ملخص
غُودْرُون ابنة الملك غيوكي وزوجته غريمهيلد، وأخت غونّار وهوغني، زوجة سيغورذ ثم زوجة أتلي ثم زوجة الملك يوناكر. وهي التي تبقى بعد الجميع في أخبار آل فولسونغ والنيفلونغ: يُقتل زوجها الأوّل بأيدي إخوتها، ويقتل زوجها الثاني إخوتها، فتقتله، ثم يموت أبناؤها من الثالث في الثأر لأختهم. وأكثر القصائد التي تحكي خبرها في «الإدّا الشعرية» تحكيه بلسانها: ثلاث «أناشيد غودرون»، و«قصيدة أتلي» «أَتْلَاكْفِيذا»، و«أقوال أتلي الغرينلندية» «أَتْلَامَال»، و«تحريض غودرون» «غُوذْرُونَارْهْفُوت»، و«أنشودة همذير» «هَمْذِيسْمَال»، ويجمعها سنوري في «لغة الشعر» 48–50، و«ملحمة آل فولسونغ» 25–44.
قُتل سيغورذ في فراشها، فجلست عليه لا تبكي. لم تولول ولم تضرب بيديها كما تفعل النساء، وكادت تنشقّ من الحزن. فجاءت نساء الأمراء يحدّثنها بأحزانهنّ ليبكين معها: عمّتها غيافلاوغ فقدت خمسة أزواج وبنتين وثلاث أخوات وثمانية إخوة، وهيربورغ ملكة بلاد الهون فقدت زوجها وأبناءها السبعة وأهلها في البحر ثم أُسرت أمة، فلم تبكِ غودرون. ثم كشفت أختها غولّروند الغطاء عن سيغورذ وقالت: قبّليه كما كنت تعانقينه حيّاً. فنظرت مرّة واحدة إلى شعره الملطّخ بالدم وعينيه المطفأتين، فبكت حتى طارت الدموع من عينيها، وصاح الإوزّ في الدار جواباً لها. ثم قالت لأخيها غونّار: لن تهنأ بالذهب، والخواتم ستكون موتك، لأنّك حلفت لسيغورذ الأيمان.
فذهبت إلى الغابات، ثم إلى الدنمارك، فأقامت سبعة فصول عند ثورا ابنة هاكون، تطرّز معها سفن سيغموند وحروب الملوك. فجاءت أمّها غريمهيلد ومعها إخوتها يعرضون عليها الذهب دية لزوجها، فلم تقبل، فسقتها غريمهيلد شراباً من قرن نُقشت عليه الرونات وخُلط بقوّة الأرض وماء البحر، فنسيت به ذنبهم. ثم قالت لها: تتزوّجين أتلي، أخا برينهيلد. فقالت غودرون: لا أريد أن أتزوّج أخا برينهيلد، وإنّه سيقتل غونّار وينتزع قلب هوغني. ثم زُوّجت كارهة. وحلم أتلي ليلة أنّها طعنته بسيف مسموم، وأنّه أكل قلوب صقرين له بالعسل، فقالت إنّ الحديد في الحلم نار.
وطمع أتلي في ذهب فافنير الذي صار لإخوتها، فدعاهم إليه. فعرفت غودرون المكيدة، فأرسلت إليهم رسالة بالرونات، وأرسلت إلى هوغني علامة: خاتماً معقوداً بشعر ذئب، وهو خاتم أندفاري في نثر «قتل النيفلونغ». فغيّر رسول أتلي الرونات في الطريق، وقرأتها كوستبيرا زوجة هوغني فعرفت أنّها غُيّرت، ومضى الأخوان. فلمّا رأت غودرون إخوتها في ضيق ألقت عباءتها وأخذت سيفاً عارياً وقاتلت معهم، فأسقطت رجلين، وضربت أخا أتلي فقطعت رجله. ثم أُسر الأخوان، فانتُزع قلب هوغني وأُلقي غونّار في حفرة الحيّات.
فلم تبكِ غودرون إخوتها في قاعة الهون، ولم تبكِ أبناءها. تقول «قصيدة أتلي» إنّها خرجت إلى أتلي بكأس مذهّبة، ثم قالت له: أكلت قلوب ابنيك بالعسل، ولن تدعو إيرب وإيتيل بعد اليوم إلى ركبتيك. وتزيد «أقوال أتلي الغرينلندية» أنّها ذبحت الصبيّين، وصنعت من جمجمتيهما كأسين سقته فيهما دمهما ممزوجاً بالشراب، وشوت قلبيهما وقدّمتهما إليه وقالت إنّهما قلبا عجل، ثم أخبرته. ثم دخلت عليه وهو سكران نائم فقتلته بالسيف، ومعها ابن هوغني في «أقوال أتلي»، وأحرقت القاعة على أهلها.
ثم مشت إلى البحر تريد أن تغرق، فرفعتها الأمواج وحملتها إلى بلاد الملك يوناكر، فتزوّجها، وولدت له همذير وسورلي وإيرب. وكانت عندها ابنتها من سيغورذ، سفانهيلد، فزُوّجت يورمونريك ملك القوط، فداستها خيله حتى ماتت. فقالت غودرون لابنيها: لماذا تجلسان وتنامان، ولا تشبهان غونّار ولا هوغني؟ فأعطتهما دروعاً لا يعضّها الحديد، فخرجا، وقتلا في الطريق أخاهما إيرب، ثم قطعا يدي يورمونريك ورجليه، فأمر رجاله أن يرجموهما بالحجارة لأنّ الحديد لا يعمل فيهما، فماتا. فجلست غودرون تبكي وتعدّ أحزانها: ثلاثة أزواج، وثلاثة بيوت، وأشدّها سيغورذ في الفراش، وغونّار والحيّات، وقلب هوغني. ثم نادت سيغورذ أن يأتيها من دار الموتى كما وعدها، وطلبت محرقة عالية من خشب البلّوط.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ غودرون لا تختار. يعطيها أبوها لسيغورذ، وتعطيها أمّها لأتلي بشراب النسيان، وتحملها الأمواج إلى يوناكر. لكنّها حين تختار تختار الدم: تحزن على زوجها الذي قتله إخوتها، ثم تنصر إخوتها على زوجها الذي قتلهم، وتقتل لأجلهم أبناءها منه، ثم ترسل أبناءها من الثالث إلى الموت ثأراً لأختهم. ودموعها في القصّة محبوسة ثم مطلقة: لا تبكي على سيغورذ حتى يُكشف وجهه، ولا تبكي في قاعة الهون، ثم تجلس في آخر أمرها تبكي وتعدّ.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقالين لا يقرآنه. Guðrún «غُوذْرُون» مركّب من guð «غُوذ»، وهي الصيغة القديمة لـgunnr «غُونّْر»، أي الحرب والقتال، ومن rún «رُون»، أي السرّ والهمس. نقرأ الشطر الأوّل «جُنْد»: الجيم تصير غيناً معقودة، والنون تسقط في guð «غُوذ» وتبقى في gunnr «غُونّْر»، والدال ذال. والجند في معجم لين الجيش، والجماعة من الرجال المعدّة للحرب. ونقرأ الشطر الثاني «رَنّة»: رنّ ورنّت المرأة رفعت صوتها بالبكاء، و«أرنّت النساء في نياحتهنّ» صحن، و«رنّ إليه» أصغى إليه. فغودرون على هذه القراءة رنّة الجند: المرأة التي ترسل الهمس والرونات إلى إخوتها، وتصيح على القتلى، وهو ما تجعله القصّة: أنذرت إخوتها برسالة سرّية، وجلست على كلّ من مات من أهلها تبكي، ولبست الدرع وقاتلت في صفّهم.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Guðrún | غُوذْرُون | الرفع، «أنشودة غودرون الأولى» 1 |
| at Guðrúnu | آت غُوذْرُونُو | «عند غودرون»، «قصيدة أتلي» 33 |
| Guðrúnar-kviða، Guðrúnar-hvöt | غُوذْرُونَارْكْفِيذا، غُوذْرُونَارْهْفُوت | الإضافة، في أسماء القصائد |
| Gjúka dóttir | غْيُوكَا دُوتِّير | «ابنة غيوكي»، «أنشودة غودرون الأولى» 16 |
| gunnr، guðr | غُونّْر، غُوذْر | الحرب والقتال |
| rún، rúnar | رُون، رُونَار | السرّ والهمس؛ الرونات |
يقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ gunnr «غُونّْر» الحرب والقتال، وصيغتها الأقدم guðr «غُوذْر»، ولا تأتي إلّا في الشعر، وإنّها تأتي في أسماء الرجال كغونّار، وفي أسماء النساء كغونّهيلد، وفي آخرها كهيلدغونّ. ويجعل أورل أصلها *gunþz «غُونْثْز»، ويذكر أنّ البرغنديين قالوها *gunþs «غُونْثْس»، ويقرنها بالحثّية kuen- «كْوِين»، ضرب وقتل، والسنسكريتية hánti «هَنْتِي»، يضرب ويقتل. فالنون أصلية، أدغمت في gunnr «غُونّْر» وسقطت في guðr «غُوذْر».
وفي معجم لين، مادّة «جند»: الجُنْد الجيش، والجماعة من الرجال المعدّة للحرب، والأعوان، وجنّد الجنود جمعها. فالكلمتان من حقل واحد: الحرب في النوردية، والجيش الذي يحارب في العربية. والجيم تصير غيناً معقودة في قوانين مشروع جذور، كما في «جمل» و«كاميل»، والنون نون. وموضع الضعف أنّ الثاء الجرمانية في *gunþz «غُونْثْز» تقابل في قانون غريم تاءً قديمة، والدال العربية تقابل في هذا القانون تاءً جرمانية، فالدال هنا لا تجري على القاعدة. لكنّ معجم كرونن للجرمانية الأولى يبيّن أنّ هذه الثاء ليست من أصل الكلمة: gunnr «غُونّْر» وguðr «غُوذْر» عنده من صيغة مؤنّثة قديمة بلاحقة فيها التاء، مبنيّة على أصل معناه قتل، هو أصل الحثّية والسنسكريتية. فأصل الكلمة الجيم والنون وحدهما، و«جُنْد» تقابلهما بحرفيها الأوّلين، وتقع دالها حيث تضع الجرمانية اللاحقة. فانتقل موضع الضعف من الأصل إلى اللاحقة، وبقي أنّ معنى الأصل القتل، ومعنى «جند» الجيش.
ويقول المعجم النوردي إنّ أصل rún «رُون» «التفتيش والسرّ والحديث الخفيّ»، وإنّ القوطية runa «رُونا» تترجم في إنجيل وولفيلا اليونانية «السرّ» و«المشورة»، وإنّ من معانيها «همس المرأة»، ويستشهد بقصيدتين من قصائد غودرون نفسها: «دعوتُ الهون إلى المشورة» في «تحريض غودرون» 12، و«انحنينا معاً إلى الهمس» في «أنشودة غودرون الثالثة» 4، حين تقسم غودرون أنّها لم تفعل مع ثيودريك إلّا أن جلسا يتهامسان بأحزانهما. وفي معجم لين، مادّة «رنن»: رنّ رفع صوته بالبكاء، والرنين الصياح في البكاء أو الصوت الحزين، و«أرنّت المرأة في نياحتها»، و«رنّ إليه» أصغى. فالراء والنون تجمعان في العربية الصوت والإصغاء، وتجمعان في النوردية الهمس والسرّ.
السرديات الأسطورية الرئيسة
الماء المغلي
في «أنشودة غودرون الثالثة» تقول هيركيا، أمة أتلي وخليلته، إنّها رأت غودرون مع ثيودريك تحت غطاء واحد. فتقسم غودرون عند الحجر الأبيض المقدّس أنّها لم تعانقه إلّا مرّة، وأنّهما جلسا يتهامسان بأحزانهما، وتطلب أن يُدعى الرجل الذي يقدّس القدر المغلي. فيدخل سبعمئة رجل، فتغمس يدها البيضاء إلى قاع القدر وتخرج الحجارة الكريمة وتقول: انظروا، قد بُرّئت. فيضحك قلب أتلي حين يرى يديها سليمتين، ثم تغمس هيركيا يدها فتحترق، فيقودونها إلى مستنقع. ويقول البيت الثامن ما تحت هذا كلّه: لا يأتي غونّار، ولا أنادي هوغني، ولو كان هوغني لأخذ لي بثأر هذا العار بسيفه، والآن أبرّئ نفسي بنفسي.
لغة الطير
يقول النثر في أوّل «أنشودة غودرون الأولى» إنّ الناس يقولون إنّ غودرون أكلت من قلب فافنير، فكانت تفهم أصوات الطير، كما فهمها سيغورذ حين ذاق دم القلب.
القوط وراء القصّة
يروي المؤرّخ يورْدانيس في القرن السادس أنّ هيرمانريك ملك القوط أمر بامرأة اسمها سونيلدا فرُبطت إلى خيل جامحة ومُزّقت، لأنّ زوجها خانه، فطعن أخواها ساروس وأمّيوس الملك في جنبه، فعاش عليلاً حتى مات. فهذا هو يورمونريك في «أنشودة همذير»، وسفانهيلد التي داستها الخيل، وأخواها همذير وسورلي. أمّا موت أتلي في فراشه بيد امرأة فله شاهد آخر في صفحة أتلي. يوردانيس، «تاريخ القوط» 24.129–130.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة أساطير الشمال الفالكيريات نساءً يخترن، وتقول إنّ المرأة في المجتمع الإسكندنافي كانت تملك حقّ اختيار زوجها. وغودرون، بجانب برينهيلد، هي الوجه الآخر لهذه الصورة. برينهيلد تختار ولا تُخدع إلّا في اختيارها، وغودرون لا يُسألها أحد: تقول في «أنشودة غودرون الثانية» إنّ أباها «زيّنها بالذهب وأعطاها سيغورذ»، وتُزوّج أتلي وهي تقول لا، فلا يبقى لها من الاختيار إلّا الثأر.
والقصائد تجعلها صوتاً قبل أن تكون فعلاً: ثلاث أناشيد ترويها هي، و«تحريض غودرون» يبدأ بقولها وينتهي بأنّ «هذا النواح قد رُوي ليخفّ حزن النساء». فالقصّة تحفظ عمل المرأة في المأتم، تبكي القتيل وتعدّ أحزانها وتحرّض على الثأر، وتجعله عمل غودرون كلّه.
التوازيات عبر الحضارات
أقرب النساء إلى غودرون في أساطير الإغريق ميديا في خبر ياسون. نقض ياسون العهد الذي حلفه لها، فقتلت ابنيها منه لتعاقبه بهما. وغودرون تقتل ابنيها من أتلي لأنّه قتل إخوتها ونقض أيمانه لغونّار، وتذكّره في «قصيدة أتلي» بتلك الأيمان. والفرق أنّ ميديا تنتقم لنفسها من زوج تركها، وغودرون تنتقم لإخوتها من زوج قتلهم.
وفي «التحوّلات» لأوفيد تقتل بروكني ابنها إيتيس، وتطبخه وتقدّمه إلى أبيه تيريوس لأنّه اغتصب أختها وقطع لسانها، فيطلب الأب ابنه وهو يأكل، فتقول له: الذي تطلبه في داخلك. وغودرون تقول لأتلي: أكلت قلوب أبنائك بالعسل. في الخبرين امرأة تثأر لأهلها من زوجها، فتطعمه أبناءها منه ثم تخبره.
ويقتل همذير وسورلي أخاهما إيرب في الطريق، ثم يقول همذير حين يقطعان يدي يورمونريك ورجليه: لو كان إيرب حيّاً لكان الرأس قد سقط الآن. وفي «الشاهنامه» يقتل رستم ابنه سهراب في المبارزة ثم يعرف من هو. في الخبرين يقتل الرجل قريبه بيده، ثم يعرف بعد فوات الوقت أنّه كان حاجته.
والرسالة التي أرسلتها غودرون إلى إخوتها رونات منقوشة غيّرها رسول أتلي وقرأتها كوستبيرا، فهي من شواهد الرونات كتابةً تحمل الخبر وتُزوَّر وتُقرأ.