ملخص
بحيرة تريتونيس بحيرة في ليبيا القديمة، أي في شمال إفريقيا، يصبّ فيها نهر اسمه تريتون، ويجعلها اليونان موضع مولد أثينا، وبيت تريتون ابن پوسيدون، والموضع الذي ضلّت فيه سفينة الأرگو حتى دلّها تريتون على مخرجها إلى البحر.
يقول هِيرُودُوت إنّ قبيلتين من الليبيين تسكنان حول البحيرة، المَاخْلِيُون والأَوْسِيُون، يفصل بينهما النهر، والماخليون يرسلون شعورهم إلى الخلف، والأوسيون إلى الأمام. ويقيم الأوسيون كلّ سنة عيداً لمعبودتهم التي يسمّيها اليونان أثينا، فتنقسم فتياتهم فريقين يتقاتلان بالحجارة والعصيّ، ويقولون إنّهم يكرّمون بذلك معبودة أرضهم كما كان آباؤهم يفعلون، ومن ماتت من جراحها سمّوها عذراء كاذبة. وقبل القتال يختار القوم أجمل فتاة، فيلبسونها خوذة كورنثية وسلاحاً يونانياً كاملاً، ويركبونها عربة ويطوفون بها حول البحيرة. ويقولون إنّ أثينا ابنة پوسيدون وبحيرة تريتونيس، غضبت على أبيها فأعطت نفسها لـزيوس، فجعلها زيوس ابنته. ويقول هيرودوت إنّ الليبيين كلّهم لا يذبحون إلّا للشمس والقمر، إلّا الساكنين حول البحيرة، فإنّهم يذبحون لأثينا أوّلاً، ثم لتريتون وپوسيدون.
وتجتمع على البحيرة قصّة الأرگونوت. يروي هيرودوت أنّ ياسون حمل في سفينته قِدراً من النحاس بثلاث أرجل يريد بها دلفي، فحملته الريح إلى ليبيا، فدخل ضحاضح البحيرة ولم يجد مخرجاً، فظهر له تريتون وطلب القِدر، ووعده أن يدلّه على المجرى، فأعطاه إيّاه، فدلّه تريتون على المخرج، ووضع القِدر في معبده، وتنبّأ أنّه إذا أخذه واحد من نسل بحّارة الأرگو قامت حول البحيرة مئة مدينة يونانية، فأخفاه أهل البلاد. ويروي پِنْدَار أنّ معبوداً في صورة رجل اسمه يُورِيپِيلُوس، ابن پوسيدون، لقي الأرگونوت عند مصبّ البحيرة، فأعطى البطل يُوفِيمُوس قطعة من تراب ليبيا هدية ضيافة، وقالت مِيدِيَا إنّ هذه الكتلة عهد بأنّ نسل يوفيموس سيملك تلك الأرض الواسعة، فلمّا ضاعت في البحر عند جزيرة ثيرا صار نسله يخرج منها بعد أجيال ليبني قُورِينا. ويجعل أَپُولُّونْيُوس الرودسي الأرگونوت يحملون سفينتهم على أكتافهم اثني عشر يوماً عبر الصحراء حتى ينزلوها في البحيرة، فلا يجدون مخرجاً، فيضعون على الشاطئ قِدر أپولّو، فيظهر لهم تريتون في صورة شابّ، ويعطي يوفيموس كتلة التراب، ويشير لهم إلى فم البحيرة العميق والمجرى الضيّق بين الأمواج، ثم يمسك قاعدة السفينة بنفسه ويقودها إلى البحر، ونصفه الأعلى إنسان ونصفه الأسفل ذيل وحش بحري.
والفكرة التي تدور عليها أخبار البحيرة أنّها باب بين أرضين. فاليونان يجدون عندها معبودة الليبيين التي يسمّونها أثينا، ويقولون إنّها ولدت هنا ثم صارت ابنة زيوس، ويأخذون من نساء ليبيا ثوبها: يقول هيرودوت إنّ اليونان نقلوا ثوب أثينا ودرعها، الأَيْگِيس، من الليبيات، لأنّهنّ يلبسن فوق ثيابهنّ جلود الماعز المصبوغة بالأحمر وفيها أهداب من السيور، فصارت السيور حيّات في صور أثينا، وصار اسم الجلد αἰγέη «أَيْگِيِي» اسم الدرع αἰγίς «أَيْگِيس»، ويقول إنّ صيحة الفرح في القرابين جاءت من ليبيا، وإنّ اليونان تعلّموا من الليبيين قيادة العربة بأربعة خيول. ويقول إنّ اسم پوسيدون لم يعرفه المصريون، وإنّ الليبيين وحدهم عرفوه منذ البدء وما زالوا يكرّمونه. والأرگونوت لا يخرجون من البحيرة إلّا إذا دلّهم ربّها على فمها، ويأخذون منها كتلة تراب هي عهد على أرض سيملكها أبناؤهم.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، لأنّ مقالات المشروع لا تقرأ تريتون. يُكتب في اليونانية Τρίτων «تْرِيتُون»، والبحيرة Τριτωνίς «تْرِيتُونِيس»، أي التي لتريتون. والـ-ων «ون» في آخره لاحقة يونانية، فيبقى ت-ر-ت. ونقرؤه «تُرْعَة»: التاء والراء كما هما، والعين تسقط في اليونانية لأنّها لا تملك حرفاً لها، والتاء الأخيرة تاء التأنيث التي تظهر في الوصل، «تُرْعَتُ». والتُّرعة في معجم لين فم الجدول حيث يخرج ماؤه من النهر، والقناة التي تُشقّ إلى البستان، وفتحة الحوض التي يدخل منها الماء ويستقي منها الناس، والباب. وهذا ما يكونه تريتون في القصّة: ربّ الماء الذي يعرف فم البحيرة، فيدلّ ياسون على المجرى في رواية هيرودوت، ويشير لأبطال الأرگو إلى المخرج عند أپولّونيوس، وبحيرته باب ليبيا إلى البحر.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Τρίτων | تْرِيتُون | ابن پوسيدون وأمفيتريتي عند هسيود، والنهر عند هيرودوت |
| Τριτωνὶς λίμνη | تْرِيتُونِيس لِيمْنِي | «بحيرة تريتونيس» عند هيرودوت |
| Τριτογένεια | تْرِيتُوگِينِيَا | لقب أثينا عند هسيود |
يقول هِسْيُود إنّ تريتون ابن أمفيتريتي وپوسيدون، يملك أعماق البحر، ويسكن مع أمّه وأبيه في بيتهما الذهبي، ويسمّي أثينا تريتوگينيا، وهي التي وُلدت من رأس زيوس. والمعجم اليوناني يشرح تريتون بأنّه ابن پوسيدون، ثم صار في الجمع التريتونات، معبودات البحر بذيول السمك، ولا يذكر للاسم أصلاً. ويقول إسخيلوس في «الإيرينيات» إنّ أثينا قد تكون في أرض ليبيا عند مياه تريتون، نهرها الذي وُلدت عنده. فالاسم يدور في كلّ هذه الشواهد على الماء الذي يخرج ويدخل: نهر يصبّ في بحيرة، وبحيرة لها فم إلى البحر، وربّ للأعماق.
والتعليل الصوتي: التاء اليونانية τ «تاو» تقابل التاء العربية، والراء الراء، والعين تسقط في اليونانية كما سقطت من «عنبر» حين صار ἄμβαρ «أَمْبَار»، في جدول مشروع جذور. وتاء التأنيث تُكتب هاءً في الوقف وتُنطق تاءً في الوصل، والاسم اليوناني يحفظها تاءً كما تحفظ العبرية تاء التأنيث في الإضافة. وحدّ القراءة أنّها تجعل تاء التأنيث جزءاً من جذع الاسم، وأنّ تريتون عند هسيود ربّ البحر كلّه لا ربّ فم واحد.
السرديات الأسطورية الرئيسة
عين هيراكليس والهسبيريدات
يجعل أپولّونيوس حديقة الهسبيريدات وحيّتها الحارسة لادون قرب البحيرة، في «حديقة أطلس»: يصل الأرگونوت عطاشاً فيجدون الحيّة مقتولة بسهام هيراكليس الذي مرّ بالأمس، فتخبرهم الحوريات أنّه ضرب صخرة قرب بحيرة تريتون بقدمه فانفجر منها الماء فشرب منه كالبهيمة. وفي ليبيا يموت اثنان منهم: كانثوس يقتله راعٍ اسمه كَافَاوْرُوس، ابن حورية من بنات تريتون، دفاعاً عن غنمه، وموپسوس العرّاف تلدغه حيّة من الحيّات التي وُلدت من دم رأس ميدوسا حين حمله پرسيوس فوق ليبيا.
التوازيات عبر الحضارات
يقول أفلاطون إنّ مدينة سايس في دلتا مصر أسّستها معبودة اسمها بالمصرية نيت، وبالإغريقية، كما يقول أهلها، أثينا. فاليونان يجعلون أثينا معبودة ليبية عند البحيرة، ومعبودة مصرية في سايس، والمدينتان على طرف الصحراء الليبية. وتقول المقالة الأمازيغية إنّ أطلس يحمل السماء عند آخر الأرض الغربي، وعند أپولّونيوس حديقته قرب البحيرة.