بوروشا

قصص تشترك فيهانمط الجسد الكوني

ملخص

بوروشا كلمة سنسكريتية معناها الرجل والإنسان، وهو في النشيد 10.90 من «الريغفيدا» «رِگْ ڤيدا» الإنسان الأوّل الذي صُنع العالم من جسده. يبدأ النشيد بوصفه: له ألف رأس وألف عين وألف قدم، أحاط بالأرض من كلّ جانب وزاد عليها قدر عشر أصابع. وهو كلّ ما كان وكلّ ما سيكون، ربع منه هو الكائنات كلّها، وثلاثة أرباعه خالدة في السماء. ومنه وُلدت ڤِرَاج، ومن ڤراج وُلد بوروشا.

ثم يروي النشيد القربان. أقام المعبودات قرباناً كان بوروشا ذبيحته: الربيع سمنه، والصيف حطبه، والخريف تقدمته. فرشّوه على العشب المفروش للطقس، وربطوه ذبيحة، وقرّبوه. فخرج من القربان الدهن، وخرجت منه طيور الجوّ ووحوش البرّ وأنعام القرية، والخيل والبقر والمعز والغنم، وخرجت منه الأناشيد والأوزان وصيغ الطقس. ثم يسأل المنشد: لمّا قسموا بوروشا، كم قسماً جعلوه؟ ماذا كان فمه وذراعاه وفخذاه وقدماه؟ فيجيب: كان فمه البراهمة، وصُنع من ذراعيه المحاربون، وصار فخذاه أهل الزرع والتجارة، ووُلد الخدم من قدميه. ووُلد القمر من عقله، والشمس من عينه، وإندرا وأجني من فمه، وفايو الريح من نفَسه، وخرج الجوّ من سرّته، والسماء من رأسه، والأرض من قدميه، والجهات من أذنه. ويختم: «قرّب المعبودات القربان بالقربان، وكانت هذه أوّل الشرائع».

والفكرة التي يدور عليها النشيد أنّ العالم والجماعة جسد واحد. الشمس عين ذلك الجسد، والريح نفَسه، والأرض قدماه، وطبقات الناس أعضاؤه، فالكاهن في موضع الفم لأنّ عمله الكلام، والمحارب في موضع الذراعين، والزارع والتاجر في موضع الفخذين، والخادم في موضع القدمين. وليس لعضو منها حياة إذا انفصل عن الجسد. والذي صنع هذا كلّه قربان، ولذلك يسمّيه النشيد «أوّل الشرائع»، فكلّ قربان بعده يعيده. ويقول ماكدونل إنّ النشيد من أحدث أناشيد «الريغفيدا»، وإنّه الموضع الوحيد فيها الذي تُذكر فيه الطبقات الأربع.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: पुरुष / Puruṣa «پُرُشَ» إذا أسقطنا حركته الأخيرة بقي «پُرُش»، بالباء والراء والشين، وهو «بَشَر» العربية، وهي القراءة التي يجعلها المقال الهندي «راجحة جداً». والبشر في معجم لين الإنسان، ذكراً كان أو أنثى، واحداً أو جمعاً، وأبو البشر آدم، والبَشَرة ظاهر جلد الإنسان. والپاء تصير باءً لأنّ العربية لا پاء فيها، والشين السنسكريتية شين، والراء راء، غير أنّ الراء تسبق الشين في الاسم السنسكريتي وتتأخّر عنها في «بشر». فبوروشا على هذه القراءة «البشر»، الإنسان الأوّل، وهذا ما يجعله النشيد: إنسان صار جسده العالم والناس.

الجذر اللغوي

بوروشا و«البشر»

الصيغة النطق الموضع
पुरुष puruṣa پُرُشَ الرجل، الإنسان؛ «الريغفيدا» 10.90.1
पूरुष pūruṣa پُورُشَ الصيغة نفسها بحركة طويلة يقتضيها الوزن، 10.90.3 و5
puruṣavidha پُرُشَڤِدْهَ «على هيئة إنسان»، «برهدآرنيكا أوبنشاد» 1.4.1
puriśaya پُرِشَيَ «الساكن في الحصن»، 2.5.18

يعطي مونير وليامز معاني الكلمة: الرجل والذكر والإنسان، والجمع الناس، والشخص، والخادم، وقامة الرجل مقياساً، وإنسان العين، ثم الإنسان الأوّل نفساً للكون وأصلاً له كما في النشيد 10.90، ثم الروح التي تحيي الإنسان، ثم الروح الكلّية، وعند فلاسفة السانكهيا الروح التي تشهد الطبيعة ولا تعمل. ويرجّح أن يكون الاسم من فعل معناه ملأ، وهو ما يفعله بوروشا في أوّل النشيد حين يملأ الأرض ويزيد عليها. وتفسّره «برهدآرنيكا أوبنشاد» تفسيراً آخر: هو الساكن في كلّ الحصون، أي الأجساد، فيكون الاسم عندها مركّباً من كلمتين سنسكريتيتين معناهما الحصن والساكن فيه.

وفي معجم لين: البشر الإنسان، ويقال للواحد والاثنين والجمع، و«أبو البشر» آدم، وقال بعضهم إنّ الإنسان سُمّي بشراً لأنّ بشرته عارية من الشعر والصوف. والبشرة ظاهر الجلد، و«بشرة الأرض» ما يظهر على وجهها من نبات. فالمادّة تجمع جلد الإنسان ووجه الأرض، والنشيد يجمعهما حين يجعل الأرض من قدمي الإنسان الأوّل.

والمقابلة في الصوت: الپاء باء، والشين المرتدّة في السنسكريتية شين، كما تقع الشين العربية سيناً أو شيناً في جدول جذور، والراء راء. ويبقى ترتيب الحرفين: الراء ثم الشين في «پُرُش»، والشين ثم الراء في «بشر»، وتبادل حرفين متجاورين قلب مكاني يعدّه منهج جذور في مقابلاته..

قراءات أخرى في المقال

يضع المقال الهندي بعد «بشر» قراءة «فارس» و«فرس»، أي المحارب الراكب للكون. وهي تحفظ ترتيب الحروف كما هو: الفاء للپاء، كما صارت پارسا الفارسية «فارس» في العربية، ثم الراء، ثم السين للشين. ومعناها في المعجم الفرس والفارس، والإنسان الأوّل في النشيد ليس فرساً. غير أنّ «برهدآرنيكا أوبنشاد» تبدأ بجسد كوني آخر هو فرس القربان: الفجر رأسه، والشمس عينه، والريح نفَسه، والنار فمه، والسنة جسده، والسماء ظهره، والجوّ بطنه، والأرض أسفل بطنه. فالقراءة الثانية تلتقي بصورة الجسد الكوني في هيئة الفرس، وتبقى «بشر» أقرب إلى معنى الكلمة. والقراءة الثالثة «برز»، أي ظهر بعد خفاء، وهي تحفظ الترتيب وتجعل الزاي مقابلة للشين، ويوافقها قول النشيد إنّه حين وُلد امتدّ شرقاً وغرباً على الأرض.

السرديات الأسطورية الرئيسة

الواحد الذي انقسم اثنين

تعود «برهدآرنيكا أوبنشاد» إلى الإنسان الأوّل في قصّة أخرى. في البدء كان هذا العالم ذاتاً واحدة على هيئة إنسان. فنظر حوله فلم يرَ غير نفسه، فخاف، ولذلك يخاف من يكون وحده. ثم لم يجد فرحاً، ولذلك لا يفرح من يكون وحده، فطلب ثانياً. وكان في قدر رجل وامرأة متعانقين، فشقّ نفسه نصفين، فكان منهما الزوج والزوجة، ثم اجتمعا فوُلد منهما الناس. فالإنسان الأوّل هنا لا يصير أرضاً وسماءً، ويصير زوجين يخرج منهما البشر.

من الجسد إلى الروح

ويتغيّر معنى الكلمة بعد «الريغفيدا». ففي الأوبنشاد بوروشا هو الساكن في الجسد، وفي فلسفة السانكهيا هو الروح التي تشهد عمل الطبيعة، وفي كتب لاحقة يُطلق على الكائن الأعلى ويُجعل اسماً لبراهما وفيشنو وشيفا. فالإنسان الذي صار العالم في النشيد صار بعد ذلك الروح التي في كلّ إنسان.

القراءة الرمزية

يقرأ المقال «إعادة قراءة الأساطير الهندية» خلق الطبقات من جسد بوروشا قراءة اقتصادية: الرأس والذراعان والفخذان والقدمان أعضاء لا يستغني الجسد عن واحد منها، وكذلك الكاهن والمحارب والتاجر والعامل، فالنظام في أصله تقسيم للعمل، كما في كلّ اقتصاد. ويرى المقال أنّه تحوّل في التاريخ من نظام وظيفي مرن إلى نظام وراثي جامد، ويسمّي ذلك فساداً للفكرة الأصلية. وهذه قراءة المقال. أمّا النشيد فيجعل الطبقات أجزاء من ذبيحة قُسمت، ويقرنها بالشمس والقمر والريح والأرض، فترتيب الناس عنده من ترتيب العالم نفسه.

التوازيات عبر الحضارات

بوروشا ثالث ثلاثة في نمط الجسد الكوني. ينمو بانغو حيّاً بين السماء والأرض، ثم تصير عيناه الشمس والقمر ونفَسه الريح بعد موته، ولا يقتله أحد. ويقتل أودين وأخواه يمير، فيصير لحمه الأرض ودمه البحر وجمجمته السماء. ويُربط بوروشا ذبيحة ويُقسم في قربان، فتخرج منه الطبقات مع الكون. وفي بابل يقتل مردوخ تيامات فيشقّها نصفين، يجعل من أحدهما السماء ومن الآخر الأرض. فالجسد يُقسم في القصص كلّها، ويختلف الذي يقسمه: الموت وحده في الصين، والغلبة في الشمال وبابل، والقربان في الهند.

ويقارن المقال الهندي بوروشا بآدم، «الإنسان الأوّل الذي خُلق منه كلّ شيء»، وفي لسان العرب «أبو البشر» آدم. وفي قراءة مقترحة على المنهج يلتقي الاسمان في الجلد: البشرة ظاهر جلد الإنسان، والأَدَمة والأديم الجلد، و«أديم الأرض» وجهها، كما يذكر لين، فاسما الإنسان الأوّل في العربية كلاهما من وجه الجسد.

وفي إيران يردّ العالم الجسد في آخر الزمان: يطلب أورمزد العظم من الأرض والدم من الماء والشعر من النبات، فيقيم المنقذ الموتى، في صفحة سوشيانت.

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «الريغفيدا» 10.90، النصّ السنسكريتي وترجمة غريفيث.

  2. «برهدآرنيكا أوبنشاد» 1.1.1 و1.4.1–3 و2.5.18، بشرح شنكرا، مكتبة غوتنغن.

  3. ماكدونل، «قارئ فيدي للطلاب»، 1917.

  4. مونير وليامز، puruṣa «پُرُشَ»، معجم لين، بشر وفرس وبرز وأدم.