ملخص
بْرِينْهِيلْد ابنة الملك بودلي وأخت أتلي في أساطير الشمال الإسكندنافي، فالكيرية من النساء المحاربات اللواتي يخترن القتلى، نذرت ألّا تتزوّج إلّا رجلاً لا يعرف الخوف، فزُوّجت بالخديعة غير الرجل الذي اختارته، فدبّرت قتله، ثم قتلت نفسها لتُحرق معه. وخبرها في قصائد «الإدّا الشعرية»، ولها فيها قصيدة ترويها بلسانها في طريقها إلى دار الموتى، وفي «لغة الشعر» «سْكَالْدْسْكَابَارْمَال» لسنوري، وفي «ملحمة آل فولسونغ» «ڤُولْسُونْغَا سَاغَا».
وتروي هي قصّتها في تلك القصيدة. كان كلّ من عرفها في هْلِيمْدَالِير يسمّيها «هيلد تحت الخوذة». وأخذ ملك جريء الجلود التي كانت تتحوّل فيها هي وأخواتها، وهنّ ثمانٍ، فوضعها تحت شجرة بلّوط، فحلفت له الأيمان وهي بنت اثنتي عشرة سنة. وكان ملكان يتقاتلان، هيالمغونّار الشيخ وأغنار أخو أودا، وقد وعد أودين الشيخ بالنصر، فأسقطته هي وأعطت النصر لأغنار. فغضب أودين، فحبسها بين التروس الحمراء والبيض في نوم، وقال: لا يوقظها إلّا رجل لا يعرف الخوف في أيّ أرض، وأحاط قاعتها بنار عالية، ولا يعبرها إلّا الرجل الذي يأتيها بذهب فافنير. «رحلة برينهيلد إلى هيل»، 6–11، الترجمة.
فجاءها سيغورذ بعد أن قتل فافنير، فرأى على الجبل ضوءاً كالنار يبلغ السماء، ووجد وراء جدار من التروس محارباً نائماً في كامل سلاحه، فرفع الخوذة فإذا هي امرأة، ودرعها لاصق بجسدها كأنّه نبت فيه، فشقّه بسيفه غرام من عنقه إلى كمّيه. فاستيقظت وسألت: ما الذي شقّ الدرع، وما الذي أخرجني من النوم؟ ثم سقته شراب الذكرى، وعلّمته الرونات والحكمة، وتعاهدا. ثم لقيها بعد ذلك في بيت مربّيها هايمير، وهي جالسة تطرّز بالذهب أعمال سيغورذ، فتعاهدا مرّة أخرى وأعطاها خاتماً.
ثم سُقي سيغورذ عند الملك غيوكي شراباً نسيها به، فتزوّج غودرون ابنة غيوكي، وخرج مع أخيها غونّار يخطب برينهيلد له. وكانت تجلس في قاعة تحيط بها نار متراقصة، وقد نذرت ألّا تتزوّج إلّا من يعبرها، فلم يقتحمها حصان غونّار، فتبادل الرجلان الصورة، فعبرها سيغورذ في صورة غونّار، فذكّرها بنذرها، فقبلت. ونام عندها والسيف بينهما، ثماني ليال في قصيدتها، وثلاثاً في «الملحمة»، ولم يمسّ أحدهما الآخر. ثم تزوّجت غونّار.
وذهبت الملكتان إلى النهر تغسلان شعرهما، فخاضت برينهيلد أبعد من غودرون وقالت إنّها لا تريد أن يصيب رأسها الماء الذي يجري من شعر غودرون، لأنّ زوجها أشجع. فقالت غودرون: الذي عبر النار ونام عندك سيغورذ، وأرتها الخاتم. فرجعت برينهيلد ساكتة، ثم قالت لغونّار: ستخسرني وتخسر أرضي إن لم تقتل سيغورذ، فأنا أرجع إلى أهلي. فقُتل سيغورذ في فراشه، فلمّا سمعت برينهيلد صراخ غودرون ضحكت من كلّ قلبها مرّة واحدة. ثم نظرت في مالها، ولبست درعاً من ذهب، وطعنت نفسها بالسيف، وطلبت محرقة واسعة يوضع سيغورذ على جانب منها وهي على الجانب الآخر، والسيف بينهما كما كان في الفراش.
وبعد موتها أُحرق سيغورذ أوّلاً، ثم أُحرقت هي على محرقة ثانية في عربة مجلّلة بالحرير، وركبت العربة في الطريق إلى دار هيل. فمرّت بدار عملاقة، فوقفت لها العملاقة تقول: لن تمرّي بين أسواري المبنيّة بالحجارة، وقد غسلتِ بيديك دم رجل. فقالت برينهيلد: سأخبرك كيف جعلني ورثة غيوكي امرأة بلا حبّ ناقضة للأيمان، وروت لها قصّتها، ثم قالت: سنعيش معاً، سيغورذ وأنا، اغربي يا نسل العمالقة.
والفكرة التي تدور عليها القصّة الاختيار والعهد. كانت برينهيلد من اللواتي يخترن، تختار من يسقط في المعركة، وعوقبت لأنّها اختارت غير من اختاره أودين، ثم اختارت هي زوجها بشرط واحد: أن يكون لا يخاف. فجاء الشرط الذي وضعته لتحفظ اختيارها هو الباب الذي دخلت منه الخديعة، إذ عبر النار الرجلُ الذي اختارته في صورة رجل لم تختره. فلمّا عرفت لم تقدر أن تنقض الزواج، فنقضت العهد الذي بين سيغورذ وأصهاره، ثم اختارت الموت لتعود إلى جانبه، والسيف بينهما.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، فالمقال لا يقرؤه: الراء الأخيرة في Brynhildr «بْرِينْهِيلْدْر» علامة الرفع النوردية، تسقط في النصب فيقال Brynhildi «بْرِينْهِيلْدِي»، كما في «نبوءة غريبير» 27، فيبقى Brynhild- «بْرِينْهِيلْد». وهو مركّب من brynja «بْرِينْيَا»، أي درع الحلقات، ومن hildr «هِيلْدْر»، أي القتال. وهيلد هو الاسم الذي سمّت به نفسها حين استيقظت في رواية سنوري، وبه كانوا ينادونها: «هيلد تحت الخوذة». ونقرأ هيلد «جِلاد» العربية: الجيم من مجموعة الكاف والقاف التي تصير k وg، والكاف القديمة تصير هاءً في الجرمانية، كما يضع المقال الإنجليزية horn «هُورْن» مقابل «قَرْن»، واللام والدال على حالهما. والجِلاد في معجم لين المضاربة بالسيوف: «جالده بالسيف مجالدة وجِلاداً»، والجَلِيد الرجل القويّ الصبور. ونقرأ bryn- «بْرِين» «بَدَن»، وهو في معجم لين الدرع القصيرة التي على قدر الجسد. فبرينهيلد على هذه القراءة المجالِدة في البدن، أي المقاتلة في درعها، وهو ما تجعله القصّة: نامت في درع لصق بجسدها حتى شقّه سيغورذ، ولبست درعاً من ذهب قبل أن تطعن نفسها. ويبقى أنّ الراء في bryn- «بْرِين» تقابل الدال في «بدن»، وليست مقابلة منتظمة.
الجذر اللغوي
برينهيلد و«الجِلاد في البَدَن»
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Brynhildr | بْرِينْهِيلْدْر | الرفع، «يا برينهيلد ابنة بودلي»، «رحلة برينهيلد إلى هيل» 4 |
| Brynhildi | بْرِينْهِيلْدِي | النصب، «يسمّونها برينهيلد»، «نبوءة غريبير» 27 |
| Brynhildar | بْرِينْهِيلْدَار | الإضافة، في اسم القصيدة |
| Hildr | هِيلْدْر | الاسم الذي سمّت به نفسها، «لغة الشعر» 48 |
| Hildi undir hjalmi | هِيلْدِي أُونْدِير هْيَالْمِي | «هيلد تحت الخوذة»، «رحلة برينهيلد إلى هيل» 6 |
يقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ hildr «هِيلْدْر» القتال، ولا تأتي إلّا في الشعر، وإنّها اسم فالكيرية من خادمات أودين في «أقوال غريمنير» 36، وتأتي آخر أسماء النساء كثيراً: برينهيلد وغونّهيلد وسفانهيلد وغريمهيلد. ويجعل أورل أصلها *xelþiz «خِيلْثِيز»، ويقرنها بالأيرلندية القديمة coll «كُول»، أي الهلاك. وbrynja «بْرِينْيَا» درع منسوجة من الحلقات، ويقول أورل إنّ أصلها *brunjōn «بْرُونْيُون»، وإنّ الجرمانية أخذتها من الكلتية، ففي الأيرلندية القديمة bruinne «بْرُونِّه» الصدر.
وفي معجم لين، مادّة «جلد»: «جالده» قاتله، بالسيف أو بغيره، و«جالده بالسيف مجالدة وجِلاداً» ضاربه بالسيف، و«اجتلدوا» تضاربوا بالسيوف، و«جَلُد» صار قويّاً صبوراً، والجَلِيد القويّ الصبور، والجَلِيد أيضاً الصقيع والماء المتجمّد. وفي «الأنشودة القصيرة في سيغورذ» تخرج برينهيلد كلّ مساء «ممتلئة شرّاً، جليداً وأنهاراً متجمّدة» حين ترى سيغورذ وغودرون يدخلان فراشهما. وفي مادّة «بدن»: البَدَن الجسد، و«البَدَن الدرع القصيرة على قدر الجسد»، وقيل الدرع عامّة.
ويضع المقال العربي في جدول الألفاظ المشتركة الإنجليزية horn «هُورْن» مقابل «قَرْن»، ويقول إنّها أصل مشترك. والهاء الجرمانية في أوّل الكلمة تقابل كافاً أو قافاً قديمة، كما في اللاتينية cornu «كُورْنُو»، القرن. وبهذا الطريق تقابل الجيمُ في «جِلاد» الهاءَ في hildr «هِيلْدْر»، لأنّ الجيم والقاف والكاف مجموعة واحدة في قوانين مشروع جذور، تصير k وg.
والمقابلة في الشطر الأوّل تجعل الباء باءً، والنون نوناً، والراء في مقابل الدال، وهذا موضع الضعف. وقد يقرأ bryn- «بْرِين» من يقرؤه بـ«البُرْنُس»، وهو في معجم لين كلّ ثوب رأسه منه ملتزق به، ويقال إنّ نونه زائدة وأصله من «البِرْس»، أي القطن، فهو يحفظ الباء والراء والنون، لكنّه يزيد السين.
السياق التاريخي
سيغردريفا وبرينهيلد
لا تتّفق النصوص على أنّ المرأة النائمة على الجبل هي برينهيلد. والكلمة sigrdrífa «سِيغْرْدْرِيفَا» تبدأ بـsigr «سِيغْر»، أي النصر، وهو العضو الذي في أوّل اسم سيغورذ، فقد تكون لقباً كما قد تكون اسماً.
| النصّ | المرأة النائمة على الجبل | هل هي برينهيلد |
|---|---|---|
| «أقوال فافنير» 42–44 | الطيور تصف النائمة وتسمّيها سيغردريفا | لا يذكرها |
| «أقوال سيغردريفا»، النثر | «سمّت نفسها سيغردريفا، وكانت فالكيرية» | لا يذكرها |
| «نبوءة غريبير» 15–17 و27 | «ابنة ملك نائمة على الجبل» بلا اسم | تأتي برينهيلد بعدها في بيت هايمير كأنّها امرأة أخرى |
| «رحلة برينهيلد إلى هيل» 6–11 | برينهيلد نفسها تروي النوم والعقاب والنار | نعم |
| «لغة الشعر» 48 | «سمّت نفسها هيلد، وتسمّى برينهيلد، وكانت فالكيرية» | نعم |
| «ملحمة آل فولسونغ» 19–20 و24 | برينهيلد على جبل هيندارفيال، ثم في بيت هايمير | نعم |
فالقصائد التي تحكي النوم والإيقاظ وتعليم الرونات تسمّي النائمة سيغردريفا، والقصيدة التي ترويها برينهيلد بلسانها تجعل النوم قصّتها هي، وعلى هذه القصيدة سار سنوري و«الملحمة».
السرديات الأسطورية الرئيسة
ما علّمته لسيغورذ
تقول سيغردريفا لسيغورذ إنّ عليه أن يعرف رونات النصر إن أراد النصر، فينقشها على مقبض السيف وعلى نصله، ويذكر تير مرّتين، وأن يعرف رونات الشراب فينقشها على القرن وعلى ظهر يده، لئلّا تخدعه امرأة رجل آخر وهو يأمنها. ثم تعدّد رونات للولادة والبحر والشفاء والكلام والفكر، وتختم بنصائح في الحلف والسكر والخصام والموتى. فالرونات التي نالها أودين، كما في الأبطال الحضاريين، تصل هنا إلى إنسان على لسان فالكيرية.
في بيت هايمير
تقول «الملحمة» إنّ صقر سيغورذ طار إلى نافذة برج، فتبعه فرأى برينهيلد تطرّز أعماله بالذهب، فلمّا كلّمها قالت له: أنا عذراء ترس، ألبس الخوذة كالملوك المحاربين، وأنت تتزوّج غودرون ابنة غيوكي. وتقول «الملحمة» أيضاً إنّ لها من سيغورذ بنتاً اسمها آسلاوغ، تركتها عند هايمير.
الضحكة والنار الأخيرة
في «الأنشودة القصيرة في سيغورذ» تقول برينهيلد: سيكون لي سيغورذ أو أموت. ثم تحرّض غونّار وتقول له: لا تربِّ جرو الذئب، تعني ابن سيغورذ. ولمّا ضحكت عند صراخ غودرون قال لها غونّار: ما تضحكين لخير ترينه. وتطلب في آخر القصيدة أن يُحرق معها خدمها وحليّها وصقران، وأن يُوضع السيف بينها وبين سيغورذ.
القراءة الرمزية
يقرأ المقال النوردي الفالكيريات نساءً يخترن المحاربين، ويقول إنّ المرأة في المجتمع الإسكندنافي كانت تملك حقّ اختيار زوجها، فقول «الفالكيرية تختار من يموت» صورة لقول «المرأة تختار من يستحقّ». والمقال لا يسمّي برينهيلد، لكنّ قصّتها في النصوص هي هذه الصورة: فالكيرية تختار من يسقط، ثم امرأة تنذر ألّا تتزوّج إلّا من يستحقّها، وتقول لسيغورذ في «الملحمة»: لو خُيّرت بين أبناء الناس جميعاً لاخترتك، فلمّا خُدعت في اختيارها هدمت كلّ ما بُني عليه.
والقصيدة التي ترويها بلسانها تقوم على الأيمان: حلفت لملك وهي بنت اثنتي عشرة سنة، وحلفت لسيغورذ، ثم يقول لها النصّ إنّ ورثة غيوكي جعلوها «بلا حبّ ناقضة للأيمان». فالخيانة في القصّة خيانة عهد قبل أن تكون خيانة حبّ.
التوازيات عبر الحضارات
رحلة برينهيلد في عربتها إلى دار هيل من شواهد النزول إلى العالم السفلي في الشمال. يركب هرموذر إلى هيل فتسأله حارسة الجسر من هو، ولون الموتى ليس عليه، وتقف العملاقة لبرينهيلد على طريق هيل فتمنعها من المرور بين أسوارها وتعيّرها بالدم الذي على يديها. هرموذر حيّ يطلب ميتاً، وبرينهيلد ميتة تطلب ميتاً، فتردّ على الحارسة بقصّتها ثم تمضي.
وتقف عشتار في النصّ الأكدي عند باب «الأرض التي لا رجعة منها» وتقول للبوّاب: افتح بابك لأدخل، وإلّا كسرته وأقمت الموتى يأكلون الأحياء. وبرينهيلد تقف عند أسوار العملاقة، فتعيّرها العملاقة، فتجيبها: اغربي يا نسل العمالقة. في الخبرين امرأة تُمنع عند حدّ الموتى فتردّ على الحارس بكلام القويّ لا بكلام السائل.