ملخص
ثِيسِيُوس بطل أثينا في أساطير الإغريق، ابن أَيْجِيُوس ملكها من أَيْثْرَا ابنة بِيتِّيُوس ملك تْرُويزِن. ويروي أبولودور أنّ بوسيدون اضطجع مع أمّه في الليلة نفسها، وأشاع جدّه في ترويزن أنّه ابن بوسيدون. وهو الذي قتل المينوتور في متاهة كريت، ثم جمع قرى أَتِّيكَا في مدينة واحدة. وأتمّ أخباره في «سيرة ثيسيوس» لبلوتارخ، وفي «المكتبة» المنسوبة إلى أبولودور وخلاصتها.
تبدأ قصّته بعلامة مخبّأة. نزل أيجيوس، ولم يكن له ولد، عند بيتّيوس في ترويزن وهو راجع من دلفي، فأدخل بيتّيوس ابنته عليه. فلمّا ظنّ أيجيوس أنّها حملت منه، خبّأ سيفاً ونعلين تحت صخرة عظيمة فيها تجويف على قدرهما، وقال لها: إن ولدتِ ابناً، وكبر حتى يقدر أن يرفع الصخرة ويأخذ ما تحتها، فأرسليه إليّ بهما سرّاً. فلمّا شبّ ثيسيوس رفع الصخرة وأخذ السيف والنعلين، واختار طريق البرّ إلى أثينا، وكان مملوءاً بقطّاع الطرق. فقتل بِيرِيفِيتِيس صاحب الهراوة وأخذ هراوته، وقتل سِينِيس الذي كان يُجبر المارّة على ثني أشجار الصنوبر فتقذفهم، بالطريقة نفسها، وأمسك سْكِيرُون من رجليه ورماه في البحر كما كان يرمي الناس، ورفع كِرْكِيُون المصارع عالياً وضرب به الأرض، وقتل دَامَاسْتِيس الذي كان يمدّ ضيوفه أو يقطع أطرافهم على قدر سريره.
وفي أثينا كانت مِيدِيَا زوجة أيجيوس، فأقنعته أن يحذر الغريب، فأرسله إلى ثور مَارَاثُون، فقتله ثيسيوس. ويقول أبولودور إنّه الثور الذي أخرجه بوسيدون من البحر لمينوس ملك كريت، أو الذي حمل أوروبا، جاء به هيراكليس من كريت ثم أطلقه، فهام حتى بلغ ماراثون. ثم قدّم إليه أبوه كأساً فيها سمّ أعطته إيّاه ميديا، فلمّا أوشك أن يشرب أخرج السيف، فعرفه أيجيوس وأسقط الكأس من يده، وطرد ميديا.
وكانت أثينا تدفع إلى مِينُوس ملك كريت جزية: سبعة فتيان وسبع فتيات يُرسَلون بلا سلاح طعاماً للمينوتور، بعد أن مات ابنه أَنْدْرُوجِيُوس في أرضها. والمينوتور ابن امرأة مينوس بَاسِيفَاي. سأل مينوس بوسيدون أن يُخرج له ثوراً من البحر، ووعد أن يذبحه له، فأخرجه، فأعجبه فأبقاه في قطيعه وذبح غيره. فغضب بوسيدون، فجعل الثور شرساً، وجعل باسيفاي تهواه، فصنع لها ديدالوس بقرة من خشب مجوّفة مغطّاة بجلد بقرة، فدخلتها، فولدت أَسْتِيرِيُوس الذي سُمّي المينوتور، له وجه ثور وسائر بدنه بدن إنسان. فحبسه مينوس في المتاهة التي بناها ديدالوس، وكان من يدخلها لا يجد طريق الخروج.
فلمّا جاء موعد الجزية الثالثة تقدّم ثيسيوس بنفسه، ويقول آخرون إنّ القرعة وقعت عليه. وكانت السفينة تُرسَل بشراع أسود، فأوصاه أبوه إن رجع حيّاً أن يرفع شراعاً أبيض. وفي كريت أحبّته أَرِيَادْنِي ابنة مينوس، فعرضت أن تعينه إن حلف أن يأخذها إلى أثينا زوجة، فحلف. فسألت ديدالوس أن يدلّها على طريق الخروج من المتاهة، فأشار عليها أن تعطي ثيسيوس خيطاً. فربط ثيسيوس الخيط بالباب ودخل يجرّه وراءه، فوجد المينوتور في آخر المتاهة، فقتله ضرباً بقبضتيه، ثم خرج يتبع الخيط. وأبحر ليلاً مع أريادني والفتيان إلى نَاكْسُوس، وهناك أحبّ ديونيسوس أريادني وأخذها. فنسي ثيسيوس في حزنه أن يرفع الشراع الأبيض، فرأى أيجيوس من الأكروبول السفينة بشراعها الأسود، فظنّ ابنه هالكاً، فرمى بنفسه فمات.
فملك ثيسيوس أثينا. ويقول بلوتارخ إنّه طاف بقرى أتّيكا قرية قرية، وكان أهلها متفرّقين يتقاتلون أحياناً، فأقنعهم أن يتركوا مجالسهم ودواوينهم، وبنى لهم مجلساً واحداً حيث المدينة العليا، وسمّى المدينة أثينا، وأقام عيد الپَانَاثِينَايَا. ثم نزل مع صاحبه بِيرِيثُوس إلى دار هاديس يطلبان بيرسيفوني زوجة لبيريثوس، فأجلسهما هاديس على كرسيّ النسيان فالتصقا به، فبقي بيريثوس مقيّداً أبداً، وأصعد هيراكليس ثيسيوس. وفي آخر عمره طرده مِينِيسْثِيُوس من أثينا، فذهب إلى جزيرة سْكِيرُوس، فرماه ملكها لِيكُومِيدِيس من جرف فقتله.
والفكرة التي تدور عليها قصّته العلامة. سيف ونعلان تحت صخرة يعرف بهما الأب ابنه، فينجو الابن من السمّ. وخيط في يد يعرف به الداخل طريق الخروج، فينجو من المتاهة. وشراع ينساه الابن، فيقرأ الأب العلامة الخاطئة ويموت. فالبطل الذي فتح طريق البرّ إلى أثينا وقتل من يقطعها احتاج إلى خيط امرأة ليخرج من بناء رجل، وحين رجع جمع القرى المتفرّقة في مدينة واحدة لها مجلس واحد.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Θησεύς / Theseus «ثِيسِيُوس» آخره -εύς «ـيُوس»، لاحقة أسماء الأبطال كما في برسيوس، فيبقى Θησ- «ثِيس». ويقرؤه المقال الإغريقي «داس»: وطئ بقوّة وسحق، فثيسيوس الدائس الساحق، قاتل المينوتور. وفي معجم لين مادّة أخرى بالمعنى نفسه يقابل أوّلُها الثاء اليونانية بانتظام: طاسَ الشيءَ يطوسه طَوْساً، أي وطئه وكسره، «مثل داسه». والطاء العربية تصير في اليونانية τ «تَاوْ» أو θ «ثِيتَا»، والواو حرف مدّ، والسين سين. فثيسيوس «الطائس»، الذي يطأ ويكسر، وهذا ما تجعله القصّة: رفع كركيون وضرب به الأرض، ورمى سكيرون من رجليه، وقتل المينوتور ضرباً بقبضتيه لا بسيف. ومن «داس» نفسها «المَداس»، وهو في المعجم ما يلبسه الرجل في قدمه، أي النعل، والنعلان أوّل ما أخذه ثيسيوس من تحت الصخرة.
الجذر اللغوي
ثيسيوس و«طاس» و«داس»
| الصيغة | النطق | الموضع |
|---|---|---|
| Θησεύς | ثِيسِيُوس | الرفع، «الإلياذة» 1.265 |
| Θησέως | ثِيسِيئُوس | الإضافة، عند سوفوكليس |
في معجم لين: طاس الشيءَ يطوسه طَوْساً وطئه وكسره، والوَطْس مثل الطَّوْس. ومن المادّة نفسها طاس إذا حسن وجهه وأشرق بعد مرض، من الطَّوْس بمعنى القمر، وطوّس بمعنى ذهب إلى حيث لا يُدرى، يقال: ما أدري أين طوّس به.
وفي معجم لين أيضاً: داس الشيءَ وطئه بقدمه وطئاً شديداً، وداس الحَبّ درسه، والدوائس البقر التي تدوس الحبّ، والدوّاس الأسد الذي يطأ فريسته، والرجل الشجاع الذي يطأ كلّ من نازله. والمَداس ما يُلبس في القدم.
والمقابلة في الصوت: الطاء العربية تقابلها في اليونانية τ «تَاوْ» أو θ «ثِيتَا» بعد ذهاب التفخيم، والسين تقابلها σ «سِيغْمَا»، والواو مدّ يقابله الحرف الطويل η «إِيتَا»، وتسقط لاحقة الاسم. أمّا قراءة المقال بالدال فتحتاج إلى إبدال الدال ثاءً، والدال العربية تقابلها في اليونانية δ «دِلْتَا» لا θ «ثِيتَا». فالمعنى معنى المقال، والحرف الذي يحفظه بانتظام حرف «طاس»، والمعجم نفسه يجعل الكلمتين بمعنى واحد.
ويفسّر بلوتارخ الاسم تفسيراً يونانياً: سُمّي ثيسيوس، كما يقول بعضهم، لأنّ علامات معرفته «وُضعت» مخبّأة، ويقول آخرون لأنّ أيجيوس «أقرّ» به ابناً في أثينا، وهما لعبتان بالفعل اليوناني τίθημι «تِيثِيمِي»، وضع. ويقرب من هذا التفسير في العربية «دَسّ»: في معجم لين دسّه أخفاه في التراب أو تحت شيء، وهو ما فعله أيجيوس بالسيف والنعلين. وهي قراءة مقترحة على المنهج، يجمعها مع «داس» الدال والسين، ويضعفها أنّ الدال لا تصير θ «ثِيتَا».
ويذكر المقال قراءة ثالثة هي «ثَسّ» بمعنى هشم، ولا تجد هذه المادّة في معجم لين ولا في المعاجم المجموعة في المعجم العربي الشامل.
المينوتور ومينوس
يقرأ المقال الإغريقي Μινώταυρος / Minotaur «مِينُوتَاوْرُوس» كلمتين: Μίνως «مِينُوس» وταῦρος «تَاوْرُوس»، أي ثور مينوس، ويقول إنّ «ثور» كلمة سامية أصيلة. وهذا أوثق ما في الاسم: ثور العربية وταῦρος «تَاوْرُوس» اليونانية وtaurus «تَاوْرُوس» اللاتينية من أصل واحد، تصير فيه الثاء تاءً، وتضعها قوانين التحوّل الصوتي في المشروع في أعلى درجاتها. وفي معجم لين من المادّة نفسها ثار، أي هاج واضطرب، وهذا ما صنعه بوسيدون بثور مينوس حين جعله شرساً.
ويقرأ المقال اسم مينوس من «مَنَّ» بمعنى قدّر وحكم، فالمينوتور «ثور الحاكم». والمعنى الذي يذكره المقال هو في معجم لين تحت مادّة م-ن-ي: مَنَى أي قدّر، والمَنِيّة الأمر المقدَّر، وهي الموت «لأنّه مقدَّر»، والمنايا المقادير. ومينوس في «المكتبة» واضع الشرائع لأهل كريت، وفي «الأوديسة» يجلس في دار هاديس وفي يده صولجان من ذهب يقضي بين الموتى. فهو الذي يقدّر، وثوره يأكل الفتيان الذين قُدّر عليهم أن يُرسَلوا إليه.
ويقرأ المقال Λαβύρινθος / Labyrinth «لَابِيرِنْثُوس» قراءات: «لَبّ» أي العمق مع «يرنّ» أي يتردّد صداه، أو «لبيرة» الكنعانية أي اللبؤة مع «نث» أي المغارة، أو «لا» مع «بيت»، أي اللامكان الذي لا مخرج منه. والثالثة أقربها إلى وصف «المكتبة»: بناء «تحيّر طرقُه الملتوية الخارجَ منه».
السرديات الأسطورية الرئيسة
خاتم مينوس
يصف باوسانياس صورة على جدار معبد ثيسيوس في أثينا: كان مينوس يحمل الفتيان والفتيات إلى كريت، فأراد إحدى الفتيات، فمنعه ثيسيوس، فشتمه مينوس وأنكر أن يكون ابن بوسيدون، ورمى خاتمه في البحر وقال: إن كنت ابنه فأخرجه. فخرج ثيسيوس من البحر بالخاتم، ومعه تاج من ذهب أعطته إيّاه أَمْفِيتْرِيت امرأة بوسيدون.
رقصة الكركيّ
ويقول بلوتارخ إنّ ثيسيوس نزل في طريق رجوعه في جزيرة دِيلُوس، فرقص مع الفتيان حول المذبح رقصة تحاكي ممرّات المتاهة الملتوية، بالتفاف ثم انفكاك، وكان أهل ديلوس ما زالوا يرقصونها في زمنه ويسمّونها «الكركيّ». وفي «الإلياذة» ساحة رقص صنعها ديدالوس في كْنُوسُوس لأريادني، يدور فيها الفتيان والفتيات متماسكي الأيدي.
رواية أخرى عند بلوتارخ
ويجمع بلوتارخ روايات تُبعد الوحش عن القصّة. يقول فِيلُوخُورُوس إنّ ثوراً كان اسم قائد عند مينوس، مكروه لشدّته، وإنّ ثيسيوس صرعه في المصارعة في ألعاب كريت، فأعجبت به أريادني، وسُرّ مينوس فردّ الفتيان وأسقط الجزية. ويقول كْلِيدِيمُوس إنّ ديوكاليون بن مينوس طلب من أثينا أن تسلّمه ديدالوس، فأبى ثيسيوس لأنّ ديدالوس قريبه، وبنى أسطولاً سرّاً، وأبحر إلى كريت وديدالوس دليله، فقتل ديوكاليون عند باب المتاهة، وعقد صلحاً مع أريادني. وفي «الإلياذة» ديوكاليون هذا ابن مينوس وأبو إِيدُومِينِيُوس، وهو غير ديوكاليون الطوفان. وفي «الخلاصة» يأخذ ثيسيوس فِيدْرَا أخت أريادني زوجة من يد ديوكاليون.
أريادني بعد ناكسوس
لا تتّفق الروايات في خبر أريادني. في «الأوديسة» قتلتها أرتميس في جزيرة دِيَا بشهادة ديونيسوس. وفي «الثيوغونيا» اتّخذها ديونيسوس زوجة، وجعلها زيوس خالدة لا تشيخ. ويروي أوفيد أنّ ديونيسوس وضع إكليلها في السماء، فصار نجوماً بين الحوّاء والجاثي. ويذكر بلوتارخ أنّ بعضهم قال إنّها شنقت نفسها حين تركها ثيسيوس، وأنّ آخرين قالوا إنّه تركها لأنّه أحبّ غيرها.
الثور الذي خرج من البحر مرّة ثانية
وفي آخر قصّته يتكرّر ثور البحر. أحبّت فيدرا هيبُّولِيتُوس ابن ثيسيوس من الأمازونية، فأبى، فاتّهمته عند أبيه، فدعا ثيسيوس بوسيدون أن يهلكه، فأرسل بوسيدون ثوراً من الموج وهيبّوليتوس يسوق عربته على الشاطئ، فجفلت الخيل، فمات الفتى مجروراً في أعنّتها.
عظامه
ويقول بلوتارخ إنّ الكاهنة في دلفي أمرت الأثينيين بعد الحروب الفارسية أن يأتوا بعظام ثيسيوس، فوجد كِيمُون في سكيروس قبراً فيه تابوت رجل عظيم الجسم، وبجانبه رمح من نحاس وسيف، فحملها إلى أثينا، وصار قبره فيها ملجأً للعبيد الهاربين ولكلّ ضعيف يخاف من أصحاب السلطة.
القراءة الرمزية
لا يقرأ المقال «إعادة قراءة الأساطير الإغريقية» ثيسيوس نفسه، ويقرأ نشأة زيوس في كريت صورة للحضارة المينوية، أقدم مراكز الحضارة في أوروبا، التي انتقل منها النظام إلى البرّ اليوناني. وعلى هذه القراءة تكون جزية الفتيان ذكرى أيّام كانت فيها أثينا تابعة لكريت، و«المكتبة» نفسها تقول إنّ مينوس أوّل من ملك البحر وبسط حكمه على أكثر الجزر. ويكون رجوع ثيسيوس بالفتيان، ثم جمعه قرى أتّيكا، بداية أثينا مدينةً تحكم نفسها.
وفي النصوص نفسها يتكرّر الثور: ثور البحر الذي لم يُذبح، وابنه المحبوس في المتاهة، وثور ماراثون، والثور الذي قتل هيبّوليتوس. والملك الذي يمنع ربّه نصيبه من الذبيحة يدفع ثمنه من بيته، كما دفع أهل أثينا ثمن موت ابن مينوس من أبنائهم.
التوازيات عبر الحضارات
يقتل ثيسيوس عند ماراثون ثور كريت الذي خرج من البحر، ويقتل ابنه المينوتور في المتاهة، كما يقتل جلجامش وإنكيدو ثور السماء الذي أرسله آنو بطلب عشتار حين رفض جلجامش أن يتزوّجها. والثور في القصّتين عقوبة من معبود غضب على ملك، وفي القصّتين يفقد البطل بعد قتله أقرب الناس إليه: يموت إنكيدو صاحب جلجامش، ويموت أيجيوس أبو ثيسيوس.
ونزوله مع بيريثوس إلى دار هاديس، وجلوسهما على كرسيّ النسيان، من شواهد النزول إلى العالم السفلي، وهو نزول لا يرجع منه الطالب بما طلب، ويخرج منه ثيسيوس بيد هيراكليس.
وجمعه قرى أتّيكا في مدينة واحدة، وإقامته الألعاب البرزخية لبوسيدون وعيد الپاناثينايا، تضعه مع المؤسّسين في الأبطال الحضاريين، كما وضع أهل صور ملقرت مؤسّساً لمدينتهم.