ملخص
أَنْتَايُوس عملاق من أهل ليبيا في أساطير اليونان، وليبيا عندهم شمال إفريقيا كلّه. هو ابن پوسيدون، وأمّه في أكثر الروايات الأرض، غايا، وكان يصارع الغرباء الذين يمرّون ببلده فيقتلهم، ولا يُغلب ما دام جسده يمسّ الأرض، حتى جاءه هيراكليس فرفعه عنها وقتله في الهواء.
أقدم من يذكره الشاعر پِنْدَار في القرن الخامس قبل الميلاد. يقول في نشيده الإسثمي الرابع إنّ بطلاً قصير القامة لا ينثني قلبه خرج من طيبة إلى بيت أنتايوس في ليبيا الكثيرة القمح، ليمنعه من أن يسقف معبد پوسيدون بجماجم الغرباء. ويقول أَبُولُّودُور في «المكتبة» إنّ هيراكليس عبر ليبيا في طريقه إلى تفّاح الهِسْبِيرِيدَات، وكان يحكمها أنتايوس ابن پوسيدون، يُكره الغرباء على المصارعة فيقتلهم. فلمّا صارعه هيراكليس احتضنه ورفعه عالياً فكسره وقتله، لأنّه كان إذا مسّ الأرض ازداد قوّة، ولذلك قال بعضهم إنّه ابن الأرض. ويروي لُوكَان القصّة بتفصيل أكثر على لسان رجل من أهل البلاد: حملت به الأرض في كهوف ليبيا بعد أن ولدت العمالقة، وكان كلّما لمست أعضاؤه أمّه عادت إليه قوّته، يسكن مغارة تحت صخرة عالية، ويأكل الأسود التي يصيدها، وينام على الأرض العارية بلا فراش، وقتل فلّاحي ليبيا ومن يلقيهم البحر إلى ساحلها. فجاءه هيراكليس، فطرح كلّ منهما جلد أسده، ودهن هيراكليس جسده بالزيت كما يفعل المصارعون في أولمپيا، وأمّا أنتايوس فصبّ على جسده الرمل الحارّ ليبقى متّصلاً بأمّه. وأخذ أنتايوس يسقط عامداً فيقوم أقوى ممّا كان، فلمّا فهم هيراكليس ذلك قال له: ستبقى واقفاً، ولن تسقط إلّا على صدري، ورفعه عن الأرض وضمّه إليه حتى برد جسده، ولم يضعه على الأرض بعد ذلك.
ثم صار لأنتايوس قبر يزوره الناس في أقصى الغرب. يروي پْلُوتَارْخ أنّ القائد الروماني سِرْتُورْيُوس دخل طنجة، وكان أهل ليبيا يقولون إنّ أنتايوس مدفون فيها، فحفر القبر لأنّه لم يصدّق ما يُقال عن عِظَمه، فوجد جسداً طوله ستّون ذراعاً، فدُهش، وقرّب قرباناً وردم القبر، وصار يعظّم ما يُروى عنه. ويروي أهل طنجة أنّ أرملته طِنْجَة اقترنت بهيراكليس بعد موته، فولدت له سُوفَاكْس الذي ملك البلاد وبنى مدينة سمّاها باسم أمّه. ويرى المؤرّخ گَابْرِيِيل كَامْبْس أنّ هذا القبر هو التلّ الكبير المعروف بالمْزُورَة جنوب طنجة، وقطره نحو ستّة وخمسين متراً، تحيط به دائرة من الحجارة القائمة لا نظير لها في شمال إفريقيا، والستّون ذراعاً نحو سبعة وعشرين متراً. ويقول پْلِينِيُوس إنّ أنتايوس بنى طنجة، وإنّ في لِيكْسُوس على المحيط قصره وموضع صراعه مع هيراكليس وحدائق الهسبيريدات.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ قوّة أنتايوس من أرضه: ما دام قدمه على التراب الذي ولده لا يُغلب، ولا يقدر عليه الغريب إلّا إذا فصله عنه. وهيراكليس في القصّة هو الغريب الذي يأتي ليبيا ويقيم فيها، فيقول دِيُودُور الصقلّي إنّه بعد أن قتل أنتايوس أخضع ليبيا وكانت مليئة بالوحوش، وجعلها حقولاً مزروعة وكروماً وزيتوناً، ويقول پلوتارخ إنّ أسلاف يُوبَا، ملك موريطانيا المولع بالتاريخ، كانوا يُنسبون إلى ابنه من أرملة أنتايوس. فالعملاق يمثّل صاحب الأرض الأوّل، وأهل البلاد هم الذين يروون أنّه مدفون عندهم ويرونه أصل ملوكهم. وفي روايته المصرية يجعله ديودور والياً عيّنه أوزيريس على البلاد المجاورة لإثيوپيا وليبيا، وهيراكليس قائد جيشه. ويقول أَرِّيَان إنّ هيراكليس سأل وحي آمون في سيوة حين خرج إلى أنتايوس.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ أنتايوس. يُكتب في اليونانية Ἀνταῖος «أَنْتَايُوس»، والـ-ος «أُوس» في آخره علامة الرفع، فيبقى حرفان، النون والتاء، تسبقهما حركة. والعين في جدول مشروع جذور للمقابلات اليونانية تسقط من أوّل الكلمة أو تصير حركة، فنقرأ الحركة الأولى عيناً ساقطة، فيكون الاسم «عَنَت». والعَنَت في معجم لين أن يقع الإنسان في المشقّة والشدّة، وأعنته أوقعه فيها، ثم صار معناه أهلكه، ويقال عَنِتَ العظمُ إذا انكسر بعد أن جُبر والتأم. وهذا ما تجعله القصّة: عملاق يوقع الغرباء في المشقّة ثم يهلكهم، وجسد يعود صحيحاً كلّما مسّ الأرض، حتى يرفعه هيراكليس فيكسره. ويجاور «عنت» في المعنى «عانَد»: عانده خالفه وعارضه، والعَنَد الجانب، وهذا قريب من معنى الصفة اليونانية ἀνταῖος «أَنْتَايُوس»، أي القائم في المواجهة.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Ἀνταῖος | أَنْتَايُوس | الرفع، پندار وأبولّودور |
| Antaeus | أَنْتَايُوس | اللاتينية، لوكان وپلينيوس |
| Antaei regna | أَنْتَايِي رِيغْنَا | «مملكة أنتايوس»، اسم التلال عند لوكان |
| ἀνταῖος | أَنْتَايُوس | صفة يونانية: القائم في المقابلة |
يجعل المعجم اليوناني الصفة ἀνταῖος «أَنْتَايُوس» من ἄντα «أَنْتَا»، أي وجهاً لوجه، ومعناها القائم في المقابلة، ومنها «الضربة المقابلة» في الصدر. والعملاق يقف في وجه كلّ قادم، فالاسم في اليونانية قريب من «المقابِل». والقراءة العربية تأخذ النون والتاء نفسيهما، وتقرأ الحركة الأولى عيناً سقطت كما سقطت من «عنبر» حين صار في اليونانية ἄμβαρ «أَمْبَار». وفي جدول مشروع جذور للسوابق تقابل «عن» العربية السوابق اللاتينية والإنجليزية in- وun-، فالعين والنون في أوّل الكلمة العربية تظهران حركة ونوناً في اللغات الغربية. فعلى «عنت» تُقرأ الحروف كلّها بترتيبها، وعلى «عند» تقابل الدالُ التاءَ، وهذا فرق حرف واحد.
وفي معجم لين للعنت معانٍ تتّصل بالقصّة كلّها: المشقّة والشدّة، والإهلاك، والإثم الذي يستحقّ العقوبة، وتعنّته إذا آذاه وطلب أن يوقعه في المشقّة، وعنتت الدابّة إذا ظلعت من حمل ما لا تطيق، وعنت العظم إذا انكسر بعد الجبر. وفي «عند»: عَنَدَ عن الطريق إذا مال عنه، وعانده خالفه، والعنيد الذي يردّ الحقّ وهو يعرفه، والعَنَد الجانب. وحدّ القراءة أنّ الكلمة اليونانية عادية لها أصل في اليونانية نفسها، وأنّه لا يوجد للاسم رسم قديم يُظهر العين. ويرى كامبس أنّ الاسم قد يكون مصرياً، من معبود يُقرأ اسمه «أنتيوي». وفي المعجم المصري إله اسمه Ꜥnt.j «عَنْتِي»، يُكتب بالعين، ويرد مرّة في «نصوص الأهرام»، في الفقرة 484، حيث يُفصل الملك پيپي عن «عنتي أخيه» ويُضمّ إلى «عفتي»، أخ آخر. ويذكر ديودور الصقلّي في مصر قرية «تُعرف اليوم باسم أنتايوس» على الضفّة العربية من النيل، سُمّيت باسم أنتايوس الذي عاقبه هيراكليس في زمن أوزيريس. فللاسم في مصر رسم قديم أوّله عين، وهو ما تفترضه القراءة حين تجعل الحركة اليونانية الأولى عيناً ساقطة، وللقصّة في مصر موضع. ويبقى أنّ إله ذلك الإقليم، الصقر سيّد «ثِبُو» التي سمّاها اليونان Antaiopolis «أَنْتَايُوپُولِيس»، يُقرأ اسمه اليوم Nmt.j «نِمْتِي»، فلم يثبت بعد أنّ الاسم اليوناني أُخذ من «عنتي».
السرديات الأسطورية الرئيسة
ابنة أنتايوس في إيراسا
يذكر پندار في النشيد الپيثي التاسع رجلاً ليبياً اسمه أنتايوس في مدينة إيراسا قرب قورينا، له ابنة جميلة الشعر طلبها كثير من أهلها ومن الغرباء، فصنع كما صنع دَانَاوُس في أرگوس ببناته: أوقفها عند نهاية المضمار، وقال إنّ من يسبق فيلمس ثوبها يأخذها إلى بيته، فسبق أَلِكْسِيدَامُوس وأخذ بيدها وسار بها بين فرسان البدو، فرموه بالأوراق والأكاليل. ويقول كامبس إنّ پندار لا يقول إنّ أنتايوس عاش في إيراسا.
أين صارع هيراكليس أنتايوس؟
اختلف الرواة في موضع أنتايوس كما اختلفوا في موضع أطلس وحدائق الهسبيريدات. يجعل لوكان مملكته التلال القريبة من نهر بَگْرَادَاس، وهو وادي مجردة في تونس، حيث عسكر سْكِيپْيُو حين غزا إفريقيا، ويجعلها پلينيوس في ليكسوس على المحيط، ويجعل پلوتارخ قبره في طنجة. ويرى كامبس أنّ طنجة أثبت هذه المواضع، وأنّ صلة هيراكليس بها من عبادة ملقارت الفينيقي الذي عرفه اليونان باسم هيراكليس، ويذكر أنّ پُومْپُونْيُوس مِيلَا يروي أنّ في طنجة ترساً عظيماً من جلد فيل يُنسب إلى أنتايوس.
التوازيات عبر الحضارات
في الأساطير الأمازيغية يسكن الناس إفري، الكهف، منذ أقدم الأزمنة، ويقول لوكان إنّ بيت أنتايوس كان مغارة تحت صخرة عالية؛ ويأكل أنتايوس الأسود، وإزم الأسد في المقالة الأمازيغية حارس الينابيع. وفي الشمال يولد يمير العملاق الأوّل، ويُقتل فتُصنع من جسده الأرض، وأمّا أنتايوس فيولد من الأرض ويُقتل حين يُفصل عنها، فالأوّل يصير أرضاً، والثاني لا يعيش بعيداً عنها. وفي الشرق يمسك هيراكليس الصوري، أي ملقارت، طريق البحر إلى الغرب، وطنجة وقادس من محطّاته.