آسك وإمبلا

ملخص

آسْك وإِمْبْلا أوّل رجل وأوّل امرأة في أساطير الشمال الإسكندنافي، صنعهما الآلهة من خشب، ومنهما نسل الناس. تروي العرّافة في «نبوءة العرّافة» «فُولُوسْبَا» أنّ ثلاثة من الآسير، أقوياء محبوبين، خرجوا من جماعتهم إلى بيت، فوجدوا على اليابسة آسك وإمبلا، قليلَي القدرة، بلا قدر. لم يكن فيهما نفَس ولا روح، ولا لين ولا حركة، ولا لون حسن. فأعطاهما أودين النفَس، وأعطاهما هُونِير الروح، وأعطاهما لُوذُور اللين واللون الحسن.

ويروي سنوري الخبر في «خداع غيلفي» «غِيلْفَاغِينِينْغ» على وجه آخر. لمّا صنع أبناء بور الأرض والسماء من جسد يمير، ورتّبوا الشمس والنجوم وقسموا الأيّام، كانوا يمشون على شاطئ البحر، فوجدوا شجرتين، فأخذوهما وصنعوا منهما الناس. أعطى الأوّل النفَس والحياة، والثاني العقل والحركة، والثالث الوجه والكلام والسمع والبصر، وأعطوهما ثياباً وأسماء: الرجل آسك والمرأة إمبلا، «ومنهما نشأ جنس البشر، الذين أُعطوا مسكناً في ميدغارد». ثم بنى الآلهة لأنفسهم حصناً في وسط العالم هو أسغارد. «خداع غيلفي»، 9.

والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ الإنسان خشب أُعطي النفَس. كان آسك وإمبلا موجودين قبل أن يُصنعا، ملقيين على الأرض، لكنّهما لا يقدران على شيء، فالذي أعطاه الآلهة لم يكن الجسد، وإنّما ما يجعل الجسد حيّاً: النفَس والروح واللون والحركة. وتذكر القصيدة شيئاً آخر كان ينقصهما: كانا «بلا قدر». وفي البيتين التاليين يأتي هذا القدر. تقف يغدراسيل، وتسمّيها القصيدة askr «أَسْكْر»، أي الدردارة، وهو اسم الرجل الأوّل نفسه، ومن البحيرة التي تحتها تخرج ثلاث فتيات، النورنات، «يضعن الشرائع، ويخترن الحيوات لأبناء الناس، أقدار الرجال». فالرجل الأوّل يحمل اسم الشجرة التي تقوم عليها العوالم، والقدر الذي لم يكن له يأتيه من عند جذرها. وفي آخر الزمان يعود الناس إلى الشجر: بعد راغناروك يختبئ رجل وامرأة، لِيف ولِيفْثْراسِير، في غابة هودّميمير، يأكلان ندى الصباح، ومنهما يُعمر العالم من جديد.

أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقالين لا يقرآنهما: الراء في Askr «أَسْكْر» علامة الرفع، تسقط في النصب فتقول القصيدة Ask «أَسْك»، فيبقى السين والكاف. والسين سين، والكاف تقابل القاف العربية في مقابلات مشروع جذور، فهو «ساق». والساق في معجم لين ما بين أصل الشجرة ومتشعّب أغصانها، أي جذعها، والساق من الإنسان ما بين الركبة والقدم. فآسك على هذه القراءة الساق: جذع صار رجلاً يقف على ساقين، والكلمة في العربية واحدة للشجرة والإنسان، وهذا ما تجعله القصّة. أمّا Embla «إِمْبْلا» فتُكتب في مخطوطة أوبسالا Emla «إِمْلا»، وألفها الأخيرة علامة التأنيث، فيبقى في الصيغتين الميم أو الباء ثم اللام. وفي العربية للحمل كلمتان يقول المعجم إنّهما بمعنى واحد، «الحَمْل» و«الحَبَل»، ومن الثانية «الحُبْلى»، المرأة الحامل، وفي آخرها ألف التأنيث كما في آخر الاسم النوردي. فإذا سقطت الحاء، كما تسقط حروف الحلق في اللغات التي لا حلق فيها، كانت الصيغة الأولى «حَمْلاً» والثانية «حَبَلاً» والميم قبله. فإمبلا على هذه القراءة الحُبْلى، أمّ الناس، وهذا ما تقوله القصّة: «ومنهما نشأ جنس البشر».

الجذر اللغوي

آسك و«الساق»، وإمبلا و«الحَبَل»

الصيغة النطق ما هي
Askr أَسْكْر الاسم في الرفع
Ask أَسْك النصب، «نبوءة العرّافة» 17
askr أَسْكْر اسم عامّ: الدردارة، وما يُصنع من خشبها: الرمح والقارب
Embla إِمْبْلا الاسم في الرفع
Emblu إِمْبْلُو غير الرفع، «نبوءة العرّافة» 17
Emla إِمْلا الاسم في مخطوطة أوبسالا من «الإدّا النثرية»
emblu-askr إِمْبْلُو أَسْكْر مركّب في شعر إيغيل
ساق العربية: جذع الشجرة، وساق الإنسان
حَبَل، حُبْلى، حَمْل العربية: الحمل، والمرأة الحامل

يقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ askr «أَسْكْر» الدردارة، ثم كلّ ما يُصنع من خشبها: الرمح، لأنّ قناته من الدردار، والقارب الصغير، ويستشهد بـ«نبوءة العرّافة» التي تسمّي يغدراسيل askr «أَسْكْر». ويقول في embla «إِمْبْلا» إنّها كلمة من الأساطير لا تأتي إلّا في «نبوءة العرّافة» 17 وفي «الإدّا» بعدها، وإنّ الآلهة وجدوا شجرتين لا حياة فيهما، الدردارة وembla «إِمْبْلا»، فصنعوا من الأولى الرجل ومن الثانية المرأة، ثم يقول: «السؤال: أيّ شجرة كانت إمبلا؟» فبعضهم يقلب حروف álmr «آلْمْر»، أي شجرة الدردار الأخرى المسمّاة بالإنجليزية elm «إِلْم»، وبعضهم يرى في المركّب emblu-askr «إِمْبْلُو أَسْكْر» في شعر إيغيل دليلاً على أنّها من قرابة الدردارة. ويجعلهما فولكس في فهرسه أوّل ذكر وأوّل أنثى من البشر.

وفي معجم لين، مادّة «سوق»: الساق من الإنسان ما بين الركبة والقدم، ومن الشجرة جذعها، ما بين أصلها والموضع الذي تتشعّب منه أغصانها، وجمع القلّة «أَسْوُق» و«أَسْؤُق». ويذكر المعجم أنّ الساق تُقال مجازاً للنفس. وفي مادّة «حبل»: «حَبِلَت المرأة: حملت»، و«الحَبَل والحَمْل بمعنى واحد، أو الأوّل للناس والثاني لغيرهم»، والمرأة «حُبْلى».

والمقابلة في آسك تحفظ السين، وتجعل الكاف مقابلة للقاف كما تقابلها في أكثر الكلمات التي دخلت اللغات الأوروبية. ويبقى في أوّل الاسم النوردي حركة لا تقابلها في «ساق» حركة، وإن جاء جمع القلّة «أَسْوُق» بها في أوّله، وهذا شبه في الصورة لا يفسّرها. وفي إمبلا تسقط الحاء، وحروف الحلق في قوانين مشروع جذور تسقط في أكثر مواضعها، وتبقى الميم والباء واللام، والصيغتان النورديتان تحفظان حروف الكلمتين العربيتين.

السرديات الأسطورية الرئيسة

روايتان للخلق

تختلف «نبوءة العرّافة» و«خداع غيلفي» في الصانعين وفي العطايا. في القصيدة أودين وهونير ولوذور، وفي النثر أبناء بور، أي أودين وأخواه فيلي وفي. وفي القصيدة يجد الثلاثة الشجرتين «على اليابسة» عند بيت، وفي النثر يجدونهما على شاطئ البحر. وفي القصيدة ثلاث عطايا تجعل الخشب جسداً حيّاً: النفَس، وóðr «أُوذْر»، وهي الروح والإلهام، ثم اللين واللون، وفي النثر سبع: النفَس والحياة، والعقل والحركة، والوجه والكلام والسمع والبصر، ثم يزيد الثياب والأسماء. والكلمة التي أعطاها هونير، óðr «أُوذْر»، هي التي يصل بها المعجم الجرماني اسم أودين نفسه.

الشجرة المرشوشة

يقول البيت الذي يلي خبر آسك وإمبلا إنّ الدردارة يغدراسيل «مرشوشة بالطين الأبيض». ويقول مترجم القصيدة إنّ الفعل في هذا الموضع هو الفعل نفسه الذي يُقال لرشّ الطفل بالماء حين يُعطى اسمه. فالشجرة التي يحمل الرجل الأوّل اسمها تُرشّ كما يُرشّ المولود عند التسمية، وفي النثر يُعطى آسك وإمبلا اسميهما بعد النفَس.

بداية الناس ونهايتهم

يقول سنوري عن آسك وإمبلا: «ومنهما نشأ جنس البشر»، وتقول «أقوال فافثرودنير» عن ليف وليفثراسير: «ومنهما تنشأ الأجيال». والفعل في الجملتين فعل واحد في النوردية، ala «أَلا»، أي غذّى ونمّى، في صيغته المطاوعة: ólst «أُولْسْت» في النثر، وalask «أَلاسْك» في القصيدة، فالقصيدة والنثر يصفان بداية الناس الأولى وبدايتهم الثانية بكلمة واحدة. وفي الأولى شجرتان على الشاطئ، وفي الثانية غابة يختبئ فيها الاثنان من نار سُرتر، وخبرهما في الشتاء العظيم. «خداع غيلفي»، 9 و53، «أقوال فافثرودنير»، 45.

القراءة الرمزية

لا يقرأ المقالان آسك وإمبلا. لكنّ المقال النوردي يقرأ يغدراسيل شبكة من الحياة، جذوراً وجذعاً وأغصاناً، يقوم عليها نظام العيش كلّه. وعلى هذه القراءة، وهي تطبيق لقراءة المقال على هذه القصّة لا قراءة منه لآسك وإمبلا، يُصنع الإنسان من الجذع نفسه الذي تقوم عليه تلك الشبكة، ويأخذ من عند جذره قدره. والذي في النصّ نفسه خشب ملقى بلا حركة، ونفَس ولون يُعطيان، ثم اسم وثياب.

التوازيات عبر الحضارات

أقرب الروايات إليهما الرواية الإيرانية. يقول «البُندَهِشن» إنّ الرجل الأوّل والمرأة الأولى، مَشْيِه ومَشْيانِه، نبتا من الأرض في صورة نبتة ريباس ذات ساق واحدة، ملتصقين لا يُعرف الذكر منهما من الأنثى، ثم تحوّلا من صورة النبات إلى صورة الإنسان، ودخل فيهما النفَس، وهو الروح، فقال لهما أورمزد: «أنتما الإنسان، وأنتما أصل العالم». ففي الروايتين يخرج الزوج الأوّل من نبات، ويصير إنساناً حين يُعطى النفَس.

وفي سفر التكوين يجبل الربّ الإنسان من تراب الأرض، وينفخ في أنفه نسمة الحياة، ثم يبني المرأة من ضلعه. والنفَس هنا عطيّة الصانع كما هو عند أودين، لكنّ المادّة تراب لا خشب، والمرأة تُصنع من الرجل لا معه. وفي القرآن: ﴿خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبثّ منهما رجالاً كثيراً ونساء﴾، وهو معنى «ومنهما نشأ جنس البشر».

ويجبل بروميثيوس الناس من الماء والتراب عند أبولودوروس، وتعجن نوا التراب الأصفر فتشكّل الناس بيديها، ويصنع خنوم الإنسان على عجلة الفخّار. فالمادّة في أكثر الروايات طين يُشكَّل، وفي الشمال وإيران شجر ونبات يُوجد قائماً ثم يُعطى الحياة.

وهذه الروايات كلّها مجموعة في خلق الإنسان، وصلة الرجل الأوّل باسم الشجرة التي تقوم عليها العوالم في شجرة العالم.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. «نبوءة العرّافة»، 17–20 والحاشية 27، «خداع غيلفي»، 9 و53، «أقوال فافثرودنير»، 45.

  2. «البندهشن»، 15، ترجمة وِسْت، التكوين 2: 7 و2: 22، النساء 1، أبولودوروس، 1.7.1.

  3. كليسبي وفيغفوسون، askr «أَسْكْر» وembla «إِمْبْلا»، فولكس، فهرس الأعلام، ص 163 و165.

  4. معجم لين، سوق وحبل.