ملخص
مِلْقَرْت معبود صور، المدينة الفينيقية على ساحل لبنان الجنوبي، ويُسمّى أيضاً «بعل صور»، أي سيّدها. كان أهلها يرونه مؤسّس مدينتهم وحاميها، وحملوه معهم حيث أسّسوا المستوطنات في قبرص ومالطة وقرطاج وصقلية وسردينيا وقادس في إسبانيا، وسمّاه الإغريق هيراكليس. ريبيكيني، «ملقرت»، معجم المعبودات والشياطين في الكتاب المقدّس، ص 563–564، بونيه، «ملقرت»، معجم صور المعبودات، ص 1.
يحكي هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد أنّه أبحر إلى صور ليعرف قِدَم هيراكليس، فرأى معبده غنيّاً بالنذور، وفيه عمودان، أحدهما من الذهب الخالص والآخر من الزمرّد يضيء في الليل. وسأل الكهنة عن عمر المعبد، فقالوا إنّه بُني يوم صارت صور مدينة، قبل ألفين وثلاثمئة سنة. هيرودوت 2.44. وينقل يوسيفوس عن مِناندر، الذي ترجم سجلّات صور إلى اليونانية، أنّ الملك حيرام، صاحب سليمان في القرن العاشر قبل الميلاد، هدم المعابد القديمة وبنى معبداً لهيراكليس وآخر لعشتروت، وكان أوّل من أقام «إيقاظ» هيراكليس في شهر بيريتيوس، في آخر الشتاء.
ويحفظ الإغريق خبر موته وعودته. يقول يُودوكْسوس الكنيدي، فيما ينقله أثينايوس، إنّ الفينيقيين يذبحون السُّمانى لهيراكليس، لأنّ هيراكليس ابن أستيريا وزيوس سار إلى ليبيا فقتله تايفون، فجاءه صاحبه إيولاوس بسُمّانى وقرّبها من أنفه، فلمّا شمّ رائحتها عادت إليه الحياة. ويقول شيشرون إنّ هيراكليس ابن جوبيتر وأستيريا يُعبد في صور أكثر من كلّ مكان، ويقال إنّ قرطاج ابنته. أثينايوس، «مأدبة الحكماء» 9.47 (392د)، شيشرون، «في طبيعة الآلهة» 3.42. وأستيريا هي عشتروت عند الباحثين، وفي رواية فيلون الجبيلي يولد ملقرت، ويسمّيه مِلْكَثْروس، لديماروس، وهو اسم يقارنه الباحثون بلقب من ألقاب بعل. ريبيكيني، ص 564، يوسابيوس، «الإعداد للإنجيل» 1.10.
والفكرة التي تدور عليها أخبار ملقرت أنّ المدينة لها ملك يموت ويُوقَظ. فهو في أصله ملك، والملك إنسان يموت، ولذلك قال هيرودوت إنّ بعض الإغريق يقرّبون لهيراكليس قرابين الإله الخالد وقرابين البطل الميّت معاً. وكان أهل صور يقيمون له كلّ عام عيد «الإيقاظ»: يموت المعبود، ثم يُوقَظ في آخر الشتاء، ويرى ريبيكيني أنّ عشتروت كانت شريكته في ذلك، وأنّ كاهناً يُسمّى «موقظ الإله» كان يقوم بالطقس. وحيث ذهب التجّار الصوريون أخذوا ملكهم معهم، فصار مؤسّس مدن جديدة على شواطئ البحر.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: كتبه الفينيقيون mlqrt «م-ل-ق-ر-ت»، وهو كلمتان: mlk «م-ل-ك»، أي «المَلِك»، وqrt «ق-ر-ت»، أي المدينة، وهي «القَرْية» العربية. فملقرت «مَلِك القرية»، أي ملك المدينة. سقطت الكاف حين جاورت القاف، فكتبه الأشوريون mi-il-qar-tu «مِلْقَرْتُو»، وحفظها فيلون باليونانية في «ملكثروس». وفي معجم لين: القرية البلدة أو القرية، ومن المادّة نفسها «القِرى»، الماء المجموع في الحوض لتشرب منه الماشية، والمَلِك صاحب المُلْك والسلطان. وهذه قراءة المقالة الكنعانية، وتعدّها قطعية، وهي ما تقوله الأخبار: ملك صور، وبانيها، وبعلها.
الجذر اللغوي
ملقرت و«مَلِك القرية»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| mlqrt «م-ل-ق-ر-ت» | مِلْقَرْت | الفينيقية والبونية، والآرامية في نصب بِرْ هدد |
| mlk «م-ل-ك» | مَلِك | الأوغاريتية والفينيقية: الملك |
| qrt «ق-ر-ت» | قَرْت | الأوغاريتية والفينيقية: المدينة |
| mi-il-qar-tu «مِلْقَرْتُو» | مِلْقَرْتُو | الأكدية، معاهدة أسرحدّون مع بعل ملك صور |
| bʿl ṣr «ب-ع-ل ص-ر» | بعل صور | لقبه في نصب مالطة |
| Μελκαθρος / Melkathros «مِلْكَثْرُوس» | مِلْكَثْرُوس | فيلون الجبيلي باليونانية |
| Ἡρακλῆς ἀρχηγέτης / Hēraklēs archēgetēs «هِيرَاكْلِيس أَرْخِيغِيتِيس» | هيراكليس المؤسّس | الكتابة اليونانية على نصب مالطة |
الحروف كلّها حاضرة في العربية بترتيبها. الميم واللام والكاف «مَلِك»، والقاف والراء والتاء «قرية»، والتاء في آخر الكلمة الفينيقية تاء التأنيث، تقابلها التاء المربوطة في «قرية»، وتبقى الياء العربية حرف علّة لا يكتبه الفينيقيون. أمّا الكاف فتلتصق بالقاف بعدها فتغيب في النطق، فقال الأشوريون «مِلْقَرْتُو» بلا كاف، ولم يكتبها الفينيقيون، وكتبها فيلون في «مِلْكَثْروس».
ويقترح ريبيكيني طبقة ثانية في معنى المدينة. فملقرت يُسوّى بـنرغال ربّ عالم الموتى في بعض الشواهد، وكان أهل الرافدين يسمّون عالم الموتى «المدينة الكبيرة»، إيركَلّو. فـ«ملك المدينة» قد يكون ملك صور وملك المدينة التي يذهب إليها الموتى معاً، وهذا يوافق ملكاً يموت ثم يُوقَظ.
قراءات أخرى في المقالات
تجعل المقالة الرومانية ملقرت أصلاً محتملاً لاسم مركوري، وتقترح معه «مركز»، وتجعل هيراكليس الروماني ملقرت نفسه. لكنّ الشاهد الثنائي اللغة يضع ملقرت مقابل هيراكليس، لا مقابل مركوري، والصلة بين ملقرت وهيراكليس صلة عبادة مشهودة لا صلة أصوات؛ ولاسم هيراكليس قراءته على صفحته. ويقرأ ملفّ طروادة اسم أستياناكس، «سيّد المدينة»، ترجمةً يونانية لبناء اسم ملقرت..
السرديات الأسطورية الرئيسة
أقدم الشواهد
أقدم ما يذكر ملقرت باسمه نصب من البازلت وُجد في بريج شمال حلب، يعود إلى نحو 800 قبل الميلاد، أهداه بِرْ هدد ملك آرام لملقرت بكتابة آرامية، وعليه صورة رجل يمشي حافي القدمين عاري الصدر، على كتفه فأس ذات فتحة، وفي يده الأخرى شيء يشبه علامة الحياة المصرية أو زهرة لوتس. ثم يأتي في معاهدة أسرحدّون ملك آشور مع بعل ملك صور، في القرن السابع قبل الميلاد، شاهداً مع إشمون: «ليُسلم ملقرت وإشمون أرضكم إلى الخراب، وشعبكم إلى السبي، وليأخذا الطعام من أفواهكم، والثياب من أجسادكم، والزيت الذي تدهنون به».
نصب مالطة
في اللوفر نصب من الرخام من مالطة، من القرن الثاني قبل الميلاد، عليه إهداء بلغتين. يقول النصّ الفينيقي: «لسيّدنا ملقرت، بعل صور، أهداه عبداك عبد أوسير وأخوه أوسير شمر، ابنا أوسير شمر بن عبد أوسير، لأنّه سمع صوتهما، فليباركهما»، ويقول النصّ اليوناني: «ديونيسيوس وسرابيون ابنا سرابيون، الصوريّان، لهيراكليس المؤسّس». فالرجلان نفساهما يسمّيان المعبود نفسه باسمين. وبهذا النصب الثنائي فكّ الأب بارتليمي في القرن الثامن عشر أوّل رموز الأبجدية الفينيقية.
ملك صور في التوراة
يخاطب حزقيال رئيس صور: «لأنّك قلت أنا إله، في مجلس الآلهة أجلس، في قلب البحار، وأنت إنسان لا إله»، ويرى الباحثون في هذا الكلام صورة الملكية الصورية التي يقف ملقرت وراءها. وحين سخر إيليا من أنبياء بعل على الكرمل قال: «ادعوا بصوت عالٍ فإنّه إله، لعلّه مستغرق في التفكير، أو في سفر، أو لعلّه نائم فيستيقظ»، ويرى بعض الباحثين في بعل الكرمل ملقرت، المعبود الذي يسافر مع أهله ويُوقَظ كلّ عام.
يوم دفن المعبود
في لوح ذهبي من بيرجي على ساحل إتروريا، من القرن الخامس قبل الميلاد، أُهدي لعشتروت، يُذكر «يوم دفن المعبود»، ولا يسمّي المعبود. ويرى ريبيكيني أنّه قد يكون حداداً على ملقرت.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الكنعانية ملقرت إلهاً للمدينة والحماية: حامي التجّار والملّاحين، ومحارباً منتصراً، عبده الفينيقيون في كلّ مستوطناتهم، وتجعله صورة «الحماية الحضرية والملكية» في مجتمع قام على التجارة البحرية.
وفي الشواهد يتّضح كيف تكون المدينة شخصاً. ملك صور الحيّ يحكم باسم ملك صور الأوّل، والعيد السنوي يُميت المؤسّس ويوقظه، فتعود المدينة إلى أوّلها كلّ عام. والتجّار الذين يبنون بيتاً لملقرت في قادس أو مالطة يحملون مدينتهم معهم، فيصير الملك الأوّل مؤسّساً لمدن كثيرة، ويسمّيه الإغريق «المؤسّس». ويرى ريبيكيني أنّ ملقرت بدأ في عبادة الملوك الموتى والأسلاف المعروفة في سوريا منذ العصر البرونزي، ثم صار مؤسّساً للمدن وبطلاً للحضارة، ثم ربّاً كونيّاً يعطي الرخاء.
التوازيات عبر الحضارات
صلته بـهيراكليس صلة عبادة مشهودة: نصب مالطة يسمّيه بالاسمين، وهيرودوت يسمّي معبده في صور معبد هيراكليس، ويرى هيرودوت أنّ هيراكليس الذي يُعبد عبادة البطل الميّت غير هيراكليس الإله الخالد. ويلتقيان في الأعمال والأسفار وفي موت يتبعه خلود: هيراكليس يموت على المحرقة فوق جبل أويتا ثم ترفعه سحابة إلى السماء، وملقرت يموت ويُوقَظ. «المكتبة» 2.7.7. ويعيده خبر السمّانى إلى تايفون، خصم زيوس، الذي يقتله في ليبيا.
وعيد الإيقاظ يضعه مع أدونيس وإشمون وبعل في الموت والعودة، ويقول ريبيكيني إنّه قريب من أعياد أدونيس وإشمون. وإن صحّ أنّ عشتروت كانت شريكته في الإيقاظ، فالطقس من باب الزواج المقدّس. وبانتقاله مع المستوطنين مؤسّساً للمدن صار من أبطال الحضارة. ريبيكيني، ص 564.
ورومولوس عند الرومان مؤسّس مدينته وملكها، غاب في عاصفة فعُبد باسم كويرينوس، وتقترح صفحته على المنهج أن يكون أوّل هذا الاسم «القرية»، أي qrt «ق-ر-ت» التي في اسم ملقرت، انظر كويرينوس.