ملخص
تافوكت هي الشمس في الأمازيغية، اسم مؤنّث كما أنّ الشمس مؤنّثة في العربية. وأقدم ما وصلنا عن عبادتها عند هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد: يقول إنّ الليبيين الرحّل يقطعون من أذن الذبيحة قطعة باكورةً ويرمونها فوق البيت، ثم يلوون عنقها، وإنّهم لا يذبحون إلّا للشمس والقمر، وإنّ هذه عادة الليبيين كلّهم إلّا من يسكنون حول بحيرة تريتونيس، فإنّهم يذبحون لأثينا أوّلاً ثم لتريتون وبوسيدون. هيرودوت 4.188. ويروي أيضاً أنّ قوماً في داخل ليبيا اسمهم الأتارانت كانوا إذا علت الشمس لعنوها وشتموها أقبح الشتم، لأنّ حرّها يحرقهم ويحرق أرضهم. هيرودوت 4.184. ويروي شيشرون أنّ ماسينيسا، ملك نوميديا، لمّا جاءه سكيبيو عانقه الشيخ وبكى، ثم رفع عينيه إلى السماء وقال: أشكرك أيّتها الشمس العليا، وأشكركم أيّها السماويّون الآخرون، لأنّي أرى قبل أن أرحل عن هذه الحياة كورنيليوس سكيبيو في مملكتي وتحت سقفي.
وفي حكايات الطوارق في آيير الشمس tefukt «تِفُوكْت» والقمر tellit «تِلِّيت» امرأتان، لا تفترقان في الجنس، وإنّما في السنّ والطبع: القمر أكبر سنّاً، هادئ ثابت كريم، والشمس مستعجلة قلقة متسلّطة، تمشي قبل الفجر في ساعة الغارة، ولا تتأخّر أبداً، أمّا القمر فكثيراً ما يتأخّر لانشغاله. ويقول طوارق الأهاغار حين يغيب القمر في آخر الشهر: لحقت الشمس بالقمر فأوقفته وأجبرته على البقاء، ومضت هي وحدها في طريقها. وفي حكاية «أيور وتايورت» شخصية شمسية اسمها جانيغرفادن، مقرونة بالذهب الذي يحتاج أن يلمع وبزيت يحترق، وتقول الحكاية إنّ البلاد احترقت بالزيت الرديء، فقام القمر درعاً بين الناس والحريق.
وفي عادات القرى المغربية التي جمعها لاوست تسمّي التشلحيت ضربة الشمس tafukt «تَافُوكْت» أيضاً، كأنّ الشمس نفسها دخلت الرأس. فيذهب المضروب إلى من يحسن إخراجها ويقول: بالله أخرج منّي الشمس، فإنّ رأسي سينفجر. فيجلسه ويرفع عمامته، ويضغط رأسه بيديه حتى يسوق الشمس إلى الجبهة، ثم يمرّ بإبهاميه من الصدغين إلى وسط الجبهة حتى يحمرّ ما بين الحاجبين، فيقرصه حتى يخرج الدم، ويطقطق رقبته وأذنيه، وينفث «تف تف تف»، ويقول: قم، شُفيت. فإن لم تكن فيه شمس لم يظهر احمرار. ويحتفلون في 24 يونيو، يوم الانقلاب الصيفي، بعيد يسمّونه l'ansert «لَنْصَرْت»، أي العنصرة. وإذا نزل مطر خفيف في سماء مشمسة وظهر قوس قزح قالوا: يتزوّج ابن آوى في مكان ما، والسماء في عيد لعرسه. ويسمّون قوس قزح أيضاً «عروس المطر»، tislit unzar «تِسْلِيت وُنْزَار»، عروس أنزار. لاوست، «كلمات وأشياء بربرية»، ص 169–170 و187 و189.
والفكرة التي تدور عليها هذه الأخبار أنّ الشمس يُحتاج إليها ويُخاف منها. يذبح لها الرحّل، ويشكرها الملك، ويتبعها التقويم الفلاحي، لكنّها إذا علت أحرقت الناس والأرض، فلعنها الأتارانت، ويخرجها المعالج من رأس المضروب، وتجعلها حكاية الطوارق الحارقة المستعجلة التي يحمي القمر الناس منها. وتقرأ المقالة الأمازيغية التقويم الأمازيغي تقويماً شمسياً يوليانياً، أدقّ للزراعة من التقويم القمري، فالشمس عندها ميقات الحرث والحصاد، والقمر، أيّور، ميقات الشهور.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: tafukt «تَافُوكْت» اسم مؤنّث تحيط به التاء من أوّله وآخره، كما في tislit «تِسْلِيت»، العروس. يبقى fuk «فُوك». ويقول لاوست إنّ هذا من جذر أمازيغي هو الفاء، تخرج منه ألفاظ النور والنار والصباح، ومنها tifawt «تِيفَاوْت» النور، وafa «أَفَا» النار في بعض اللهجات، وfu «فُو» بمعنى أشرق وأضاء. ونقرأ fuk «فُوك» من «فَوْق» العربية، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»: الفاء فاء، والواو ضمّة، والقاف تصير كافاً. وفي معجم لين: «فاقهم: صار فوقهم وأعلى منهم»، و«فوق» ضدّ تحت، أي المكان الذي يعلو. فتافوكت على هذه القراءة التي فوق، وهذا ما يجعلها الأتارانت حين يلعنونها وقد علت. ومن جذر الفاء في لهجة السوس afa «أَفَا»، أي التلّ والرابية، ويقول لاوست إنّه إمّا من f «فْ» وfell «فِلّ»، أي فوق وعلى، وإمّا من النار، لأنّ نيران الانقلاب كانت توقد على المرتفعات. فلاوست نفسه يجد في هذا الجذر العلوّ والنار. والنار هي ما تقرؤه المقالة السامية الأمازيغية في tafat «تَافَات»، النور، من «الفؤاد» و«التفؤّد»، والتفؤّد في معجم لين التوقّد. فيجتمع في الشمس الأمازيغية المعنيان: العلوّ والتوقّد.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | أين ترد |
|---|---|---|
| tafukt / ⵜⴰⴼⵓⴽⵜ | تَافُوكْت | تازروالت وتافيلالت، وهي الصيغة الشائعة اليوم |
| tufuyt | تُوفُويْت | زمور وآيت ندير وإيزايان |
| tfušt | تْفُوشْت | الريف |
| tefukt | تِفُوكْت | الطوارق في آيير |
| iṭij | إِيطِيج | القبائل، اسم آخر للشمس |
| tafat | تَافَات | النور، في المقالة السامية الأمازيغية |
يقول لاوست إنّ tafukt «تَافُوكْت» من جذر الفاء، لا من اللاتينية focus «فُوكُوس»، أي الموقد، وإنّ ثيمة fu «فُو» طالت بكاف دخلت بين الواو والتاء الأخيرة، كما يحدث كثيراً في الريفية، وإنّ هذه الكاف تتبدّل بين اللهجات فتصير شيناً أو ياءً أو حركة. وينقل عن روني باسيه أنّ معنى الشمس في ألفاظ الفاء ثانوي، وأنّ الاسم الأصلي للشمس هو ما بقي في القبائلية، iṭij «إِيطِيج»، ومنه اسم سهل متيجة جنوب الجزائر، أي المشمسة. وفي القبائلية aggur n yiṭṭij «أَگُّور نْ يِيطِّيج»، أي قرص الشمس، كما يذكر شاكر.
وفي معجم لين من مادّة «فوق»: «فاقهم: كان فوقهم أو أعلى منهم، أو فضلهم وغلبهم»، و«فقت فلاناً: صرت خيراً منه وأعلى وأشرف، كأنّي فوقه في المنزلة»، و«فوق: ضدّ تحت، أي المكان الذي يعلو». والمقابلة الصوتية على هذا النحو: الفاء فاء، والواو الساكنة في «فَوْق» تصير ضمّة طويلة كما تصير في اللهجات العربية نفسها، والقاف تصير كافاً، وهي في قوانين مشروع جذور تصير q أو k أو c أو g. ومن الفاء والقاف أيضاً «الأُفُق» في معجم لين، أي ناحية السماء والأرض التي يبدو منها الضوء ويغيب فيها، وهي الطريق الذي تطلع منه الشمس وتغرب فيه. ويبقى على القراءة أنّ لاوست يجعل الكاف حرفاً دخيلاً لا أصلياً، فإن صحّ ذلك بقيت قاف «فوق» بلا مقابل، وأنّ المقالة نفسها تقول إنّ تافوكت أمازيغية أصيلة لا صلة واضحة لها.
وفي معجم لين من مادّة «فأد»: «تفأّد: توقّد، وتحرّق»، و«افتأدوا: أوقدوا ناراً للشواء»، و«الفئيد: النار»، و«فأد الخبزة: وضعها في الرماد الحارّ وخبزها فيه»، و«الفؤاد: القلب، سُمّي بذلك لتفؤّده، أي توقّده». وهذا ما تقرأ به المقالة tafat «تَافَات»، النور: الشمس فؤاد الكون الذي يدفئه من داخله. وتجعل المقالة الحروف T-F-T «ت-ف-ت» مقابلة لـF-ʾ-D «ف-ء-د»، والتاءان في tafat «تَافَات» علامة التأنيث، فيبقى من الكلمة الأمازيغية الفاء وحدها، وتسقط الهمزة كما تسقط في الانتقال.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الأمازيغية أساطير الأمازيغ ترميزاً للبيئة الصحراوية، وتجعل التقويم الأمازيغي يوليانياً يتبع الشمس لأنّه أدقّ للزراعة. وفي الأخبار نفسها تظهر الشمس مقرونة بالحرّ والعطش: الأتارانت يلعنونها لأنّها تحرق أرضهم، والمعالج يخرجها من رأس المضروب، والطوارق يجعلونها المستعجلة الحارقة. والقمر في الأخبار نفسها مقرون بالماء والحليب والمطر. فالأخبار تضع الشمس والقمر على طرفين، كما يضع أهل الصحراء الحرّ والماء.
التوازيات عبر الحضارات
يكتب هيرودوت الشمس والقمر اللذين يذبح لهما الليبيون بلفظي الإغريق للشمس والقمر، وهما اسما هيليوس وسيليني، فالشمس الأمازيغية وصلت إلى أقدم كتاب عنها باسم إغريقي. وهيليوس عند الإغريق الشاهد الذي يرى كلّ شيء، وتافوكت عند الأتارانت الحرّ الذي يُلعن. والشمس مؤنّثة في الأمازيغية كما هي شبش الأوغاريتية امرأة تعرف الطريق بين الأحياء والموتى، وكما هي أماتيراسو في اليابان، وفي حكاية الطوارق تلحق الشمس بالقمر في آخر الشهر فتوقفه، كما افترقت أماتيراسو عن أخيها القمر بيوم وليلة. وفي مصر يرسل رع عينه على الناس فتقتلهم في الصحراء حتى يردّها، وفي ليبيا يلعن الأتارانت الشمس لأنّها تحرقهم. ففي الخبرين شمس تؤذي الناس، ويفترقان في أنّ رع يعاقب البشر، والأتارانت هم الذين يغضبون على الشمس. وتقرأ المقالة السامية الأمازيغية اسم بعل حمّون في قرطاج من «الحمّ»، أي الحارّ الشمسي، وتبقى هذه القراءة على صفحته قراءة للمبخرة القائمة أمامه.
ويحتفل أهل القرى بالانقلاب الصيفي في 24 يونيو، ويبدأ الحرث بالتقويم الشمسي، وهذا من التقويم الزراعي.