إلّا في اسم موضع، «تَخْنِم»، في بيت للبيد. ثم «خنن»، ويجعله الإحاطة، ويقول في موضع آخر إنّ «الخَنّ» أنف الكبش الكبير؛ وفي معجم لين «الخَنين» صوت يخرج من الأنف، وليس في الجذر ميم. ثم «كنم»، ولا نجد له معنى في العربية. ثم «خمّر» بمعنى عجن، وخنوم يعجن الإنسان من الطين، لكنّ حروفه خاء وميم وراء لا تقابل النون. ويقارن المقال العبرية חנה «حَانَا» بمعنى الحنان، وفيها حاء لا خاء.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الخزّاف في بيوت الولادة

في بيوت الولادة الملحقة بمعابد العصر البطلمي في دندرة وإدفو وفيلة سلسلة من الصور: يُحمل بالطفل المعبود، ثم يصنعه خنوم على عجلة الفخّار، ثم يُقدَّم إلى أبيه. والصور نفسها في غرفة الولادة بمعبد الأقصر، حيث يُصنع أمنحتب الثالث، وفي الدير البحري، حيث تُصنع حتشبسوت. فالملك عند المصريين يُصنع على عجلة خنوم كما يُصنع المعبود.

اسم خوفو

واسم خوفو، باني الهرم الأكبر، في صيغته الكاملة H̱nm.w-ḫwi̯=f-wj «خْنُمُو خُوفُوِي»، أي «خنوم يحميني».

الخزّاف في الحكمة

وفي تعاليم أمنموبي، حين يتكلّم الحكيم عن الرجل الحادّ الطبع، يقول: «ليت خنوم يأتيه، الخزّاف إلى الرجل الحادّ، ليعجن القلب الفاسد». فالقلب عنده طين يُعاد عجنه.

خنوم في وجوه المعبودات

وتقول ترنيمة إسنا إنّ خنوم هو «بتاح تاتنن، خالق الخالقين»، وإنّه في إلفنتين «با رع»، وفي إسنا «با شو»، يصوّر الناس على عجلته في كلّ مدينة. وفي ترنيمة الصباح يُنادى «خنوم آمون» و«شو قويّ الذراعين». والكبش في المصرية bꜣ «بَا»، وهي الكلمة نفسها التي تعني الروح الظاهرة، ولذلك يُرسم رع في رحلته الليلية برأس كبش.

منابع النيل عند هيرودوت

وسمع هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد من كاتب خزائن نِيت في سايس أنّ بين أسوان وإلفنتين جبلين محدّدَي القمّتين، اسمهما كْرُوفي ومُوفي، تخرج من بينهما منابع النيل التي لا قاع لها، فيجري نصفها شمالاً إلى مصر ونصفها جنوباً إلى الحبشة. وظنّ هيرودوت أنّ الكاتب يمزح. ويربط ليشتهايم هذين الجبلين بمرتفعين في النهر أمام إلفنتين يصفهما نقش المجاعة، فالخبر اليوناني المتأخّر صدى لصورة مصرية أقدم منه.

القراءة الرمزية

يضع المقال الهندي في هذا المشروع خنوم مع براهما الخالق، ويقول إنّ وظيفتهما واحدة: الخلق والتشكيل. وفي النصوص المصرية نفسها يعمل خنوم بأدوات يعرفها كلّ قرويّ على النيل: عجلة الخزّاف، والطين الذي يتركه الفيضان، والقطيع. ولوحة المجاعة تجعل الجوع نتيجة لتأخّر الماء، والشبع نتيجة لرضا خنوم، ثم تنتهي بأرض تُوهب لمعبده وعُشر يُؤخذ من الصيّادين والقنّاصين والعمّال، فالقصّة الدينية والحساب الاقتصادي في نقش واحد. وتقول حاشية ليشتهايم إنّ السنين السبع من المجاعة موضوع شائع في آداب الشرق القديم، وكانت تُقرن بسنين يوسف في سفر التكوين.

التوازيات عبر الحضارات

في الصين تعجن نوا التراب الأصفر وتشكّل الناس بيدها واحداً واحداً، وفي «إنكي ونينماخ» السومرية يُصنع البشر من طين فوق الأبسو ليحملوا عن المعبودات عملها، كما يذكر إنكي. ويشترك خنوم مع الاثنين في المادّة واليد، ويفترق عنهما في أنّه لا يصنع الناس مرّة واحدة في البدء، وإنّما يصنع كلّ مولود على عجلة لا تتوقّف. وفي القرآن: «خَلَقَ الإنسانَ من صلصالٍ كالفخّار»، فالإنسان فيه طين يابس كالخزف، والخالق هو الله.

ويخرج النيل عنده من الماء الأوّل، نون، من كهفين في إلفنتين، ويقول خنوم في لوحة المجاعة إنّه «نون العالي الذي خرج أوّلاً».

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 3، لوحة المجاعة ص 94–103، ترنيمتا خنوم في إسنا ص 109–115.

  2. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، تعاليم أمنموبي ص 154، الأخوان ص 207.

  3. المتحف المصري العالمي: خنوم، إلفنتين، إسنا، بيت الولادة.

  4. معجم المصرية: خنوم، ضمّ، بنى، سيّد عجلة الفخّار، خوفو.

  5. هيرودوت 2.28.

  6. معجم لين، غنم وخنن.

  7. أهل البيت
  8. معجم المصرية
  9. المعاجم العربية، خنم
  10. الرحمن 14