ملخص
غِيفْيُون معبودة من الآسير في أساطير الشمال، اسمها في النوردية Gefjun أو Gefjon «غِيفْيُون». تُذكر بالمحراث والثيران وبجزيرة زيلاند، أكبر جزر الدنمارك، التي يقول سْنُورّي سْتُورْلُسُون إنّها حرثتها من أرض السويد وجرّتها إلى البحر. وهي في قائمة المعبودات في «خداع غيلفي» «غِيلْفَاغِينِينْغ» الرابعة: «عذراء، وتخدمها من يمتن عذارى».
وبقصّتها يبدأ سنوري كتابه. كان غيلفي ملكاً على الأرض التي تسمّى اليوم السويد، فأعطى امرأة جوّالة، جزاءً على ما سلّته به، أرضاً في مملكته قدر ما يقلبه أربعة ثيران في يوم وليلة. وكانت المرأة من نسل الآسير، واسمها غيفيون. فأخذت أربعة ثيران من الشمال، من يوتونهايم، وكانوا أبناءها من عملاق، ووضعتهم أمام المحراث. فشقّ المحراث الأرض عريضاً عميقاً حتى انفصلت، فجرّها الثيران إلى البحر نحو الغرب، ووقفوا في مضيق، فثبّتت غيفيون الأرض هناك وسمّتها سِيلُوند، وهي زيلاند. وبقي في السويد ماء في الموضع الذي رُفعت منه الأرض، يسمّى لُوغْرِين، وهو بحيرة مالارين، وخلجان البحيرة على هيئة رؤوس زيلاند. وينقل سنوري أبياتاً للشاعر القديم براغي: جرّت غيفيون من غيلفي، فرحةً، زيادةَ الدنمارك، حتى تصاعد البخار من الدوابّ الجارية، وحملت الثيران ثمانية أقمار في جباهها، أي أعيناً، وأربعة رؤوس.
ويرويها سنوري مرّة ثانية في «ملحمة الينغلينغ»، ويجعل لها سبباً. نزل أودين جزيرة يقال لموضعها اليوم أودنسي، فأرسل غيفيون شمالاً عبر المضيق تطلب أرضاً. فأتت غيلفي، فأعطاها أرضاً قدر محراث، فذهبت إلى بلاد العمالقة وولدت فيها من عملاق أربعة أبناء، فجعلتهم في صورة الثيران، وجرّت بهم الأرض إلى البحر نحو الغرب قبالة أودنسي، وسكنتها. ثم تزوّجها سْكْيُولْد بن أودين، وسكنا لِيدْرا في زيلاند.
وفي «مخاصمة لوكي» «لُوكَاسِنَّا» تحاول غيفيون أن تصلح بين لوكي وبراغي حين يتشاتمان في وليمة إيغير، فيقول لها لوكي: اسكتي يا غيفيون، فأنا أذكر الفتى الأبيض الذي فتن عقلك، فأعطاك قلادة، فوضعتِ فخذك عليه. فيقول أودين: مجنون أنت يا لوكي إذ تُغضب غيفيون، فإنّها تعرف مصائر الناس كلّها كما أعرفها أنا.
والفكرة التي تدور عليها قصّتها أنّ الأرض تُعطى بمقدار، ثم يُغلب المقدار بالحيلة. أعطى الملك ما يقلبه أربعة ثيران في يوم وليلة، وهو مقدار حقل، فجاءت غيفيون بثيران من العمالقة، فصار المقدار جزيرة. فهي تأخذ الأرض من مملكة وتعطيها لأخرى، وتترك في الأولى ماءً على هيئة ما أخذت. وحياتها تدور على العطاء: تُعطى أرضاً جزاءً، وتُعطى قلادة، وتعطي الدنمارك زيادتها.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ غيفيون. أوّل الاسم يوافق الفعل النوردي gefa «غِيفا»، أي أعطى، وهو عند أوريل من الأصل الجرماني *gebanan «غِيبَانَان». وحروف الاسم الغين والفاء والنون، وهي حروف «جَفْنة» على ترتيبها، والجيم العربية تُسمع g «غ» في كثير من الألسن. وفي معجم لين: الجفنة أعظم القِصاع، يُقدَّم فيها الطعام، والجفنة الرجل الكريم، ويقال «جفنة غرّاء» للكريم الذي يُضيف الناس ويُطعم الكثيرين، سُمّي بها لأنّ الناس يُطعَمون في جفنته، و«جَفَنَ ناقة» نحرها وأطعم الناس لحمها في الجِفان، والجفنة أيضاً البئر الصغيرة، تشبيهاً بجفنة الطعام. فغيفيون على هذه القراءة الكريمة المُعطية، وهو المعنى الذي يحمله أوّل اسمها في النوردية، وهي التي تركت في السويد ماءً في موضع الأرض التي رفعتها.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | ما هي |
|---|---|---|
| Gefjun، Gefjon | غِيفْيُون | الاسم في المخطوطات |
| Gefjonar | غِيفْيُونَار | الإضافة، في «معبد غيفيون» |
| gefa، gaf | غِيفا، غَاف | أعطى، والماضي منه |
| giban | غِيبَان | أعطى في القوطية |
| جَفْنة، جِفان، جَفَنَ | أعظم القصاع، والرجل الكريم، والبئر الصغيرة؛ الجمع؛ نحر وأطعم |
يذكر معجم كْلِيسْبِي وفِيغْفُوسُون غيفيون في «ملحمة الينغلينغ» وفي أوّل «إدّا»، ولا يشرح الاسم. ويذكر أنّ أهل أيسلندا في العصور الوسطى ترجموا بها اسم ديانا، فكتبوا في سفر أعمال الرسل: «عظيمة هي المعبودة غيفيون»، وسمّوا معبد ديانا «معبد غيفيون»، وترجموا بها أحياناً فينوس ومينيرفا. ويقول أوريل إنّ الفعل الجرماني *gebanan «غِيبَانَان»، أي أعطى، في القوطية giban «غِيبَان» وفي النوردية gefa «غِيفا»، ويصله باللاتينية habeō «هَابِيُو»، أي أمسك، وبالإيرلندية القديمة gaibid «غَابِيذ»، أي أخذ، فالعطاء والأخذ في الأصل الهندوأوروبي من مادّة واحدة.
وتجري المقابلة على قوانين مشروع جذور: الجيم تصير j أو g «غ» أو y، والفاء f، والنون نون. وفي معجم لين للمادّة معنيان يمسّان القصّة: الجفنة قصعة الضيافة والرجل الكريم الذي يُطعم الناس، والجفنة البئر الصغيرة. وموضع الضعف أنّ الاسم إن كان gef- «غِيف» مع لاحقة أنثى، كما يوحي أوّله، فالنون من اللاحقة لا من الأصل، وأنّ الجفنة تصل إلى العطاء من باب الضيافة لا من فعل معناه أعطى.
السرديات الأسطورية الرئيسة
غيفيون وديانا
حين ترجم أهل أيسلندا الكتب اللاتينية في العصور الوسطى جعلوا غيفيون في موضع ديانا الرومانية، العذراء التي تعيش في البرّية. وهذا يوافق ما يقوله «خداع غيلفي» من أنّ غيفيون عذراء تخدمها من يمتن عذارى، ويخالف ما ينسبه لوكي إليها في «مخاصمة لوكي».
الروايتان
في «خداع غيلفي» تأتي غيفيون غيلفي جوّالة فتُعطى الأرض جزاءً، وفي «ملحمة الينغلينغ» يرسلها أودين تطلب أرضاً، ثم تتزوّج ابنه. فالرواية الأولى خبر عن أرض أُخذت بحيلة، والثانية تجعل الحيلة جزءاً من دخول أودين وأهله إلى بلاد الشمال، كما يرويه سنوري في تلك الملحمة.
القراءة الرمزية
القصّة تفسير لأرض يراها الناس: بحيرة في السويد وجزيرة في الدنمارك متشابهتان في الشكل، وسنوري نفسه يقول ذلك، فخلجان البحيرة على هيئة رؤوس الجزيرة. ويرويها شاعر دنماركيّ الهوى، فبراغي يسمّي الأرض المجرورة «زيادة الدنمارك»، أي ما زاد في أرض الدنمارك ممّا نقص من أرض السويد. والمحراث والثيران أدوات الزارع، لكنّ القصّة لا تحكي زرعاً: المحراث فيها يقطع الأرض ليملكها لا ليزرعها.
التوازيات عبر الحضارات
وأقرب القصص إليها قصّة إليسا، التي يسمّيها الرومان ديدو، مؤسّسة قرطاج. يروي يُوسْتِينُوس أنّها كانت زوجة أخيربا، كاهن هيراكليس في صور، أي كاهن ملقرت، فلمّا قتله أخوها هربت بالسفن ومعها أدوات عبادة هيراكليس. ونزلت ساحل إفريقيا، فاشترت من أهله أرضاً قدر ما يغطّيه جلد ثور، ثم أمرت بالجلد فقُطع سيوراً دقيقة، فأحاطت بأرض أوسع ممّا طلبت، «ومن هنا سُمّي الموضع بيرسا». وحين حفروا أساس المدينة وجدوا رأس ثور، فقيل: مدينة مثمرة كثيرة التعب مستعبدة أبداً، فنقلوها إلى موضع آخر فوجدوا رأس فرس، فقيل: شعب محارب قويّ. ففي القصّتين أرض تُعطى بمقدار من الثور، ثم يُغلب المقدار بحيلة: جلد يُقطع سيوراً، وثيران من العمالقة. و«بيرسا» βύρσα «بُيرْسَا» في اليونانية الجلد المسلوخ، وجلد الثور خاصّة. وفي اللسان الساميّ كلمة للقلعة: bîrtu «بِيرْتُو» في الأكدية، وبيرة في العبرية، ونقرأ على المنهج اسم التلّ منها، وقد سمع فيه اليونان كلمتهم للجلد فشرحوه بالقصّة.
وفي روما يرسم رومولوس حدّ المدينة بالمحراث. يقول بلوتارخ إنّه ركّب على محراث سكّة من نحاس، وقرن إليه ثوراً وبقرة، وشقّ بنفسه خطّاً عميقاً حول الحدود، والذين يمشون خلفه يردّون الكتل التي يقلبها المحراث إلى داخل المدينة، وحيث أرادوا باباً رفعوا المحراث فوق الأرض. فمحراث رومولوس يرسم حدّاً يُغلق على المدينة، ومحراث غيفيون يقطع أرضاً من مملكة ويحملها إلى أخرى.
والأرض المأخوذة بمقدار مغلوب من صور المحتال: المحتال لا يكسر الاتّفاق، وإنّما يأخذ منه أكثر ممّا قصده صاحبه.