بنو

ملخص

البِنُّو طائر أُون، هِلِيُوبُولِيس في عين شمس اليوم. تصفه نصوص الأهرام طائراً من نوع الذُّعَرة، ثم يُرسم من الدولة الوسطى مالكاً حزيناً، أي طائراً من فصيلة البلشون. وكان يُعبد في أون، وله عبادة في أهناسيا وإدفو أيضاً، ويسمّيه المصريون «الذي خلق نفسه».

وقصّته قصّة الظهور الأوّل. في البدء لم يكن إلا ماء نون، ثم ارتفع الخالق تلّاً، وظهر طائراً على الحجر الأوّل. تقول نصوص الأهرام، في التعويذة 600، مخاطبةً الخالق: «يا أتوم خبري، حين ارتفعتَ تلّاً، وأشرقتَ بِنّوَ البِنْبِن في بيت البنّو في أون، وبصقتَ شو وتفلتَ تفنوت». والبنبن حجر مخروطي كان يُحفظ في أعمق موضع من بيت رع في أون، في قاعة تسمّى «بيت البنبن»، وكان المصريون يقولون إنّ أشعّة الشمس الطالعة تلمسه قبل كلّ شيء، وهو صورة التلّ الأوّل الذي خرج من الماء، ومنه جاءت المسلّة، وربّما الهرم ورأسه. فالبنّو هو الخالق نفسه حين ظهر أوّل مرّة على أوّل أرض.

ثم اتّصل البنّو بـأوزيريس. تجعله نصوص التوابيت روح أوزيريس التي «خرجت من قلبه»، ولذلك يُنقش على جعارين القلب التي توضع على صدور الموتى. وفي «كتاب الموتى» هو من الهيئات التي يرجو الميت أن يتحوّل إليها، وفي نقش مقبرة باحِري في الكاب يُدعى للميت أن تكون روحه «في هيئة العنقاء والسنونو والصقر والبلشون، كما تشاء». وفي العصر المتأخّر صار رسمه يُكتب به اسم الروح نفسها، الـ«با»، وصار علامة الحياة التي تتجدّد بعد الموت.

ومن هذا الطائر أخذ اليونانيون عنقاءهم. يقول هيرودوت في القرن الخامس قبل الميلاد إنّ في مصر طائراً مقدّساً اسمه الفينيق، لم يره هو إلّا في الصور، لأنّه لا يأتي مصر إلّا مرّة في كلّ خمسمئة سنة كما يقول أهل هليوبوليس، يأتي حين يموت أبوه؛ ريشه بعضه ذهبيّ وبعضه أحمر، وهو في هيئته وحجمه كالنسر. ويقولون إنّه يطير من بلاد العرب إلى معبد الشمس حاملاً أباه في المُرّ: يصنع من المُرّ بيضة بقدر ما يطيق حمله، ثم يجوّفها ويضع أباه فيها، ويسدّ الفتحة بمُرّ آخر، ويحمله إلى معبد الشمس في مصر فيدفنه هناك. وقال هيرودوت إنّ هذا لا يصدّقه. وهذا خبر يوناني متأخّر لا نجده في النصوص المصرية، ويرى المتحف المصري العالمي أنّ بعض عناصره قد يكون له أصل مصري: موت الطائر في اللهب يذكّر بظهور البنّو في نور الشمس الطالعة، ورجوعه في دورة طويلة يذكّر بصلة البنّو بالزمن والتجدّد.

والفكرة التي تدور عليها قصّة البنّو أنّ الظهور الأوّل يتكرّر. فالطائر الذي حطّ على أوّل أرض في أوّل زمن هو الشمس التي تطلع كلّ صباح على الحجر نفسه، وهو روح الميت التي ترجو أن تخرج إلى النهار. ولذلك ربط المصريون البنّو بالزمن وتعاقبه، وجاء اليونانيون فجعلوه طائراً يرجع بعد قرون.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: تكتبه المصرية Bn.w «بِنُو»، بباء ونون وواو. ويقرّبه المتحف المصري العالمي من الفعل المصري wbn «وِبِن»، أي طلع وأشرق، ومنه اسم البِنْبِن أيضاً. وهو «بنى» العربية، وحرفها الأخير واو أو ياء، وفي معجم لين أنّ أصل «ابن» «بَنَوٌ»، سقطت واوه. و«بناه» في معجم لين أقامه وشيّده، و«بنّى القصور» رفعها، و«الابن» سُمّي ابناً لأنّه «بناء الأب». فالبنّو على هذه القراءة «البنّاء» و«الابن» معاً: الطائر الذي ظهر على أوّل ما بُني من الأرض، وهو التلّ والحجر المرفوع، والابن الذي يحمل أباه إلى معبد الشمس في خبر هيرودوت.

الجذر اللغوي

«البنّاء والابن»

الصيغة معناها الشاهد
Bn.w «بِنُو» طائر البنّو، العنقاء معجم المصرية
wbn «وِبِن» طلع، أشرق؛ وفاض معجم المصرية
bnbn «بِنْبِن» حجر البنبن المقدّس؛ المسلّة معجم المصرية
bnbn «بِنْبِن» فعل: فاض النيل، انتفخ معجم المصرية
φοῖνιξ / phoinix «فُوِينِكْس» الاسم الذي سمّاه به هيرودوت هيرودوت 2.73

الباء باء، والنون نون، والواو في آخر Bn.w «بِنُو» هي حرف العلّة الذي يكون في آخر «بنى» و«ابن»، ويقول معجم لين إنّ لام «ابن» واو حُذفت. وفي المصرية نفسها تجتمع حول الحرفين ب ن معانٍ ثلاثة: الطائر، والحجر المرفوع، وفيضان النيل في الفعل bnbn «بِنْبِن». وفي العربية يجمع الجذر البناء والرفع والولد، فـ«بنّى القصور» رفعها، و«بنى الرجلَ» ربّاه، و«بنى الطعامُ لحمه» أنماه. فالمعنى المشترك بين اللغتين ارتفاع شيء من الأرض ونموّه، وهو ما يرويه خبر البنّو والتلّ.

ويقرّب المتحف المصري العالمي الاسم من wbn «وِبِن»، فتكون الباء والنون من فعل الطلوع، والواو الأولى ساقطة. وهذا تفسير مصري للاسم بالشروق، وقراءتنا تجعله البناء، والمعنيان يلتقيان في التلّ الذي يطلع من الماء فيُبنى عليه.

قراءات أخرى في المقال

يقدّم المقال المصري في هذا المشروع «بنى» أوّلاً، أي أنشأ، ويرى فيها إعادة الولادة، وهي قراءتنا. ثم «بنّ» بمعنى قوي واشتدّ. وفي معجم لين «أبنّ بالمكان» أقام فيه ولزمه، و«بنّن الشاة» ربطها ليسمّنها، ولا نجد فيه القوّة. ويقرأ المقال اسم البنبن من «بنى» مكرّرة، ومن «بنن» بمعنى القمّة. ويجعل المقال الآخر البنبن أوّل أرض تظهر بعد انحسار الفيضان، أوّل قطعة صالحة للزرع.

السرديات الأسطورية الرئيسة

طائر بين رع وأوزيريس

يرجّح المتحف المصري العالمي أنّ صلة البنّو بالمعبودات الكبرى، أتوم ورع وأوزيريس، هي التي نشرت عبادته في مصر. فهو في أون مظهر لأتوم، وفي رحلة النهار طائر الشروق، وفي الدفن روح أوزيريس على جعران القلب. ويضع المصريون الصلة بين البلشون وطائر الروح، الـ«با»، حتى صار رسم البنّو حرفاً يُكتب به اسمها. وفي نصوص التوابيت يرتبط البنّو بعبور العالم السفلي بلا عائق.

عند المؤرّخين الرومان

ويذكر المتحف المصري العالمي أنّ تاكيتوس جعل رجوع العنقاء على دورة نجم الشِّعرى، فبقيت صلة الطائر بحساب الزمن في الخبر الروماني.

القراءة الرمزية

يقرأ المقال المصري في هذا المشروع البنبن أوّل أرض تظهر بعد انحسار الفيضان، والتلّة الأولى التي تصلح للزراعة. والبنّو في هذه القراءة طائر يقف على أوّل ما يظهر من الطين بعد الماء. ومن يرى البلشون على ضفاف النيل وفي الحقول بعد انحسار الماء يرى صورة قريبة من هذا: طائر طويل الساقين يقف حيث تنكشف الأرض. وهذا تفسير للصورة يوافق المقال، والذي يثبته النصّ أنّ البنّو ظهر على البنبن في أون.

التوازيات عبر الحضارات

ظهور البنّو على التلّ الأوّل في ماء نون مشهد من مشاهد الماء الأوّل: أرض تخرج من الماء، وعليها يبدأ الخلق. وصلته بروح أوزيريس، ورجاء الميت أن يخرج في هيئته، تضعه قرب قصص الموت والعودة، وإن كان البنّو لا يموت في النصوص المصرية، وإنّما يظهر كلّ صباح.

وتسمّي العربية طائر الأسطورة اليونانية «العنقاء»، ويقارن المقال السومري في هذا المشروع طائر أنزو بالعنقاء والرُّخّ؛ لكنّ أنزو يسرق ألواح المصائر من إنليل، والبنّو لا يسرق شيئاً، وإنّما يظهر على الحجر في أوّل الزمن.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. نصوص الأهرام، التعويذة 600.

  2. المتحف المصري العالمي: العنقاء، البنبن، هليوبوليس.

  3. ليشتهايم، الأدب المصري القديم 2، صلوات باحري، ص 17.

  4. هيرودوت 2.73.

  5. معجم المصرية: البنّو، طلع، البنبن، فاض.

  6. معجم لين، بنى وبنن.