ملخص
سِيغْمُوند ابن الملك فُولْسُونْغ، وأبو البطلين هيلغي وسيغورذ، وسِينْفْيُوتْلِي ابنه من أخته التوأم سِيغْنِي، ورفيقه في الغابة وفي الثأر. وقصّتهما في الفصول الأولى من «ملحمة آل فولسونغ» «ڤُولْسُونْغَا سَاغَا»، 1–10، وفي النثر القصير «موت سينفيوتلي» «فْرَا دَاوْذَا سِينْفْيُوتْلَا» في «الإدّا الشعرية»، وفي القصيدتين عن هيلغي. ويذكرهما شاعر «بيوولف» الإنجليزي القديم في الأبيات 874–900، فيجعل سيغموند هو قاتل التنّين لا ابنه.
تبدأ القصّة بسيف. بنى فولسونغ قاعة في وسطها شجرة بلّوط تخرج أغصانها من السقف، فلمّا جاء سِيغَّيْر ملك غوتلاند يتزوّج سيغني دخل القاعة شيخ بعين واحدة، عليه عباءة مرقّطة وقبّعة مائلة، فغرز سيفاً في جذع الشجرة إلى مقبضه، وقال: من سلّه فهو له. فحاول الرجال كلّهم، ولم يخرجه إلّا سيغموند، كأنّه موضوع أمامه. فعرض عليه سيغّير ثلاثة أضعاف وزنه ذهباً، فأبى سيغموند وقال: لو كان من نصيبك لأخذته من الشجرة كما أخذته. فغضب سيغّير وكتم غضبه. والشيخ أودين. «ملحمة آل فولسونغ»، 2–3.
وكانت سيغني لا تريد الزواج، وقالت لأبيها إنّها ترى منه شرّاً، فزُوّجت. ثم دعا سيغّير أباها وإخوتها إلى غوتلاند، فأنذرتهم بأنّه جمع لهم جيشاً، فأبى فولسونغ أن يرجع، وقُتل في المعركة، وأُسر بنوه العشرة، فوُضعت أرجلهم في جذع في الغابة. فكانت ذئبة تخرج كلّ ليلة فتأكل واحداً منهم، تسع ليال، حتى لم يبق إلّا سيغموند. فأرسلت سيغني رجلاً يدهن وجهه بالعسل ويضع منه في فمه، فلمّا جاءت الذئبة لحست وجهه ثم أدخلت لسانها في فمه، فعضّ لسانها، فانتزعت نفسها حتى انكسر الجذع وانقلع لسانها من أصله فماتت. ويقال إنّها أمّ سيغّير في صورة ذئبة.
فسكن سيغموند بيتاً تحت الأرض في الغابة، وكانت سيغني ترسل إليه ما يحتاج. وأرسلت إليه ابنيها من سيغّير، واحداً بعد الآخر، ليعيناه على الثأر، فأعطى كلّاً منهما كيس الدقيق ليعجن، فلم يجرؤ أحدهما أن يمدّ يده لأنّ في الدقيق شيئاً حيّاً، فقتلهما سيغموند بأمرها. ثم جاءتها ساحرة، فتبادلتا الصورة، فنامت الساحرة عند الملك، وذهبت سيغني إلى أخيها في صورة امرأة ضلّت في الغابة، فنام معها ثلاث ليال ولم يعرفها. فولدت سِينْفْيُوتْلِي. فلمّا بلغ عشر سنين خاطت أكمام ثوبه في جلد يديه ثم نزعته، فخرج الجلد مع الكمّين، فلم يتغيّر وجهه، وقال: ما كان فولسونغ ليحسّ هذا ألماً. فأرسلته إلى سيغموند، فعجن الدقيق بما فيه، وكان فيه أشدّ الحيّات سمّاً. فضحك سيغموند وقال: لا تأكل من هذا الخبز. وكان سيغموند يأكل السمّ فلا يضرّه، وسينفيوتلي يحتمله على جلده ولا يحتمله في فمه.
وخرج الاثنان يقطعان الطريق في الغابة ليصلب عود الصبيّ، فوجدا بيتاً فيه رجلان نائمان، فوقهما جلدا ذئبين، وكانا ابني ملك سُحرا فلا يخرجان من الجلدين إلّا كلّ عشرة أيّام. فلبس سيغموند وسينفيوتلي الجلدين، فلم يقدرا على خلعهما، وعوَيا كالذئاب، وتعاهدا ألّا يقاتل أحدهما أكثر من سبعة رجال حتى يعوي فيأتيه الآخر. فلقي سينفيوتلي أحد عشر رجلاً فقتلهم ولم يعوِ، فغضب سيغموند ووثب عليه فعضّه في حلقه. ثم رأى ابن عرس يعضّ ابن عرس آخر في حلقه، ثم يأتيه بورقة يضعها على الجرح فيقوم، ورأى غراباً يحمل إليه ورقة من ذلك النبات، فمسح بها جرح سينفيوتلي فقام صحيحاً. فلمّا حان خروجهما من الجلدين أحرقاهما.
ثم جاءا قاعة سيغّير فكمنا في المدخل بين براميل الجعة. فتدحرج خاتم ذهب كان يلعب به طفلان لسيغني وسيغّير، فرآهما أحد الطفلين فأخبر أباه. فقالت سيغني: اقتلاهما، فقد كشفاكما. فأبى سيغموند، وقتلهما سينفيوتلي ورمى بهما عند قدمي الملك. فأُخذا، وبنى لهما سيغّير قبراً من حجارة وعشب، في وسطه حجر عريض يفصل بينهما، يسمع كلّ منهما الآخر ولا يصل إليه. فرمت سيغني إلى سينفيوتلي حزمة قشّ فيها لحم خنزير، وفي اللحم سيف سيغموند، فنشرا به الحجر، هذا من جهة وذاك من جهة، وخرجا من القبر، فأحرقا القاعة على من فيها. وصاح سيغموند: ها أنا مع سينفيوتلي ابن أختي، لتعلم أنّ آل فولسونغ لم يموتوا كلّهم. ودعا أخته لتخرج، فقالت: قتلت ابنيّ لأنّهما لا يصلحان للثأر، وجئتك في صورة الساحرة، فسينفيوتلي ابني وابنك، ولهذا هو بهذه الشدّة، ثم قبّلت أخاها وابنها ورجعت إلى النار فماتت مع سيغّير.
فرجع سيغموند إلى بلاد أبيه ملكاً، وتزوّج بُورْغْهِيلْد، فولدت له هيلغي، فخرج سينفيوتلي مع أخيه هيلغي في حروبه. ثم قتل سينفيوتلي أخا بورغهيلد في خصومة على امرأة، فطلبت أن يُطرد، فأبى سيغموند ودفع لها الدية ذهباً. فلمّا أقامت مأتم أخيها حملت إلى سينفيوتلي قرناً فيه سمّ، فقال: الشراب كدر، فأخذه سيغموند فشربه. ثم الثانية، ثم الثالثة وقد عيّرته إن لم يشرب، فقال سيغموند: دَعْ شاربك يصفّيه يا بنيّ. فشرب سينفيوتلي فسقط ميّتاً. وتقول «الملحمة» إنّ سيغموند كان قد سكر حين قالها.
فحمل سيغموند ابنه بين ذراعيه طريقاً طويلاً، حتى بلغ خليجاً ضيّقاً طويلاً، فيه قارب صغير وفيه رجل وحده، فعرض عليه أن يعبر به. فلمّا وضع سيغموند الجثّة في القارب امتلأ، فقال له الشيخ أن يدور حول رأس الخليج، ثم دفع القارب فغاب في الحال. ولا يسمّي النصّ الشيخ، ويرى مترجم «الملحمة» أنّه أودين. ثم طرد سيغموند بورغهيلد فماتت، وتزوّج هيورديس، فقُتل في معركته الأخيرة حين ضرب سيفه رمح شيخ بعين واحدة فانكسر، وتلك بداية قصّة سيغورذ.
والفكرة التي تدور عليها القصّة أنّ دم آل فولسونغ يُمتحن حتى يصلب. يُمتحن سيغموند بالذئبة، وسينفيوتلي بالجلد المسلوخ والحيّة والذئاب والسمّ، وتُمتحن سيغني نفسها بأن تقتل ولديها وتلد من أخيها ولداً يكون فولسونغياً من الجهتين، لأنّها رأت أنّ الثأر لا يقوم به إلّا هذا الدم. والسيف الذي أعطاه أودين في أوّل القصّة يأخذه أودين في آخرها، ويأخذ معه الابن في قاربه.
أمّا الاسمان فنقرؤهما في اللسان العربي هكذا، وهي «قراءة مقترحة على المنهج»، لأنّ المقالين لا يقرآنهما. في Sigmundr «سِيغْمُونْدْر» الراء الأخيرة علامة رفع، والشطر الأوّل sig- «سِيغ» هو أوّل اسم سيغورذ، ونقرؤه كما قرأناه هناك «شَوْكة»: حدّ السلاح وشدّة البأس. والشطر الثاني mund «مُونْد» في النوردية اليد، وفي أخواتها الحماية والوصاية، ونقرؤه «مَنْع»: الميم ميم، والنون نون، والعين تسقط كما تسقط الحروف الحلقية في غير الساميّة، والدال زيادة جرمانية لا نجدها في اللاتينية manus «مَانُوس»، اليد. والمَنْع في معجم لين الحبس والرفض، وهو ضدّ العطاء، و«منعه» حماه ودفع عنه. فسيغموند على هذه القراءة «شوكة المَنْع»، وهو ما تجعله القصّة: سلّ السيف من الشجرة ومنعه سيغّير ولو بثلاثة أضعاف وزنه ذهباً، ومن ذلك المنع بدأ كلّ شيء. وفي Sinfjötli «سِينْفْيُوتْلِي» شطران: sin- «سِين»، وهي في الجرمانية «الدائم» و«القديم»، ونقرؤها «سَنّ»: عضّ بأسنانه، وشحذ السكّين، و«أسنّ» كبر؛ و-fjötli «فْيُوتْلِي»، وهو في الإنجليزية القديمة Fitela «فِيتِلا»، ونقرؤه «فَتْل»: فتل الحبل أحكم ليّه، و«رجل محكم الفتل» شديد الخَلق. فسينفيوتلي على هذه القراءة المسنون المحكم الفتل، وهو ما تصنعه القصّة: أراد سيغموند أن يصلّب عوده، فعضّه في حلقه وهما ذئبان، وأخرجه من الامتحانات كلّها حبلاً مفتولاً.
الجذر اللغوي
| الصيغة | النطق | الموقع |
|---|---|---|
| Sigmundr | سِيغْمُونْدْر | الرفع، «ملحمة آل فولسونغ» و«موت سينفيوتلي» |
| burr Sigmundar | بُورّ سِيغْمُونْدَار | «ابن سيغموند»، «أنشودة هيلغي قاتل هوندينغ الأولى» 6 |
| Sigemund | سِيغِمُونْد | «بيوولف» 875 و884 |
| Wælses eafera | وَالْسِسْ إِيَاڤِرا | «ابن وَالْس»، أي فولسونغ، «بيوولف» 897 |
| Sinfjötli | سِينْفْيُوتْلِي | «موت سينفيوتلي»، «أنشودة هيلغي الأولى» 33–45 |
| Fitela | فِيتِلا | «بيوولف» 879 و889 |
| mund، mundr | مُونْد، مُونْدْر | اليد؛ مهر العروس |
سيغموند و«شوكة المَنْع»
الشطر الأوّل قرأناه في صفحة سيغورذ «شوكة»، وهو اسم الأسرة كلّها: سيغي الجدّ، وسيغموند، وسيغني، وسيغورذ. أمّا الشطر الثاني فيقول معجم كليسبي وفيغفوسون إنّ mund «مُونْد» اليد، وأكثر ما يأتي في الشعر، ويقابلها باللاتينية manus «مَانُوس»، وإنّ mundr «مُونْدْر» يأتي آخراً في أسماء رجال كثيرة: آسموند وغوذموند وسيغموند. ويقول أيضاً إنّ mundr «مُونْدْر» اسماً هو المال الذي يدفعه الخاطب ثمناً للعروس، ويقرنه بالألمانية العليا القديمة munt «مُونْت»، أي الوصاية، «وربّما هو من mund «مُونْد»، اليد، لأنّ اليد والسلطة معنيان متقاربان». ويجعل أورل أصلها *munđō «مُونْذُو»: اليد في النوردية والإنجليزية القديمة، والحماية والحراسة في الفريزية القديمة.
وفي معجم لين، مادّة «منع»: منعه الشيء حبسه عنه وأبى أن يعطيه، و«المَنْع ضدّ الإعطاء»، و«منعه» حماه ودفع عنه، و«منع جاره». فالمادّة العربية تجمع المعنيين اللذين في الكلمة الجرمانية: اليد التي تمسك، والحماية. والمقابلة تجري على قوانين مشروع جذور: الميم والنون على حالهما، والعين تسقط، لأنّ الحروف الحلقية تسقط أو تصير حركة في غير الساميّة. ونقرأ الدال زيادة لأنّ اللاتينية تقول manus «مَانُوس» بلا دال. وكان موضع الضعف أنّ الدال في النوردية من الكلمة، ولا يفصلها أحد من المعجميّين. وقد فصلها معجم كرونن للجرمانية الأولى: يجعل النون والدال في mund «مُونْد» لاحقة جرمانية، كما في hǫrund «هُورُنْد» النوردية، أي اللحم. لكنّه يقترح أن يكون أصل الكلمة الميم وحدها مع حرف حلقيّ، من فعل معناه أشار باليد، فتصير النون أيضاً من اللاحقة، وإن كانت اللاتينية manus «مَانُوس» والجرمانية تتّفقان فيها. فـ«المَنْع» تحفظ النون على هذا الاتفاق وحده، والسؤال باقٍ في النون.
ونضع بجانبها قراءة ثانية: «اليمين»، وهي في معجم لين الجهة اليمنى، والعهد المؤكّد بالقسم. فهي تحفظ الميم والنون، وتجمع اليد والعهد، لكنّ الياء في أوّلها ليست في الكلمة النوردية. وفي «أقوال أتلي الغرينلندية» يقول أتلي إنّه دفع mund «مُونْد» غودرون، أي مهرها، فالكلمة التي في اسم سيغموند هي الكلمة التي تُشترى بها العروس من وليّها.
سينفيوتلي و«المسنون المحكم الفتل»
يحفظ «بيوولف» الاسم بلا شطره الأوّل: Fitela «فِيتِلا»، فالشطر الثاني هو الاسم القديم، وsin- «سِين» زيادة عليه. وsin- «سِين» في الجرمانية الدائم والقديم: يجعل أورل الكلمة النوردية sígrœnn «سِيغْرُونّ» والإنجليزية القديمة singrēne «سِينْغْرِينِه»، أي الدائم الخضرة، مركّبة من *senaz «سِينَز»، القديم، ومنه القوطية sineigs «سِينِيغْس»، الشيخ، ويقارنها باللاتينية senex «سِينِكْس». وفي معجم لين، مادّة «سنن»: سنّه عضّه بأسنانه، وسنّ السكّين شحذها، وأسنّ الرجل كبر. فالسين والنون تجمعان في العربية الكِبَر الذي في الكلمة الجرمانية، والعضّ والشحذ اللذين في القصّة.
أمّا fjötli «فْيُوتْلِي» فلا يشرحه المعجم النوردي. لكنّ في النوردية كلمتين تحيطان به: fjöturr «فْيُوتُورّ»، القيد، وأصلها عند أورل *feturaz «فِيتُورَز»، وfetill «فِيتِيل»، الحزام الذي يُعلّق به الترس والسيف، وأصلها عنده *fatilaz «فَاتِيلَز»، ومنها الهولندية الوسطى vetel «ڤِيتِل»، القيد. وفي القصّة نفسها يقول النصّ النوردي إنّ سيغموند وسينفيوتلي أُخذا «فوُضعا في القيود». ونقرأ الحروف الثلاثة في العربية «فَتْل»: الفاء فاء، والتاء تاء، واللام لام، بلا إبدال. والفتل في معجم لين ليّ الحبل، و«رجل محكم الفتل» قويّ الخلق كأنّه حبل مفتول. فالمعنى العربي يجمع الحبل والقيد اللذين في الجرمانية، ويزيد عليهما الصلابة التي أرادها سيغموند للصبيّ.
وموضع الضعف أنّ المعاجم لا تحلّل الاسم، فقراءة fjötli «فْيُوتْلِي» بالقيد أو الحزام قراءة لحروفه لا شهادة على أصله.
السرديات الأسطورية الرئيسة
سيغموند قاتل التنّين في «بيوولف»
في «بيوولف» يحتفل الدنماركيون بقتل غرندل، فيقصّ شاعر الملك ما سمعه عن سيغموند ابن والس: أسفاره البعيدة وحروبه، وما لا يعرفه الناس، إلّا فيتيلا الذي كان معه، لأنّ سيغموند كان يحدّثه بها، «الخال لابن أخته»، وكانا رفيقين في كلّ شدّة، وقتلا بالسيوف كثيراً من نسل العمالقة. ثم يقول إنّ سيغموند نال بعد موته مجداً كبيراً لأنّه قتل التنّين حارس الكنز: دخل وحده تحت الصخرة الرمادية، ولم يكن فيتيلا معه، فاخترق السيف التنّين حتى ثبت في الجدار، ومات التنّين، فحمّل سيغموند السفينة بالكنوز اللامعة، وذاب التنّين بحرارته. فالإنجليز القدماء نسبوا إلى الأب ما نسبه أهل الشمال إلى ابنه سيغورذ في التنّين فافنير، وحفظوا الصلة التي في «الملحمة»: سينفيوتلي ابن أخت سيغموند.
سيغموند وسينفيوتلي في فالهالا
في «قول إيريك»، وهي قصيدة قيلت في الملك إيريك فأس الدم بعد مقتله سنة 954، يحلم أودين بأنّه يهيّئ فالهالا لملك قادم، ثم ينادي: يا سيغموند وسينفيوتلي، قوما سريعاً واخرجا لاستقبال الملك، وادعواه إن كان إيريك. ويسأله سائل: لماذا أخذت منه النصر وهو شجاع؟ فيجيب: لا يُعرف ما يكون، والذئب الرمادي يرقب مقاعد الآلهة. فالأب والابن هنا أوّل من في قاعة أودين من المختارين. وتقول «نشيد هيندلا» إنّ أودين أعطى هرموذر خوذة ودرعاً، وأعطى سيغموند سيفاً.
الشتائم على الساحل
في «أنشودة هيلغي قاتل هوندينغ الأولى» يقف سينفيوتلي في مقدّمة سفن أخيه هيلغي، فيسأله غوذموند ابن غرانمار عن قائد الجيش، فيتبادلان الشتائم. يقول غوذموند إنّه أكل طعام الذئاب، وقتل إخوته، ومصّ الجراح بفمه البارد، وزحف في جحور الحيوان، وإنّه ربيب سيغّير يعيش في الغابة يعوي. فيردّ سينفيوتلي بأنّ غوذموند كان ساحرة في جزيرة، ثم فالكيرية، وأنّه ولد منها تسعة ذئاب. فيقول هيلغي: القتال أليق بكما من الكلام. فالشتائم تحفظ من حياة سينفيوتلي ما رواه النثر: الذئاب، وقتل الأخوين، وبيت سيغّير.
جلد يحتمل السمّ
يقول سنوري في «لغة الشعر» إنّ سيغموند كان من القوّة بحيث يشرب السمّ فلا يضرّه، وإنّ سينفيوتلي وسيغورذ كانا صلبي الجلد لا يضرّهما السمّ إذا أصاب ظاهر أجسامهما. ويقول النثر في «موت سينفيوتلي» إنّ أبناء سيغموند كلّهم كانوا يحتملون السمّ على الجلد.
القراءة الرمزية
يقارن المقال العربي في هذا المشروع أودين بالخضر: كلاهما شيخ غامض يظهر فجأة ويعرف المصائر ويسافر متنكّراً. والمقال لا يذكر سيغموند، لكنّ قصّته تقوم على شيخ من هذا النوع يظهر مرّتين ولا يعرفه أحد: يغرز السيف في الشجرة ويخرج فلا يدري أحد من أين جاء ولا أين ذهب، ثم يقف في قارب صغير على خليج ضيّق ويأخذ الابن الميّت ويغيب. والشيخ الذي يعطي هو نفسه الذي يأخذ.
وفي القصّة صورة الخارج على الجماعة. أوّل فصل في «الملحمة» يقول إنّ سيغي، جدّ الأسرة، قتل عبداً فحُكم عليه بأن يكون «ذئباً في المواضع المقدّسة»، أي طريداً لا يعيش بين الناس. وسيغموند وسينفيوتلي يعيشان طريدين في الغابة، ويلبسان جلد الذئب حرفاً، فلا يخرجان منه حتى يحرقاه. فالذئب في هذه الأسرة اسم للطريد قبل أن يكون حيواناً.
التوازيات عبر الحضارات
سيغموند وسيغني توأمان في «الملحمة»، وهما من التوائم الذين يدور خبرهم على الأخ والأخت. في «الريغفيدا» 10.10 تطلب يَمِي من أخيها التوأم يما أن يقترنا، فيأبى ويقول إنّ ذلك إثم. أمّا سيغني فلا تطلب، بل تأتي أخاها في صورة غيرها فلا يعرفها، وتلد منه الابن الذي تريده للثأر. في الخبرين سؤال واحد عن الأخ والأخت، وجوابان: يرفض يما، ويُخدع سيغموند.
وسيغموند وسينفيوتلي رفيقان في البرّية، يعيشان مع الذئاب ويقتلان العمالقة معاً كما يقول «بيوولف»، كما عاش إنكيدو مع الحيوان ثم صار رفيق جلجامش في قتل خُمْبابا. وحين مات إنكيدو قال جلجامش إنّه بكاه ليلاً ونهاراً، ولم يسلمه للدفن سبعة أيّام وسبع ليال، حتى سقطت دودة من أنفه. وحين مات سينفيوتلي حمله سيغموند بين ذراعيه طريقاً طويلاً، ولم يسلمه إلّا لشيخ القارب.
والشيخ في القارب الصغير الذي يأخذ الميّت ويعبر به الماء يشبه خارون الإغريقي، الشيخ الذي يعبر بالموتى في قاربه، والذي أخذ الإتروسكيون اسمه لشيطانهم خارون. وهذا من صور النزول إلى العالم السفلي: الماء حدّ بين الأحياء والموتى، ولا يعبره الحيّ مع الميّت، فيدور سيغموند حول رأس الخليج ويمضي القارب وحده.
وقتل سيغموند التنّين في «بيوولف» شاهد آخر على صراع البطل مع التنّين، وتنتقل القصّة في الشمال إلى ابنه سيغورذ.