أنزو

ملخص

أَنْزُو طائر عظيم في أساطير الرافدين، نسر برأس أسد يسكن الجبال، وصيحته تهزّ الأرض. يسمّيه المعجم السومري «نسراً أسطورياً»، ويُصوَّر على رأس صولجان حجري من منتصف الألف الثالث قبل الميلاد. وتحكي عنه قصّتان متقابلتان: في الأولى يمنح بطلاً قدراً حسناً، وفي الثانية يسرق القدر نفسه من المعبودات.

في القصيدة السومرية عن لُوغالْبانْدا، أبي جلجامش، يبقى الفتى وحيداً في جبال زابو بعد أن تركه إخوته في طريقهم إلى أَرَتّا، فيعزم أن يكسب رضا الطائر. يجد عشّ أنزود على شجرة إنكي العظيمة، والأبوان غائبان في الصيد، فيعجن للفرخ كعكاً بالعسل، ويطعمه لحماً مملّحاً وشحم غنم، ويكحّل عينيه، ويضع على رأسه غصناً من الأرز الأبيض. ويعود أنزود يحمل ثوراً حيّاً في مخالبه وثوراً ميّتاً على كتفيه، فينادي فرخه فلا يجيبه، فيصيح هو وزوجته صيحة تختبئ لها معبودات الجبال في الشقوق كالنمل. ثم يرى العشّ قد زُيّن كبيت معبود، فيفرح ويقول: «أنا الأمير الذي يقضي قدر الأنهار الجارية.. أتى بي أبي إنليل إلى هنا، وجعلني أسدّ مدخل الجبال كأنّي باب عظيم. إذا قضيتُ قدراً فمن يغيّره؟». ويعد من صنع هذا بأن يقضي له قدره. فيخرج لوغالبندا ويحيّيه ويجعله أباً وزوجته أمّاً، فيعرض عليه الطائر سفناً مملوءة بالفضّة، وسهاماً لا تخطئ، وخوذة نينورتا، وزبد دموزي، فيأبى ذلك كلّه، ويطلب قوّة الجري في فخذيه وألّا يتعب. فيقضي له أنزود بذلك، ويطير فوقه يدلّه على جيش إخوته، ويوصيه ألّا يخبر أحداً بما قُضي له، ثم يعود إلى عشّه.

وفي الملحمة الأكدية يقف أنزو عند إنليل يراقبه، فإذا اغتسل إنليل أخذ لوح الأقدار، الذي تُكتب عليه طبائع الأحياء ومصائرهم، وطار به إلى جبله. فبطلت الطقوس، وسكت العالم، وتفرّق الإيجيجي. ودعا آنو من يقتل أنزو، فأبى المعبودات واحداً بعد واحد، حتى قال إيا إنّه يعيّن من يأسره، ودعا الأمّ العظيمة فأرسلت ابنها نِنْغِرْسُو، وهو نينورتا في النسخة المتأخّرة. وكان أنزو كلّما رمى البطل سهماً أمره بعلم اللوح أن يرجع إلى أصله، القصب إلى أجمته والريش إلى طيره، حتى قطع نينورتا جناحيه بنصيحة إيا وقتله وردّ اللوح إلى أبيه.

والفكرة التي تدور عليها القصّتان قضاء القدر. الطائر الذي يقول للوغالبندا «إذا قضيت قدراً فمن يغيّره؟» هو الطائر الذي يسرق في الملحمة اللوح الذي تُقضى به الأقدار كلّها. في الأولى يعطي من أكرم بيته ما طلب، ويحفظ الحدّ بين عالمه وعالم الناس، فيردّ الفتى إلى إخوته. وفي الثانية يأخذ ما ليس له فيسكت العالم، حتى يُكسر جناحاه ويرجع اللوح إلى موضعه. فالقوّة على القدر واحدة، والفرق بين أن تُعطى وأن تُسرق.

أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا: Anzû «أَنْزُو» هو في السومرية anzud «أَنْزُود»، يُكتب أحياناً an-zu «أَنْ-زُو». وتقرؤه المقالة السومرية «زُو» على أنّ العلامة الأولى علامة المعبود، فتجعله من «عَزَّ»، أي قوي وغلب، ومن أمثال العرب في معجم لين «من عزّ بزّ»، أي من غلب أخذ الغنيمة، وهذا ما صنعه أنزو باللوح. فإذا بقيت العلامة الأولى من الاسم كان فيه ع-ن-ز على ترتيبها، والعين لا تُكتب في المسمارية، وهي «العَنْز»، وفي معجم لين أنّ العنز أنثى العُقاب، وأنثى النسر والصقر. وهذه قراءة مقترحة على المنهج، يؤيّدها أنّ المعجم السومري يشرح anzud «أَنْزُود» نفسه بالنسر. فالاسم اسم الطائر، و«عزّ» التي قرأتها المقالة صفته.

الجذر اللغوي

أنزو و«العنز» و«عزّ»

الصيغة النطق الموقع
anzud^mušen «أَنْزُود»، ثم علامة الطائر أَنْزُود السومرية، من عصر فجر السلالات إلى العصر الهلنستي؛ mušen «مُوشِن» علامة الطير لا تُنطق
an-zu «أَنْ-زُو» أَنْزُو كتابة مقطعية، وعلامتها الأولى هي علامة المعبود نفسها
AN.IM.DUGUD «أَنْ، إِمْ، دُوغُود» أَنْزُود كتابة بالعلامات، وكانت تُقرأ قديماً «إِمْدُوغُود»
Anzû «أَنْزُو» أَنْزُو الأكدية

في معجم لين: العَنْز أنثى المعز، وهي أيضاً «أنثى العُقاب»، و«أنثى النسر»، وأنثى الحبارى، و«أنثى الصقر»، وجمعها عُنوز. وفي العبرية طائر جارح اسمه عُزْنِيّاه، يُذكر في سفري اللاويين والتثنية بجانب النسر بين الطيور المحرّمة، ويقول معجم براون ودرايفر وبريغز إنّه قريب من النسر وإنّ أصله غير معروف، ويردّه سترونغ إلى «عُزّ»، القوّة. فالعبرية تجمع اسم الطائر الجارح ومعنى العزّ في كلمة واحدة، كما تجمعهما هذه القراءة.

والعين تسقط في الأكدية وتصير همزة أو حركة، كما تقول قوانين التحوّل الصوتي، والكتابة السومرية لا تعرفها، فيبقى من «عنز» النون والزاي، وهما حرفا الاسم. أمّا عزّ فمعناها في لين قوي واشتدّ، وغلبه وقهره، ومنه المثل «من عزّ بزّ». وحدّ القراءتين الدال الأخيرة في السومرية anzud «أَنْزُود»، ولا تفسّرها «عنز» ولا «عزّ».

إمدوغود وقراءات المقالة

تقرأ المقالة السومرية الكتابة القديمة IM.DUGUD «إِمْ دُوغُود» بالسومرية: im «إِمْ» الريح، وdugud «دُوغُود» الثقيل، فيكون الاسم «الريح الثقيلة»، أي سحابة العاصفة، ثم تقرؤها بالعربية «أَمَّ» و«ثَقُلَ»، أي قاصد الثقل، و«دُجى»، أي ريح الظلام الثقيل، وتجعل الأخيرة أرجح قراءاتها. وتقرأ أنزو أيضاً «آن» و«زو»، أي العارف بالسماء، ولذلك سرق الألواح. وتذكر لـ«زو» قراءات أخرى: «زازَ»، أي زلزل، و«زعّ»، أي صاح، و«ذو» صاحب الأجنحة، وتضعها بعد «عزّ».

السياق التاريخي

يظهر أنزو كثيراً في النصوص وفي الصور، نسراً برأس أسد، ومن أقدم صوره صولجان حجري من منتصف الألف الثالث قبل الميلاد في المتحف البريطاني. ويشرح المعجم السومري الكلمة أيضاً بتمثال صغير لنسر برأس أسد. وكانت ملحمته الأكدية من النصوص المحبوبة في تعليم الكتبة: وُجدت منها خمس نسخ في حُزيرينا، وهي سلطان تبه في جنوب تركيا، ونُقش صراع نينورتا معه على جدران معبد نينورتا في كلحو. ورأى علماء البلاط الآشوري في القصّة أنّ لوح الأقدار يمكن أن يُكتب من جديد: الفأل عندهم إنذار بما تريده المعبودات، والدعاء والرثاء قد يقنعانها بأن تغيّر المكتوب.

الأسرة والصلات

الاسم الصلة بأنزو أين تظهر؟
إنليل «أبي إنليل أتى بي إلى هنا»؛ ثم سرق منه أنزو لوح الأقدار «لوغالبندا» 90–110؛ «أنزو»
زوجة أنزود وفرخه يصيحان حين يغيب الفرخ عن العشّ «لوغالبندا» 50–89
لوغالبندا الفتى الذي أكرم عشّه فقضى له بقوّة الجري «لوغالبندا» 50–219
نينورتا، نينغرسو يقتله ويستردّ اللوح، ويعلّقه غنيمة على عربته «أنزو»؛ «أنغيم» 30–63
إيا، إنكي يعيّن البطل، ويدلّه على قطع جناحيه «أنزو» 31–40؛ بيسنييه
آنو يدعو المعبودات إلى قتاله ويعد قاتله بالمجد «أنزو» 7–15

السرديات الأسطورية الرئيسة

الغنيمة على العربة

في «أنغيم» يُخرج نينورتا أنزود من شجرة الخَلُوب ويعلّقه على مقدّم عربته، بين غنائمه الأخرى: الكبش ذي الرؤوس الستّة، والتنين، والحيّة ذات الرؤوس السبعة. وفي «لوغال-إي» يعدّه الصولجان شَرُور بين من قتلهم نينورتا في الجبال.

فرخ أنزو والسلحفاة

وفي قصيدة سومرية مكسورة يتكلّم فرخ أنزو بعد أن أصابه سلاح نينورتا: خرجت المِه من يده فرجعت إلى الأبسو، ورجع لوح الأقدار إلى الأبسو. ثم يقود الفرخ نينورتا إلى إنكي، فيُكرم إنكي البطل، ويطمع البطل في العالم، فيحبسه إنكي بسلحفاة من طين.

وصيّة الطائر

ويوصي أنزود لوغالبندا قبل أن يفارقه: لا تخبر رفاقك بالقدر الذي قضيته لك، ولا تشرحه لإخوتك، «فالحظّ الحسن قد يخفي سيّئاً». فلمّا سأله إخوته كيف عبر الأنهار وحده قال إنّه عبرها بخطاه، وشربها كما يُشرب ماء القربة، وأكل بلّوط الجبل.

القراءة الرمزية

تقرأ المقالة السومرية أنزو «عارف أسرار السماء»، ولذلك سرق الألواح، وتقرأ إمدوغود سحابة العاصفة الثقيلة، فهو الطائر الرعدي، وتقول إنّ الجمع بين الطائر والعاصفة شائع في الميثولوجيات السامية. وفي النصوص يظهر هذا في صيحته التي يهتزّ لها جبل لولوبي، وفي الضباب والعاصفة التي تُطلق عليه في الحرب، وفي جناحيه اللذين يسقطان في صدام العاصفة.

التوازيات عبر الحضارات

يسكن سيمرغ الجبل كما يسكنه أنزود، ويحمي زال الذي تركه أبوه، ثم يعطيه ريشة يحرقها إذا اشتدّ عليه الأمر. وأنزود يقضي للوغالبندا الذي تركه إخوته بقوّة يعود بها إليهم. فالطائران يعطيان البطل المتروك ما يحتاج إليه ويردّانه إلى أهله. أمّا السرقة من المعبودات فتلتقي بقصّة بروميثيوس: سرق النار وأعطاها للبشر، وسرق أنزو اللوح لنفسه، وفي القصّتين يعاقَب السارق. وتقارن المقالة السومرية أنزو بالعنقاء العربية وبطائر غارودا الهندي.

صفحات تشير إلى هنا

المراجع

  1. لوغالبندا وطائر أنزود، وأنغيم، ولوغال-إي، ونينورتا والسلحفاة، وجلجامش وخوواوا، مجموعة أكسفورد للأدب السومري.

  2. أنزو البابلية القديمة، اللوح الثاني والثالث، مشروع مصادر الأدب الأكدي المبكر.

  3. بيسنييه، «أسطورة أنزو»، وروبسون، «نينورتا»، في أوراك.

  4. المعجم السومري، أنزود؛ معجم لين، عنز وعزز؛ براون ودرايفر وبريغز، عزنيّاه.