ملخص
الثور المقدّس الثور الذي يجعله الناس صورة لقوّة لا يملكونها: قوّة السماء الغاضبة، أو قوّة الأب الأكبر، أو حياة المعبود في جسد حيّ، أو الحيوان الأوّل الذي يخرج من موته الزرع والماشية. ويتكرّر في القصص أن يُرسل الثور عقاباً، أو يُعبد حيّاً، أو يُقتل فتخرج من موته الحياة.
وأقدم قصّة تامّة له قصّة «ثور السماء» السومرية. يردّ جلجامش إنانا، فتطلب من أبيها آن ثور السماء لتقتل به جلجامش، فيقول آن: إنّه يعكّر المياه ويملأ الأرض بروثه، ومرعاه في الأفق، لا يرعى إلّا حيث تطلع الشمس، فلا أعطيكه. فتهدّده أن تصرخ حتى يبلغ صوتها السماء والأرض، فيخاف ويعطيها مقوده. فينزل الثور إلى أوروك، ويقول جلجامش: سنرمي جثّتك في الشوارع، وأمعاءك في الساحة، وأقسم لحمك في السلال على أبناء الأرامل في مدينتي، وأصنع من قرنيك قارورتين أصبّ منهما الزيت لإنانا. ويقتله هو وإنكيدو. وفي الرواية البابلية في اللوح السادس من الملحمة تهدّد عشتار أباها إن لم يعطها الثور بأن تكسر أبواب العالم السفلي فيصعد الموتى يأكلون الأحياء، فيقول: إن أعطيتك إيّاه كانت على أوروك سبع سنين من القشّ الفارغ، فهل جمعتِ للناس حَبّاً؟ فتقول: جمعت. فينزل الثور، فينخر نخرة فتنشقّ حفرة يسقط فيها مئة شابّ، ثم مئتان، ثم يسقط إنكيدو إلى خصره، فيقفز ويمسك الثور بقرنيه، ويطعنه جلجامش بين القفا والقرنين، ويقدّمان قلبه لـشمش. فتصعد عشتار على السور وتلعن، فيقتلع إنكيدو فخذ الثور ويرميه في وجهها.
وتتكرّر الصورة في الشعوب. في أوغاريت يُسمّى كبير الآلهة «ثور إيل»، وفي مصر يعيش أبيس ثوراً حيّاً في منف ويُدفن دفن الملوك، وفي كريت يُخرج پوسيدون للملك مينوس ثوراً من البحر فيحبسه الملك ولا يذبحه، فيولد من الثور ومن امرأة الملك المينوتور الذي يقتله ثيسيوس. وفي إيران يقتل أهريمن الثور الأوّل فتخرج من أعضائه الحبوب والنبات، وفي معابد ميثرا الرومانية يطعن المعبود الثور فيصير ذيله سنبلة قمح. وفي الهند يعطي دكشا شيفا ثوراً فيجعله مركبه وعلمه، وفي الشمال ترضع البقرة أوذهوملا العملاق الأوّل يمير. «المكتبة» 3.1.3–4، «البندهشن» 4 و10، الموسوعة الإيرانية، «الميثرائية»، «المهابهاراتا» 13.77، «خداع غيلفي» 6.
والفكرة التي تدور عليها هذه القصص أنّ الثور قوّة الأرض والزرع في جسد واحد، وأنّها قوّة تُعطى وتُؤخذ. ثور السماء يرعى في الأفق، فإذا نزل إلى الأرض جاء بسبع سنين من القحط وفتح الحفر تحت الناس، والثور الذي يحرث في مصر يُعبد حيّاً ويُبكى ميّتاً، والثور الأوّل في إيران يموت فتنبت الحبوب من أعضائه. والملوك يتعاملون مع الثور كما يتعاملون مع المعبود: مينوس يحبس ثور پوسيدون فيعاقَب، وجلجامش يقتل ثور آن فيموت صديقه، وقمبيز يطعن أبيس فيجنّ في رواية هيرودوت. فالثور ملك للمعبود، ومن أخذ منه ما ليس له دفع الثمن.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: «الثور» كلمة واحدة في الألسن السامية، ويقول جدول التحوّلات في هذا المشروع إنّها هي اللاتينية taurus «تاوْرُوس» واليونانية ταῦρος «تاوْرُوس»، الثاء صارت تاء. وتكتبها الأوغاريتية ṯr «ثر» في لقب إيل، ويقول المعجم الأكدي إنّ šūru «شُورُو» الثور، وšūr šamāʾī «شُور شَمائي» ثور السماء، وتقول المقالة الإغريقية إنّ المينوتور «ثور مينوس». وفي معجم لين: الثور الذكر من البقر، والثور برج من بروج السماء، والثور سيّد القوم، والمُثيرة البقرة التي تحرث الأرض، من «ثار» إذا هاج وارتفع. ففي الكلمة الثلاثة التي تدور عليها القصص: النجم في السماء، والسيّد بين قومه، والبقرة التي تثير الأرض.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | اللسان | المعنى |
|---|---|---|---|
ṯr |
ثر | الأوغاريتية | الثور، في لقب إيل |
šūru، šūr šamāʾī |
شُورُو، شُور شَمائي | الأكدية | الثور؛ ثور السماء |
alû |
أَلُو | الأكدية | ثور السماء؛ برج الثور |
| gud-an-na | گُود أنّا | السومرية | ثور السماء |
| ταῦρος، Μινώταυρος | تاوْرُوس، مِينُوتاوْرُوس | اليونانية | الثور؛ المينوتور |
| taurus | تاوْرُوس | اللاتينية | الثور |
| Ḥp، Mr-wr | حَپ، مِر وِر | المصرية | أبيس؛ منيڤيس |
gāw، gəuš uruuan |
گاو، گِئوش أُرُوَن | الفارسية الوسطى والأفستية | البقرة والثور؛ روح البقرة |
nandin |
نَنْدِين | السنسكريتية | المبتهج؛ ثور شيفا |
| Auðhumla | أَوْذْهُوملا | النوردية القديمة | البقرة الأولى |
| ثَوْر، الثَّوْر، مُثِيرة | العربية | الثور؛ برج الثور؛ البقرة التي تحرث | |
| جاموس | العربية | البقر الوحشي، من الفارسية «گاو ميش» |
الثاء والتاء
تكتب الأوغاريتية الثور ṯr «ثر»، والثاء الأوغاريتية ثاء عربية، وتقول المقالة الكنعانية في هذا المشروع إنّ إيل في الأوغاريتية «أبو الآلهة وأبو البشر» و«ثور إيل»، رمز القوّة الأولى. وتصير الثاء في العبرية شيناً وفي الآرامية تاءً، كما في جدول قوانين مشروع جذور، فهي في الأكدية šūru «شُورُو» بالشين. ويقول جدول التحوّلات في هذا المشروع إنّ الثور السامي هو taurus «تاوْرُوس» اللاتينية، الثاء صارت تاء، ويجعل درجة ذلك «راجح جداً». ويقرأ المقال الإغريقي Μινώταυρος «مِينُوتاوْرُوس» كلمتين: مينوس والثور، ويقول إنّ الثور كلمة سامية أصيلة، وتفصّل صفحة ثيسيوس القراءة.
ثار وأثار
في معجم لين مادّة «ثور» تجمع الثور والهيجان: ثار الغبار ارتفع، وثار الرجل غضب واشتدّ غضبه، والمُثيرة البقرة التي تحرث الأرض. وفي القرآن يصف موسى البقرة التي أُمر بنو إسرائيل بذبحها بأنّها «لا ذلول تثير الأرض ولا تسقي الحرث». فالثور في هذه المادّة الذي يثير التراب بالمحراث، والذي يثور فيُخيف، وهذان وجها ثور السماء: يفتح الأرض بنخرته فيسقط فيها الناس، ومعه سبع سنين بلا حَبّ.
الثور السماوي والبرج
يقول المعجم الأكدي إنّ alû «أَلُو» ثور السماء في الأدب البابلي، وإنّ الكلمة نفسها اسم برج الثور في السماء، ويُكتب بالعلامات السومرية MUL.GU4.AN.NA «نجم ثور السماء». وفي معجم لين «الثور» برج من بروج السماء. فثور السماء في القصّة البابلية هو البرج نفسه، ونزوله إلى الأرض نزول نجم. ويقول آن في الرواية السومرية إنّ الثور لا يرعى إلّا في الأفق حيث تطلع الشمس.
الگاو والجاموس
يقول معجم لين إنّ الجاموس صنف من البقر، وإنّه معرّب من الفارسية «گاو ميش». والكلمة الفارسية gāw «گاو» هي gāuš «گاوْش» في الأفستا، ومنها اسم «روح البقرة» gəuš uruuan «گِئوش أُرُوَن»، الذي صار في الفهلوية «گوشورون». فالعربية تحفظ في «الجاموس» الكلمة الإيرانية للبقرة.
ناندي
يقول مونير وليامز إنّ nandin «نَنْدِين» في السنسكريتية المبتهج والمُبهج، واسم أحد أتباع شيفا في «المهابهاراتا»، واسم ثور شيفا. وتقرأ المقالة الهندية في هذا المشروع الاسم من «ن-د-ي»: «النَّدِيّ» مجلس القوم، فناندي الثور القائم أمام معبد شيفا في موضع اجتماع الناس، أو «نادى» فهو المنادي عند باب المعبود.
الشواهد بحسب الحضارة
بلاد الرافدين: ثور السماء
في الرواية البابلية يرى الصانعون قرني الثور فيعجبون من غلظهما، كلّ واحد من ثلاثين منّاً من اللازورد، فيعطي جلجامش ما فيهما من الزيت، ست جرار، لإلهه لوگالبندا، ويعلّقهما في غرفته. وتجمع عشتار نساء معبدها فيندبن فخذ الثور. ثم يرى إنكيدو في منامه أنّ الآلهة قضت بموته لأنّه قتل خمبابا وثور السماء. فالثور الذي جاء بالقحط يُقتل، فيدفع إنكيدو الثمن.
أوغاريت: ثور إيل
في الألواح الأوغاريتية يُلقّب إيل «ثور إيل أبوه» حين يخاطبه أبناؤه، وهو الشيخ الذي لا يقاتل بيده ويُطلب منه الإذن والبركة، كما في صفحة إيل. فالثور هنا قوّة الأب الأكبر وسلطانه، لا الحيوان الذي يُذبح.
مصر: أبيس ومنيڤيس
يعيش أبيس في منف، ويُعرف بعلاماته، ويُبكى عليه إذا مات ويُبحث عن خلفه، ويقول پلوتارخ إنّه صورة روح أوزيريس. وفي هليوپوليس ثور آخر، منيڤيس، يُعبد في معبد الشمس، ويقول ديودور إنّ المصريين جعلوا الثورين لأوزيريس لأنّهما أعانا الناس على البذر والحرث.
كريت واليونان: ثور البحر
يقول كتاب «المكتبة» إنّ مينوس وعد پوسيدون أن يذبح له ما يخرج من البحر، فلمّا خرج ثور جميل أرسله إلى قطيعه وذبح غيره، فغضب پوسيدون وجعل الثور شرساً، وجعل امرأة الملك پاسيفاي تشتهيه، فصنع لها ديدالوس بقرة من خشب، فولدت المينوتور. ويروي في العمل السابع من أعمال هيراكليس أنّه أمسك الثور في كريت وأتى به إلى يوريسثيوس ثم أطلقه، فطاف الثور في إسپرطة وأركاديا حتى بلغ ماراثون، ويقول بعضهم إنّه الثور الذي حمل زيوس عليه أوروپا.
إيران وروما: الثور الأوّل وطعنة ميثرا
في «يسنا» 29 تشكو روح البقرة إلى الآلهة: لمن صنعتموني؟ ومن خلقني؟ لقد ظلمني العنف والنهب، وليس لي راعٍ غيركم. ويروي «البندهشن» أنّ الثور الأوّل حين مات خرجت روحه، گوشورون، فصاحت إلى أورمزد صياح ألف رجل: لمن تركت رعاية الخلق، وقد أصاب الأرضَ الخراب ويبس النبات وتعكّر الماء؟ وطافت بمقام النجوم والقمر والشمس حتى أُريت روح زرادشت، فرضيت أن تُخلق في الماشية. ومن أعضاء الثور خرج خمسة وخمسون صنفاً من الحَبّ واثنا عشر صنفاً من نبات الدواء، وطُهّرت نطفته في القمر فخرج منها ثور وبقرة. ويقول روجر بيك في الموسوعة الإيرانية إنّ ميثرا الروماني يطعن الثور في فم كهف فيصير ذيله سنبلة قمح، ويثب الكلب والحيّة إلى الدم، ويمسك العقرب بأعضاء الثور، وإنّ هذا المشهد قد يكون صورة رومانية لقتل أهريمن الثور الأوّل، أو لذبح سوشيانت الثور في آخر الزمان ليُصنع من شحمه شراب الخلود، وإنّ النصوص الفهلوية متأخّرة عن تماثيل الطعنة بقرون.
الهند: ثور شيفا
تروي «المهابهاراتا» أنّ دكشا، ربّ المخلوقات، شرب الأمريتا فتجشّأ فخرجت من فمه البقرة سورابهي، فولدت بقراً ذهبية اللون، فلمّا درّت سال الزبد، فوقع من أفواه العجول على رأس شيفا وهو جالس على الأرض، فغضب ونظر إلى البقر بعينه الثالثة فكاد يحرقها. فأعطاه دكشا ثوراً مع بقرات، فرضي وجعل الثور مركبه وصورته على علم عربته، فسُمّي «صاحب علم الثور»، وجعله الآلهة سيّد الحيوان.
الشمال: البقرة التي ترضع وتلحس
يقول «خداع غيلفي» إنّه لمّا قطر الصقيع صارت منه بقرة اسمها أوذهوملا، تجري من ضروعها أربعة أنهار من اللبن فتغذّي يمير. وكانت تلحس حجارة الصقيع المالحة، فخرج من الحجر في اليوم الأوّل شعر رجل، وفي الثاني رأسه، وفي الثالث الرجل كلّه، واسمه بوري، جدّ أودين. فالبقرة الأولى في الشمال لا تُقتل، بل ترضع العملاق وتُخرج جدّ الآلهة من الحجر، وخبرها في صفحة أوذهوملا. «خداع غيلفي» 6، النصّ النوردي.
التوازيات عبر الحضارات
ماذا يمثّل الثور في كلّ قصّة. في بلاد الرافدين ثور السماء نجم ينزل غضباً ويجيء بالقحط، وفي أوغاريت لقب للأب الأكبر، وفي مصر جسد يسكنه المعبود، وفي كريت هديّة من البحر يحبسها ملك فيعاقَب، وفي إيران الحيوان الأوّل الذي يموت فتخرج منه الحبوب والماشية، وعند ميثرا الذبيحة التي يخرج من موتها القمح، وفي الهند مركب المعبود وعلمه، وفي الشمال البقرة التي تُرضع الخلق الأوّل. ويقرب الثور الأوّل الإيراني من الجسد الذي يصير العالم، فمن أعضائه يخرج النبات كما يخرج العالم من جسد يمير، ويقرب أبيس من المعبود الذي يموت ويعود.
ويتكرّر أن يكون ثمن الثور موتاً: يموت إنكيدو بعد ثور السماء، ويقتل ثيسيوس المينوتور فيموت أبوه إيجيوس حين يرى الشراع الأسود، ويطعن قمبيز أبيس فيقول هيرودوت إنّه جُنّ. ويتكرّر أن يكون للثور لون وعلامة: أبيس أسود ببقعة بيضاء، والبقرة في القرآن «لا شية فيها»، وثور مينوس «جميل» يخرج من البحر، وبقرات سورابهي ذهبية اللون.
والثور في كلّ هذه الشعوب من تقويم الزرع: ثور السماء يجيء بسبع سنين بلا حَبّ، وأبيس ومنيڤيس أعانا على البذر، وذيل ثور ميثرا سنبلة، والثور الإيراني يُخرج خمسة وخمسين صنفاً من الحَبّ. وفي مصر تُصنع أجزاء معدّية الموتى من جلد منيڤيس، كما في نهر الموتى.
وفي الأكيتو البابلي يوقف الكاهن عند الغروب ثوراً أبيض أمام حفرة فيها قصب وعسل وقشدة وزيت، ويشعل الملك النار، ويقولان: «أيّها الثور الإلهي، يا نوراً ساطعاً يضيء الظلام»: الأكيتو.
وفي أرمنت جنوب طيبة ثور بوخيس، أسود الرأس أبيض الجسد، «صورة مونتو الحيّة»، معبود الحرب، يضع على رأسه ريشتَي مونتو وبين قرنيه قرص الشمس، وتُدفن الثيران في توابيت من الحجر الرملي في البوخيوم وأمّهاتها في مقبرة إلى جانبها: مونتو.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة الإغريقية في هذا المشروع اسم المينوتور «ثور مينوس»، وتقرأ مينوس من «منّ» بمعنى قدّر وحكم، فالمينوتور «ثور الحاكم». ويضع جدول التحوّلات «الثور» السامي مع taurus «تاوْرُوس» اللاتينية وÞórr «ثُور» النوردية تحت قانون مولّر وبومهارد، الذي يردّ بعض المتقاربات بين السامية والهندوأوروبية إلى أصل مشترك، وتنبّه مقالة طرق التجارة إلى أنّ هذه الفرضية غير مقبولة عند الجميع، وإن صعب تفسير بعض المتقاربات بالمصادفة. وتجعل المقالة الهندية ناندي وأبيس «الفكرة نفسها»، وتذكر معهما العجل المقدّس لآنو في بابل. والقصص نفسها تجعل الثور حيوان الحرث، فقراءة الكلمة مع الزرع توافق ما يقوله ديودور في ثيران مصر، وما يقوله «البندهشن» في الثور الأوّل.