ريغ

ملخص

رِيغ اسم يتسمّى به أحد الآلهة في «قصيدة ريغ» «رِيغْسْثُولَا»، وهي قصيدة نوردية تحكي كيف صار الناس طبقات. يمشي ريغ في الأرض فينزل على ثلاثة بيوت، فيولد في كلّ بيت ولد يكون أبا طبقة: العبيد، ثم الفلّاحون الأحرار، ثم السادة. وفي الكلمات النثرية التي تسبق القصيدة: «يقولون في القصص القديمة إنّ واحداً من الآسير، اسمه هايمدال، خرج في سفر، فمشى على ساحل بحر حتى بلغ بيتاً، وتسمّى ريغ». فالإله ريغ هو هايمدال في هذا النثر وحده، أمّا أبيات القصيدة فلا تذكر هايمدال.

سار ريغ في الطرق الخضر، شيخاً قويّاً عارفاً، فبلغ بيتاً بابه مردود والنار على أرضه، وفيه زوجان شيخان، آي وإدّا، أي جدّ الجدّ وجدّة الجدّ، في ثياب قديمة. فأعطاهما المشورة، وجلس بينهما على المقعد، فقدّمت له إدّا خبزاً ثقيلاً غليظاً محشوّاً بالنخالة ومرقاً في قصعة، ونام بينهما ثلاث ليال، ثم مضى. وبعد تسعة أشهر ولدت إدّا ولداً أسمر الجلد سمّوه ثْرَال، أي العبد. فكبر بيدين مجعّدتين وأصابع غليظة وظهر منحنٍ، يحزم اللحاء ويحمل الحطب طول النهار، وتزوّج ثِير، امرأة مقوّسة الساقين محترقة الذراع من الشمس، فولدا أولاداً يبنون الأسوار ويسمّدون الحقول ويرعون الخنازير والمعز ويحفرون الخثّ، «ومنهم جاءت قبائل العبيد».

ثم مضى ريغ إلى قاعة فيها زوجان يعملان، أَفِي وأَمّا، أي الجدّ والجدّة: الرجل ينحت خشبة للنول ولحيته مهذّبة، والمرأة تغزل بالمغزل. فصنع ما صنع في البيت الأوّل، فولدت أمّا ولداً أحمر الوجه سمّوه كَارْل، أي الرجل الحرّ، فتعلّم أن يروّض الثيران ويصنع المحاريث ويبني البيوت والأهراء ويسوق المحراث، وتزوّج سْنُور، ومن أسماء أولادهما سْمِيذْر، أي الحدّاد، وبُونْدِي، أي صاحب الأرض، «ومنهم جاءت قبائل الأحرار». ثم بلغ قاعة بابها إلى الجنوب، فيها فَاذِير ومُوذِير، أي الأب والأمّ، ينظر كلّ منهما في عيني الآخر: الرجل يفتل وتر القوس ويركّب السهام، والمرأة تملّس الكتّان، وعلى المائدة خبز القمح الأبيض وأطباق الفضّة والطير المشويّ والخمر. فولدت موذير ولداً أشقر الشعر لامع الخدّين، عيناه حادّتان كعيني حيّة صغيرة، سمّوه يَارْل، أي السيّد، فتعلّم الترس والقوس والرمح والخيل والكلاب والسيف والسباحة.

وهنا عاد ريغ. خرج من الغابة ماشياً، فعلّم يارل الرونات، وأعطاه اسمه، وقال إنّه ابنه، وأمره أن يأخذ أرض الآباء. فقاتل يارل حتى ملك ثماني عشرة مزرعة، وفرّق الخواتم والخيل على أصحابه، وتزوّج إِرْنا بنت رئيس من الرؤساء، فولدت له أولاداً أصغرهم كُونْر الصغير. فعرف كونر من الرونات أكثر من أبيه، رونات الدهر ورونات العمر، وعرف أن ينجّي الناس ويثلم حدّ السيف ويسكّن البحر ويطفئ النار، وفهم كلام الطير، ونازع أباه في علم الرونات فغلبه، فاستحقّ أن يُسمّى ريغ. ثم قال له غراب: لماذا تصيد الطير؟ الأولى أن تركب الخيل وتسلّ السيف، فلدانْر ودانْپْر قاعات أعزّ من قاعاتكم. وهنا تنقطع القصيدة.

والفكرة التي تدور عليها القصيدة أنّ طبقات الناس تُروى قصّةَ أسرة واحدة. أبوهم واحد هو ريغ، والذي يفرّق بينهم البيت الذي وُلدوا فيه: طعامه وأثاثه وعمل أهله. فالخبز الغليظ والحطب للعبد، والثيران والمحراث للحرّ، والقوس والسيف للسيّد. ثم يصعد الاسم درجة بعد درجة: يعطيه ريغ ليارل، ويأخذه كونر الصغير بالعلم، لأنّه يعرف من الرونات أكثر من أبيه. واسمه في النوردية Konr ungr «كُونْر أُونْغْر»، فإذا وُصل اللفظان سُمع فيهما konungr «كُونُونْغْر»، أي الملك. فالملك في القصيدة سيّد عرف الرونات وأخذ اسم الإله.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ ريغ. الراء الأخيرة في Rígr «رِيغْر» علامة الرفع النوردية، فيبقى Ríg «رِيغ». ويقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ الاسم على الأرجح مستعار من كلمة الملك في لغة أهل إيرلندا، rí «رِي» وفي الإضافة ríg «رِيغ»، فـ«قصيدة ريغ» «قصيدة الملك». ونقرؤه «الراعي» من رَعَى. في معجم لين: رعى الأمير رعيّته أي ساسها، والراعي الحاكم الذي يدبّر أمر قومه، والرعيّة الناس المسوسون، وفي الحديث: «كلّكم راعٍ وكلّكم مسؤول عن رعيّته»، ثم يعدّ الرجل في أهله والخادم في مال سيّده والمرأة في بيت زوجها. والراء راء، والعين سمعها مترجمو التوراة إلى اليونانية غيناً في الأسماء التي من هذه المادّة، فكتبوا رعوئيل Ραγουηλ «رَاغُوئِيل» ورعو Ραγαυ «رَاغَاو». وهذا ما تجعله القصيدة لريغ: يدخل كلّ بيت فيعطي أهله المشورة، ويضع لكلّ طبقة منزلها، ثم يصير اسمه اسم الملك.

ولا يقرأ المقال السامي النوردي اسم ريغ، لكنّه يقرأ اسم هايمدال، الذي يجعله النثر ريغ، «هامَ + دلَّ»، أي الهائم الدالّ. وريغ في القصيدة يمشي في الطرق ويدلّ أهل كلّ بيت على ما يصلحهم، وتتكرّر عند كلّ بيت العبارة نفسها: «كان ريغ يعرف كيف يعطيهم المشورة». فالقراءتان تلتقيان في الشخص الواحد: الجوّال الذي يدلّ، والراعي الذي يسوس.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما هي
Rígr رِيغْر الاسم في الرفع
Ríg رِيغ الاسم بلا علامة الرفع
Rígsþula رِيغْسْثُولَا «قصيدة ريغ»، والسين علامة الإضافة
rí، ríg رِي، رِيغ الملك في الإيرلندية القديمة، في الرفع والإضافة
konr، konungr كُونْر، كُونُونْغْر الرجل الكريم النسب؛ الملك
رَعَى، الراعي، الرعيّة ساس وحفظ؛ الحاكم؛ الناس المسوسون
rēʾû رِيئُو في الأكدية: رعى، والراعي بمعنى الحاكم
Ραγουηλ، Ραγαυ رَاغُوئِيل، رَاغَاو رعوئيل ورعو في الترجمة اليونانية للتوراة

يقول معجم كْلِيسْبِي وفِيغْفُوسُون إنّ ريغ بطل القصيدة التي تجعل أصل الملوك كلّهم منه، وإنّ الخبر كان لهايمدال، وإنّ الاسم على الأرجح اسم صنعه الشاعر قناعاً، واستعاره من الكلمة الغيلية التي معناها الملك، فتكون «قصيدة ريغ» في الحقيقة «قصيدة الملك». وفي معجم الإيرلندية القديمة أنّ rí «رِي»، وإضافتها ríg «رِيغ»، الملك، وأنّها تترجم في الحواشي القديمة اللفظين اللاتينيين rex «رِيكْس» وprinceps «پْرِينْكِيپْس». ويقول المعجم النوردي إنّ konungr «كُونُونْغْر»، الملك، مشتقّة من konr «كُونْر»، أي الرجل الكريم النسب، وإنّ تفسير القصيدة لها بـ«كونر الصغير» من خيال الشاعر.

ورعى في العربية أوّلاً حفظ الماشية وأطعمها، ثم ساس الناس. ويضع معجم براون ودرايفر وبرِغز الفعل العبري رَعَى بجانب الأكدية rēʾû «رِيئُو»، فعلاً بمعنى رعى واسماً بمعنى الحاكم، وبجانب العربية والآرامية. وفي خاتمة شريعة حمورابي يقول الملك عن نفسه: «أنا الراعي الذي يأتي بالسلامة، عصاه مستقيمة». فالراعي في اللسان القديم هو الحاكم، والملك في لسان أهل إيرلندا هو الذي يحكم، والقصيدة تجمع الأمرين في ريغ: يعطي كلّ بيت مشورته، ويرتّب لكلّ طبقة عملها، ثم يورث اسمه الملك.

والمقابلة تحفظ الراء في أوّل الاسم، وتجعل الياء الطويلة بعدها حركة، وتجعل الغين في آخره موضع العين. وقوانين مشروع جذور تجعل العين تسقط في الغالب حين ينتقل اللفظ إلى لسان آخر، وتجعل الغين تصير g «غ»، فالذي يسند سماع العين غيناً هنا شاهد الترجمة اليونانية في رعوئيل ورعو، وهما من المادّة نفسها. وهذا موضع الضعف في القراءة.

السرديات الأسطورية الرئيسة

أسماء الأولاد

تعدّد القصيدة أسماء أولاد كلّ بيت، والأسماء تقول طبقة أصحابها. ففي بنات العبيد أَمْبَاتّ، أي الأَمَة، وفي أبناء الأحرار سميذر الحدّاد وبوندي صاحب الأرض وثِيغْن الرجل الحرّ ذو الأرض، وأبناء يارل كلّهم بألفاظ الولد والوارث والنسل، مثل بارن الطفل وأرفي الوارث وسونر الابن، وآخرهم كونر.

المخطوطة والنهاية الضائعة

لم تصل القصيدة إلّا في مخطوطة واحدة، «المخطوطة الوُرْمِيّة»، التي نُسخت نحو سنة 1350، وفيها وحدها النثر الذي يجعل ريغ هايمدال. وآخرها مقطوع بعد كلام الغراب عن دانر ودانپر، فلا يُعرف ما صنع كونر بعده.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير الشمال ثور إلهاً للفلّاحين والحدّادين، وأودين إلهاً للملوك والنبلاء، وتسمّي ذلك تقسيماً طبقياً: المعرفة لأودين والعمل لثور. وهذه قراءتها للإلهين، لا لهذه القصيدة، لكنّ القصيدة ترسم الخطّ نفسه داخل أسرة واحدة: المحراث لكارل، والرونات ليارل وكونر.

ويبدأ جورج دوميزيل مقالته في هذه القصيدة (1958) بملاحظة أنّ الشعوب الجرمانية تعرف بين آلهتها ثلاث وظائف واضحة، يمثّلها في إسكندنافيا أودين وثور وفرير: السيادة والقوّة والخصب، لكنّها لا تقسم مجتمعها على هذه الوظائف، على خلاف الكلت والهنود والإيرانيين، فعند أهل إيرلندا والغال الكهنة، ثم النبلاء المحاربون، ثم أصحاب الماشية والزرع. والقصيدة هي النصّ النوردي الذي يرتّب المجتمع طبقات، ويختلف ترتيبها في أمر واضح: ليس فيها طبقة كهنة، والعلم المقدّس، أي الرونات، يذهب إلى السيّد والملك. ويُختلف في أصلها: أهي أثر لنظام أهل إيرلندا عرفه أهل الشمال في أسفارهم، أم أثر لترتيب أقدم؟ واستعارة اسم ريغ من كلمة الملك الإيرلندية تقوّي الوجه الأوّل.

التوازيات عبر الحضارات

وفي الهند يخرج ترتيب الناس من جسد بوروشا، الإنسان الأوّل الذي قرّبه المعبودات قرباناً: «لمّا قسموه، كان فمه البراهمة، ومن ذراعيه صُنع المحارب، وصار فخذاه أهل الزرع والتجارة، ومن قدميه وُلد الخادم». وكلا النصّين يجعل منزلة الإنسان منزلة مولده. ويختلفان في كلّ ما سوى ذلك: في الهند أربع طبقات من أعضاء رجل واحد قُطّع في قربان، وأعلاها الكاهن الذي هو الفم، وفي الشمال ثلاث من ثلاث ليال لإله واحد في ثلاثة بيوت، وأعلاها السيّد ثم الملك الذي عرف الرونات. والجسد الذي يصير عالماً في الهند صورة من نمط الجسد الكوني. «الريغفيدا» 10.90.11–12.

ولا يخلق ريغ الناس، فقد خلقهم قبله أودين وأخواه من شجرتين على الساحل، آسك وإمبلا، وإنّما يضع لهم منازلهم. فخبره تتمّة لـخلق الإنسان: الخلق يعطي الناس النفَس والعقل، والقصيدة تعطيهم أعمالهم.

وترتيب العمل بين الناس، من الحطب إلى المحراث إلى السيف، من الأمور التي تنسبها الأساطير إلى الأبطال الحضاريين، وريغ في القصيدة يعلّم بالقدوة، فيجلس على مقعد كلّ بيت ويأكل طعامه، ويعلّم الرونات بنفسه لابنه الثالث.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «قصيدة ريغ»، النصّ النوردي والترجمة وحواشيها، والنصّ النوردي مع المقدّمة النثرية.

  2. كليسبي وفيغفوسون: ريغ، الملك، كونر.

  3. معجم الإيرلندية القديمة، رِي.

  4. معجم لين، رعى؛ معجم براون ودرايفر وبرِغز: رعى، رعوئيل، رعو.

  5. شريعة حمورابي، ترجمة كينغ.

  6. جورج دوميزيل، «قصيدة ريغ والبنية الاجتماعية الهندوأوروبية»، مجلّة تاريخ الأديان 154، 1958، ص 1–9.

  7. «الريغفيدا» 10.90.