ملخص
إِيل كبير الآلهة في أساطير أُوغارِيت، شيخ يسمّيه الشعر «ثور إيل» و«أبا السنين»، ويسكن خيمة «عند منبع النهرين، بين ينبوعي الغمرين». لا يقاتل في «دورة بعل» بيده، وكلّ ما يجري فيها يمرّ بمجلسه. يأتيه رسل يم يطلبون تسليم بعل، فيقبل. ثم تأتيه أثيرت بعد أن غلب بعل يم، فتسترضيه وتطلب لبعل بيتاً، فيأذن، ويبني كوثر وحسيس القصر.
وحين يبلغه أنّ موت ابتلع بعلاً ينزل عن عرشه ويجلس في التراب، ويشقّ ثوبه ويندب. ثم يرى في نومه مطراً وخصباً فيعرف أنّ بعلاً حيّ. وفي آخر الخصومة تحذّر شبش موتاً من أنّ إيل سيقلب عرشه، فيقرّ موت بملك بعل. وفي قصّتي أقهت وكِرِت يشفع عنده بعل لـدانئيل المحروم من الولد، فيباركه ويقضي أن يولد له ابن، ويهدي الملك كرت المفجوع بأهله إلى زوجة وذرّية.
والفكرة التي تدور عليها قصصه أنّ الحكم عنده إذنٌ يُطلب منه، والعمل يقوم به غيره. بعل يقاتل، وأثيرت تشفع، وكوثر يبني، وإيل يجيز. وحزنه يعلن مقدار الفقد حين يموت بعل، وحلمه يعرف عودته، واسمه في تحذير شبش يكفي ليتراجع الموت. وأبوّته من هذا الباب: أب الجماعة وكبيرها الذي تُطلب منه البركة والولد، ولا يلزم أن يكون كلّ من في مجلسه ابناً له، فبعل نفسه يُسمّى في موضع آخر «ابن دجن».
أمّا الاسم فله في اللسان العربي قراءتان، ولكلّ منهما شواهدها. كتبته أوغاريت ʾil «إِل»، وضبطه الباحثون Ilu «إِلُ»، والضمّة في آخره علامة رفع كما في العربية، فإذا رفعنا علامة الإعراب بقي حرفان: حرف من الحلق ثم لام. القراءة الأولى تأخذ الحرف الأوّل همزةً كما رسمته الألواح، فالاسم «الإلّ»، ويفسّره معجم لين بالله، ويذكر له العهد والقرابة والربوبيّة، ومعه «إله» بهاء في آخره: المعبود الذي يُلجأ إليه. والقراءة الثانية هي التي يبدأ بها المقال الكنعاني: «ع-ل-و بمعنى إله، قوة عليا»، فالاسم «العليّ»، وهو في معجم لين من أسماء الله، ومعناه الذي ليس فوقه شيء، وفي آية الكرسي «وهو العليّ العظيم»؛ والهمزة على هذه القراءة عينٌ ضعفت. والقراءتان توافقان ما تجعله القصّة لإيل: هو الإله الذي تنتهي إليه الطلبات ويُلجأ إليه في الولد والبيت، وهو الملك «أبو السنين» الجالس فوق مجلس الآلهة، الذي ينزل عن عرشه إلى الأرض حين يحزن. ء-ل
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق أو المعنى | بيانها |
|---|---|---|
| ʾil «إِل» | إيل | الرسم الأوغاريتي، بالهمزة |
| Ilu «إِلُ» | إِلُ | ضبط الباحثين، بضمّة الرفع |
| אֵל «إيل» | إله | العبرية |
| ilu «إِلُو» | إله | الأكدية، وقد سقطت منها العين والهمزة |
| ʾlh «إله» | إله | الآرامية، بالهاء |
| إِلّ | الله؛ العهد؛ القرابة؛ الربوبيّة | العربية، في معجم لين: القراءة الأولى |
| العَلِيّ، وعِلْو الشيء | الذي ليس فوقه شيء؛ أعلى الشيء | العربية، في معجم لين: القراءة الثانية |
ʾl wʿlyn «ء-ل و-ع-ل-ي-ن» |
إيل وعليون | معاهدة سْفِيرَة الآرامية، القرن الثامن قبل الميلاد |
| אֵל עֶלְיוֹן «إيل عِلْيُون» | الإله العليّ | العبرية، سفر التكوين 14 |
| Ἐλιοῦν / Elioun «إِلْيُون» | الذي يُدعى الأعلى | فيلون الجبيلي «فِيلُون»، رأس النسب الذي ينزل منه إيل |
| ṯr ʾil «ثَوْر إيل» | ثور إيل | لقب قوّة وسيادة؛ ṯr «ثَوْر» هو «الثور» العربي |
| أبو السنين | الشيخ طويل العهد | لقب أقدمية لا خبر عن مولده |
| lṭpn ʾil d pʾid «لِطْپان إيل ذو پِئِد» | اللطيف إيل ذو الفؤاد | لقب الرحمة؛ «لطيف» بنون زائدة، و«ذو فؤاد»، قراءة مقترحة على المنهج |
الاسم حرفان: حرف من الحلق ثم لام، والقراءتان تختلفان في الحرف الأوّل، أهو همزة في الأصل أم عين ضعفت إلى همزة. القراءة الأولى «الإلّ» و«الإله»، وتقوم على الرسم. فالأبجدية الأوغاريتية تكتب الاسم ʾil «إِل» بالهمزة، وتكتب في الألواح نفسها ʿl «عَل»، أي على، وʿly «عَلِي»، أي صعد، بالعين، فالحرفان عندها مختلفان. وتوافقها العبرية אֵל «إيل» بالألف، والآرامية ʾlh «إله»، والعربية «إله» بهاء ظاهرة و«إلّ» بلا هاء. يفسّر معجم لين «الإله» بالمألوه، أي المعبود، ومن فعله «أَلِهَ إليه» إذا لجأ إليه يطلب الأمان. ويقول في «الإلّ» إنّه الله، مثل אֵל «إيل» في العبرية، ويرويه عن مجاهد والشعبي، ويروي عن ابن الكلبي أنّ «إلّ» و«إيل» في آخر الأسماء، مثل جبرئيل، بمعنى الله، وينقل اعتراض صاحب «المحكم» عليه. ويجعل الجدول الموسّع في المقال الكنعاني صلة إيل بـ«إله» «قطعيّة». قوّة هذه القراءة أنّها تطابق الشواهد الأبجدية حرفاً بحرف، وحدّها أنّ هذه الشواهد لا تثبت الهمزة إلّا من القرن الرابع عشر قبل الميلاد فما بعده. أمّا أن تكون صورة إيل الأوغاريتي قد انتقلت بذاتها إلى التصوّر الإسلامي لله، كما يقول المقال، فدعوى تحتاج سلسلة شواهد مؤرّخة؛ والذي تثبته الشواهد قرابة الألفاظ.
والقراءة الثانية «العليّ»، من «علا»، وبها يبدأ المقال الكنعاني: «ع-ل-و بمعنى إله، قوة عليا»، ويجعل أصلها حرفين: ع-ل. والعليّ في معجم لين من أسماء الله، ومعناه الذي ليس فوقه شيء، وفيه «عُلْو الشيء» و«عِلْوه»، بالضمّ والكسر: أعلاه، ويقولون «أتيته مِن عَلِ» وأصلها «مِن عَلْوٍ»، فتصير الكلمة في الاستعمال عيناً ولاماً. وأوّل شواهد هذه القراءة قوانين التحوّل في هذا المشروع. يقول جدول التحوّلات إنّ العين في الأكادية «يختفي أو → e»، وتجعل قوانين جذور العين أكثر الحروف الحلقية سقوطاً، وتسجّل أنّها تصير في الفارسية المحكية همزة، وهذا هو التحوّل الذي تحتاج إليه هذه القراءة. فالأكدية ilu «إِلُو» لا تحكم بين ʾil «إِل» وʿil «عِل»، لأنّها أسقطت الحرفين معاً. والأثر الذي تتركه العين الساقطة فيها أن تصير الفتحة المجاورة لها e، كما في eli «إِلِي»، أي على، وelû «إِيلُو»، أي صعد؛ أمّا الكسرة فتبقى، فالفعل «صعد» نفسه يُكتب في الماضي i-li «إِلِي»، بالرسم الذي يُكتب به «إله» i-lu «إِلُو».
والشاهد الثاني أنّ الهمزة والعين تتبادلان في العربية نفسها. يذكر معجم لين في مادّة «عن» «العَنْعَنة»: إبدال العين من الهمزة، كقولهم «عَنْ» في موضع «أَنْ»، وينسبها إلى تميم، وينقل عن الفرّاء أنّها في لغة قريش ومن جاورهم وتميم وقيس وأسد، يقلبون همزة «أنّ» المفتوحة عيناً. والتبديل هنا من الهمزة إلى العين، والقراءة تحتاج عكسه، لكنّه يدلّ على أنّ الحرفين يتقاربان في سمع العرب حتى يقوم أحدهما مقام الآخر.
والشاهد الثالث أنّ الكلمتين تقترنان في الشواهد القديمة. ففي معاهدة سفيرة الآرامية، من القرن الثامن قبل الميلاد، تُذكر الآلهة الشهود على المعاهدة أزواجاً، ومنها ʾl wʿlyn «ء-ل و-ع-ل-ي-ن»، أي «إيل وعليون»، ويليها «السماء والأرض» و«الغمر والينابيع» و«النهار والليل» (الوجه الأوّل، السطر 11). يقرؤها بعض الباحثين إلهين، ويقرؤها آخرون اسماً واحداً: «إيل الذي هو العليّ». وفي سفر التكوين 14:18–22 يُسمّى אֵל עֶלְיוֹן «إيل عِلْيُون»، أي الإله العليّ، «مالك السماء والأرض». وفي المزمور 82 يقوم الحاكم في «جماعة إيل» עֲדַת־אֵל «عَدَت إيل» في الآية الأولى، ويقول في السادسة «وبنو عِلْيُون كلّكم». فالرسم يفرّق بين الكلمتين بحرفهما الأوّل، وهذا يخدم القراءة الأولى؛ والكلمتان لا تفترقان في الموضع ولا في المعنى، وهذا يخدم الثانية.
والشاهد الرابع رواية فيلون الجبيلي، كاتب من القرن الأوّل أو الثاني للميلاد، نقلها يُوسابْيُوس في «الإعداد للإنجيل» (1.10.15). يقول فيها إنّه وُلد في ذلك الزمان Ἐλιοῦν / Elioun «إِلْيُون»، «الذي يُدعى الأعلى»، Ὕψιστος / Hypsistos «هِبْسِيسْتُوس»، وأنثى اسمها Beruth «بِيرُوت»، وسكنا قرب جبيل، فوُلد لهما Epigeius «إِبِيغِيُوس»، أي المولود من الأرض، وسمّوه بعدُ أورانوس، السماء؛ ومن أورانوس وُلد Elus «إِيلُوس»، الذي هو كرونوس. فالعليّ عند فيلون في رأس النسب الذي ينزل منه إيل.
والشاهد الخامس القصّة. إيل رأس مجلس الآلهة وملكهم، يُسمّى «الملك أبو السنين»، ومقامه «عند منبع النهرين»، يصعد إليه كلّ طلب وينزل منه كلّ إذن. وحين يبلغه موت بعل «ينزل عن العرش ويجلس على موطئ القدمين، ومن موطئ القدمين يجلس على الأرض». والعليّ في العربية الذي ليس فوقه شيء، كما في سورة البقرة 2:255 «وهو العليّ العظيم».
وحدّ هذه القراءة في الكتابة. فإن كانت العين في أصل الاسم فقد صارت همزة قبل أن تكتبه أبجدية أوغاريت، بل قبل الأسماء الأَمُورِيّة في أوائل الألف الثاني قبل الميلاد. يكتب الكتبة في هذه الأسماء عين الفعل أحياناً بعلامة من باب الخاء، ḫ «خ»، كما في ia-aḫ-zi-ir-ì-il «يَعْذِر إيل»، أي أعان الإله، وsi-ma-aḫ-ni-i-la «سِمَعْني إيلا»، أي اسمعني يا إله، وia-áš-ma-aḫ-ì-el «يَسْمَع إيل»، أي سمع الإله، ويكتبون العنصر الإلهي ì-il «إِل» وi-la «إِلا» وì-el «إيل» بلا خاء، وإن كانت هذه العلامة لا تُكتب لكلّ عين. أمّا إِبْلا، في القرن الرابع والعشرين قبل الميلاد، فتكتب الهمزة والعين بالعلامة نفسها: العلامة a «أ» لـʾa «أَ» وʿa «عَ»، والعلامة i₃ «إ» لـʾi «إِ» وʿi «عِ»، فلا يفصل رسم il «إِل» في أسمائها بين القراءتين. وفي ألواح أوغاريت يُطلق لقب ʿly «عَلِيّ»، العليّ، على بعل لا على إيل.
فالقراءتان قائمتان معاً. الأولى تقرأ الحروف كما رسمتها الأبجدية، فإيل «الإلّ»، الإله الذي يُلجأ إليه وتُطلب منه الذرّية والإذن. والثانية تقرأ الاسم بالمعنى الذي يقترن به في سفيرة والتوراة وفيلون وفي القصّة، فإيل «العليّ» الذي ليس فوقه أحد في مجلس الآلهة، وهمزته عين ضعفت كما تضعف في الأكدية والفارسية المحكية. ء-ل؛
وفي توسّع المقال طبقات أخرى تحفظ الهمزة واللام، فهي من باب القراءة الأولى: «ألّ» و«إلى» و«أوّل» و«آل» و«ولي». وهذه في جملتها ما اختلف فيه علماء العبرية في أصل אֵל «إيل»، ويجمع معجم بي دي بي «BDB» أقوالهم ويصف المسألة بأنّها معقّدة ونتائجها غير يقينية. قال بعضهم إنّه من «أول» بمعنى تقدّم أو قوي، فالإله السيّد المتقدّم، وهذا «أوّل» العربية؛ وقال آخرون إنّه من فعل معناه امتدّ إلى الشيء وقصده، فالإله الغاية التي يسعى إليها الناس، وهذا «إلى». وفي معجم لين «آل» رجع إلى أصله، و«أَوِلَ» سبق وتقدّم. أمّا «ولي» فتحتاج إلى قلب الحروف، وفيها واو وياء لا تظهران في الرسم. وأمّا «ألّ» بمعنى لمع، كما يقول المقال، فلا يورده معجم لين في المادّة، والذي فيها «الإلّ» بمعنى الله والعهد والقرابة.
وألقاب إيل في الألواح تصف منزلته وخُلُقه: «ثور إيل أبوه»، و«الملك أبو السنين»، و«خالق المخلوقات»، و«أبو البشر»، و«اللطيف إيل ذو الفؤاد». ونقرأ lṭpn «لِطْپان» «لطيفاً» بنون زائدة، وd pʾid «ذو پِئِد» «ذا فؤاد»، قراءة مقترحة على المنهج: الرحيم صاحب القلب.
السرديات الأسطورية الرئيسة
تسير أثيرت إلى خيمة إيل، فيسألها أجائعة هي أم عطشى، ثم تعرض حاجة بعل. وكان النصر وحده لم يمنح بعلاً القصر، فلمّا أذن الشيخ بدأ البناء، وسكن بعل البيت وأرسل منه صوته.
وقصّتا أقهت وكرت مختلفتان، لكنّ قرار إيل في كلتيهما يعيد للبيت امتداده بعد العقم أو الفقد.
القراءة والتأويل
يجمع مقام إيل الخيمة والماء. يسمّي اللوح «منبع النهرين» و«ينبوعي الغمرين»، ولا يسمّي العاصي والليطاني ولا دجلة والفرات، فتعيين هذين الزوجين من الأنهار رأي من إعادة القراءة. أمّا داخل القصيدة فالماء الجاري بجوار خيمة الشيخ يضع مجلس الحكم عند أصل الحياة والخصب.
وتصف المقارنة البنيوية في هذا المشروع إيل بـ«الصمت المنتج»، ويقارَن بـآنو لأنّ كليهما كبير يفوّض العمل إلى غيره: حول إيل يقاتل بعل ويبني كوثر وتتوسّط أثيرت، وحول آنو تعمل شخصيات وأجيال أخرى. والمقارنة في توزيع السلطة، لا في الاسم ولا في النسب.