البْلُوت

ملخص

البْلُوت، blót «بْلُوت»، العبادة والقربان عند أهل الشمال: يذبح الناس الحيوان، ويرشّون دمه على المذبح والجدران وعلى أنفسهم، ويطبخون لحمه، ويأكلونه معاً، ويشربون الأنخاب للآلهة. ويقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّه العبادة التي فيها الذبح، وخاصّةً وليمة القربان، وإنّ أعظمها ثلاثة في السنة: عند دخول الشتاء، وفي منتصف الشتاء، وعند أوّل الصيف. وينسب سنوري هذه الثلاثة إلى شريعة أودين: «قربان عند الشتاء لسنة طيّبة، وفي منتصف الشتاء للنماء، والثالث في الصيف، وهو قربان النصر».

وأوضح وصف له في «ملحمة هاكون الصالح». يقول سنوري إنّ العادة القديمة أنّه إذا كان قربان جاء الفلّاحون كلّهم إلى المعبد، وحملوا معهم ما يحتاجون إليه مدّة الوليمة، وكان على كلّ واحد أن يأتي بالجعة. وتُذبح هناك أنواع الماشية والخيل أيضاً، والدم كلّه يُسمّى hlaut «هْلاوْت»، والأوعية التي يُجمع فيها أوعية الهلاوت، وله عصيّ مثل المرشّات، يُلطّخ بها المذبح كلّه، وجدران المعبد من الخارج والداخل، ويُرشّ بها الناس. ويُطبخ اللحم للوليمة في قدور فوق نيران في وسط أرض المعبد. ويُدار بالكؤوس حول النار، ويبارك صاحب الوليمة الكأس وطعام القربان كلّه. فالكأس الأولى لأودين، تُشرب للنصر والمُلك للملك، ثم كأس نيورذ وكأس فرير لسنة طيّبة وللسلام، ثم يشرب كثير منهم كأس براغي، ويشربون كؤوس أقاربهم الذين كانوا عظماء، وتُسمّى «الذِّكَر».

وكان هاكون الصالح قد نشأ مسيحيّاً في إنجلترا، فلمّا ملك النرويج أراد أن يدخل أهلها في دينه. فاجتمع الفلّاحون في مجلس فْرُوسْتا وأبوا، وقالوا: نريد أن يقرّب الملك القرابين لسنة طيّبة وسلام كما كان يفعل أبوه. فلمّا كانت وليمة القربان في هْلاذِير عند أوّل الشتاء جلس الملك على كرسيّه، وصُبّت الكأس الأولى، فباركها سيغورذ الجارل لأودين وشرب منها للملك، فأخذها الملك ورسم عليها الصليب. فقال كار من غْرِيتِينْغ: لماذا يفعل الملك هذا؟ ألا يريد أن يقرّب؟ فقال سيغورذ: يفعل الملك كما يفعل كلّ من يثق بقوّته، فهو يبارك كأسه لـثور، رسم عليها علامة المطرقة قبل أن يشرب. وفي اليوم التالي ألحّ الفلّاحون على الملك أن يأكل من لحم الخيل، فأبى، فطلبوا أن يشرب من المرق، فأبى، وأن يأكل من الدهن، فأبى، وكادوا يهجمون عليه، فأصلح سيغورذ بينهم بأن فتح الملك فمه فوق مقبض القدر الذي صعد إليه بخار لحم الخيل، بعد أن لفّ عليه منديلاً من كتّان، فلم يرضَ أحد الفريقين. وفي عيد منتصف الشتاء في مايْرِي تحالف ثمانية من رؤساء القرابين، أربعة يهدمون الدين الجديد، فقتلوا ثلاثة قسوس وأحرقوا ثلاث كنائس، وأربعة يُكرهون الملك على القربان. فلمّا اجتمعوا أصلح سيغورذ بينهم مرّة أخرى، «فأكل الملك هاكون لقماً من كبد الفرس، وشرب الأنخاب كلّها التي صبّها له الفلّاحون بلا صليب».

وعند السويديين في أوبسالا يصف آدم من بريمن، في القرن الحادي عشر، معبداً «كلّه من ذهب» فيه تماثيل ثلاثة آلهة: ثور في الوسط، وهو عندهم ربّ الهواء والرعد والبرق والريح والمطر والصحو والزرع، وعن جانبيه ووتان، أي أودين، ربّ الحرب، وفريكو، أي فرير، معطي السلام واللذّة. «فإن هدّد الوباء والمجاعة قرّبوا لثور، وإن كانت حرب فلووتان، وإن كان زواج فلفريكو». وفي كلّ تسع سنين عيد مشترك لأقاليم السويد كلّها في أوبسالا لا يُعفى منه أحد، «يُقدَّم فيه من كلّ ذكر حيّ تسعة رؤوس، يُسترضى بدمها الآلهة، وتُعلّق أجسادها في البستان الذي بجانب المعبد»، وتُعدّ كلّ شجرة فيه مقدّسة بموت الذبائح، وتُعلّق فيه الكلاب والخيل مع الناس، وقال له مسيحيّ إنّه رأى هناك اثنين وسبعين جسداً معلّقة.

ومن أقدم ما كُتب عن قرابين أهل الشمال ما كتبه أحمد بن فضلان بالعربية سنة 309 للهجرة عن تجّار الروس على نهر الفولغا: «ومعه خبز ولحم وبصل ولبن ونبيذ، حتى يوافي خشبة طويلة منصوبة لها وجه يشبه وجه الإنسان، وحولها صور صغار، وخلف تلك الصور خشب طوال قد نُصبت في الأرض، فيوافي إلى الصورة الكبيرة ويسجد لها، ثم يقول لها: يا ربّ، قد جئت من بلد بعيد ومعي من الجواري كذا وكذا رأساً ومن السمّور كذا وكذا جلداً»، ثم يقول: «وجئتك بهذه الهديّة»، ويطلب أن يرزقه تاجراً معه دنانير ودراهم كثيرة يشتري منه كلّ ما يريد. فإذا تعسّر بيعه عاد بهديّة ثانية وثالثة، وأهدى إلى الصور الصغار يستشفع بها، ويقول: «هؤلاء نساء ربّنا وبناته وبنوه». فإذا باع قال: «قد قضى ربّي حاجتي، وأحتاج أن أكافئه»، فيذبح عدداً من الغنم أو البقر، ويتصدّق ببعض اللحم، ويطرح الباقي بين يدي الخشبة الكبيرة والصغار، ويعلّق رؤوس البقر أو الغنم على الخشب المنصوب، فإذا كان الليل جاءت الكلاب فأكلت ذلك كلّه، فيقول: «قد رضي ربّي عنّي وأكل هديّتي».

والفكرة التي يدور عليها البلوت أنّ الآلهة والناس يأكلون من قدر واحدة. الدم للآلهة وللمذبح والجدران، ويُرشّ منه على الناس فيدخلون معهم فيه، واللحم يأكله الجمع، والأنخاب تربط الملك بالآلهة وبالأجداد في مجلس واحد. ولذلك كان رفض الأكل رفضاً للجماعة كلّها: لم يكن الفلّاحون يطلبون من هاكون أن يؤمن بأودين، وإنّما أن يأكل معهم. والقربان عند ابن فضلان صفقة صريحة: هديّة قبل البيع، وذبيحة بعده، وأكل الكلاب علامة القبول.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ هذه الكلمة. blót «بْلُوت» باء ولام وتاء. ونقرؤه «فِلْذ» و«فِلْذة»: يقول لين إنّ «فلذ له من ماله» قطع له قطعة من ماله أو أعطاه منه في الحال، وإنّ الفِلْذ كبد البعير، والفِلْذة القطعة من الكبد تُقطع طولاً، ومن اللحم، ومن المال، ومن الذهب والفضّة. فالكلمة تجمع ما في البلوت: نصيب يُقطع من مال البيت للآلهة، ولحم يُقسم، وكبد يؤكل، كما أكل هاكون لقماً من كبد الفرس. واللام لام، والذال تصير تاءً في غير العربية كما في جدول مشروع جذور. أمّا الفاء فيقابلها في الجرمانية الباء، كما تقابل الباءُ الجرمانية الفاءَ اللاتينية في كلمة الكاهن flāmen «فْلامِن» التي يقرنها المعجميّون بالبلوت.

الجذر اللغوي

الصيغة النطق ما تبيّنه
blót بْلُوت العبادة والقربان ووليمته
blóta بْلُوتا قرّب، وعبد
blotan بْلُوتان في القوطية: خدم وعبد
hlaut، hlautteinar هْلاوْت، هْلاوْتْتَيْنار دم الذبيحة، وعصيّ رشّه
flāmen فْلامِن كاهن الإله في روما
فِلْذ، فِلْذة فِلْذ، فِلْذة العربية التي نقرأ بها الاسم: القطعة من الكبد واللحم والمال

يجعل كرونن الفعل *blōtan- «بْلُوتان» بمعنى قرّب، ومنه القوطي blotan «بْلُوتان»، خدم وعبد، والنوردي blóta «بْلُوتا»، عبد وقرّب، والإنجليزي القديم blōtan «بْلُوتان»، قرّب. ويقول إنّ ربطه القديم باللاتيني flāmen «فْلامِن»، الكاهن، ممكن لكنّه غير مؤكّد، لأنّه لا يُعرف أكان جذر الكلمة اللاتينية fla- أم flad- أم flag-، ويقترح ربطاً آخر بجذر معناه الدعاء، يشهد له الليتواني blėdėti «بْلِيدِيتي»، أي هذى، والكلمة الفنلندية المأخوذة من الجرمانية luote «لُوتِه»، أي الرقية. ويقول كليسبي وفيغفوسون إنّ أُولْفِيلا ترجم بكلمة من هذا الجذر الكلمتين اليونانيّتين للعبادة.

فالقراءة تتناول الكلمة كلّها: الفاء في مكان الباء، واللام لام، والذال في مكان التاء، والواو الطويلة حركة. والذال تصير تاءً أو دالاً في غير العربية كما في جدول مشروع جذور. أمّا الفاء فلا يجعلها الجدول باءً، وإنّما تأتي الصلة من جهة flāmen «فْلامِن»: الباء الجرمانية والفاء اللاتينية ترجعان عند المعجميّين إلى حرف واحد قديم، فإذا صحّ أنّ البلوت والفلامن كلمة واحدة كانت الفاء العربية أقرب إلى الصورة اللاتينية. وحدّ القراءة أنّ هذه الصلة نفسها غير مؤكّدة عند كرونن، وأنّ ربطه الآخر بالدعاء يجعل البلوت كلاماً يُقال لا نصيباً يُقطع.

السرديات الأسطورية الرئيسة

آوْن الذي قرّب أبناءه

يروي سنوري في «ملحمة ينغلينغا» أنّ آون ملك السويد كان رجلاً عاقلاً «كثير القرابين»، فلمّا بلغ الستّين قرّب قرباناً عظيماً ليطول عمره، وأعطى أودين ابنه، فأجابه أودين أنّه سيعيش ستّين سنة أخرى. ثم قرّب ابناً ثانياً، فقال له أودين إنّه سيعيش ما دام يعطيه ابناً كلّ عشر سنين. فلمّا قرّب سبعة من أبنائه عاش عشر سنين لا يقدر أن يمشي، فكان يُحمل على كرسيّ، ثم قرّب الثامن فعاش عشراً راقداً في فراشه، ثم التاسع فعاش عشراً يشرب من القرن كما يشرب الرضيع. ثم أراد أن يقرّب ابنه الأخير، وأن يعطي أودين أوبسالا وما حولها، فمنعه السويديون، فمات، وسمّوا الموت من الهرم بلا علّة «داء آون».

دُومالْدي الذي قُرِّب

وفي أيّام الملك دومالدي وقع في السويد جوع شديد، فقرّب السويديون في أوبسالا في الخريف الأوّل الثيران فلم تتحسّن السنة، وفي الخريف الثاني الناس فبقيت السنة كما هي أو أسوأ. فلمّا جاء الخريف الثالث اتّفق الرؤساء على أنّ الجوع من الملك نفسه، فقتلوه وقرّبوه لسنة طيّبة، «ولطّخوا المذابح بدمه».

القراءة الرمزية

لا تقرأ مقالات الشمال كلمة البلوت. وفي «ملحمة هاكون» صورة واضحة لما كان عليه القربان في المجتمع: الفلّاحون هم الذين يجتمعون ويحملون طعامهم وجعتهم، والجارل يتولّى النفقة نيابة عن الملك، والملك يُطلب منه أن يأكل ليبقى ملكاً. والقربان عند الجوع يرتفع درجة بعد درجة، من الثيران إلى الناس إلى الملك نفسه، لأنّ الملك عندهم مسؤول عن السنة.

التوازيات عبر الحضارات

يقول هيرودوت إنّ الفارسيّ إذا أراد أن يقرّب لإله قاد الذبيحة إلى موضع طاهر، ودعا للملك وللفرس كلّهم لا لنفسه وحده، ثم قطّعها وطبخ لحمها ووضعه على عشب ليّن، «ثم يأتي واحد من المجوس فينشد عليه نشيد مولد الآلهة، ولا يجوز قربان بلا مجوسيّ»، ثم يحمل صاحب القربان اللحم ويصنع به ما يشاء. ففي الموضعين اللحم مطبوخ يأكله أهله، والدعاء للملك وللجماعة.

وعند الإغريق يروي هيسيود قسمة القربان الأولى في ميكوني: ذبح بروميثيوس ثوراً، فجعل اللحم والأحشاء في الجلد لبني الإنسان، وجعل العظام البيض مغطّاة بالدهن لزيوس، فاختار زيوس الدهن. فاللحم عند الإغريق وأهل الشمال جميعاً للناس، ونصيب الآلهة عند الإغريق دخان العظم، وفي الشمال الدم على المذبح والجدران.

وفي روما يذبح كهنة اللوبركاليا المعز وكلباً، ثم يمسّون جباه شابّين بالسكّين الملطّخة بالدم ويمسحونها بالصوف المبلول باللبن، كما يُرشّ الهلاوت على الناس في البلوت، فيصير الدم في الموضعين علامة على أجساد الحاضرين.

وفي الهند يصبّ صاحب القربان في اليَجْنا السمن والطعام وعصير السوما في النار، فتحمله النار، وهي أغني، إلى الآلهة، فتأتي الآلهة وتجلس على العشب المفروش حول النار، كما يأتي أودين وثور وفرير إلى الوليمة في الشمال في كؤوسها. ويختلفان في أنّ نصيب الآلهة في الهند ما تحمله النار، وفي الشمال الدم والأنخاب.

وقربان أوّل الشتاء ومنتصفه وأوّل الصيف من أعياد السنة الزراعية، ومنه قربان الديسير وقربان الألفار، وكأس فرير ونيورذ «لسنة طيّبة وسلام» من صور الزواج المقدّس في أوبسالا، حيث يقول سنوري إنّ فرير بنى المعبد.

نظراؤه في ميثولوجيات أخرى

صفحات تشير إلى هنا

صفحات قريبة

تجمعها بهذه الصفحة صلةٌ في الجذر أو الميثولوجيا أو الموضوع، من غير إحالةٍ صريحة بينهما

المراجع

  1. «ملحمة هاكون الصالح»، النصّ النوردي؛ «ملحمة ينغلينغا».

  2. آدم من بريمن، «أعمال أساقفة كنيسة هامبورغ»، طبعة 1876.

  3. «رسالة ابن فضلان»، تحقيق سامي الدهّان، دمشق 1959.

  4. كليسبي وفيغفوسون، البلوت؛ كرونن، المعجم الاشتقاقي للجرمانية الأولى.

  5. معجم لين، فلذ.

  6. هيرودوت 1.132؛ هيسيود، «أنساب الآلهة»؛ بلوتارخ، رومولوس.

  7. «ريغ ڤيدا» 1.1 و1.12