ملخص
سِياوُش ابن الملك كَيْكاوُس، أمير بريء في «الشاهنامه»، ملحمة الفِرْدَوْسي، يُتّهم كذباً فينجو من النار، ثم يُقتل غريباً في توران، ويثأر له ابنه كَيْخُسْرَو. وجد الفارسان گيو وطوس في غابة على حدود توران فتاة هاربة من أبيها، فتنازعا فيها، فأخذها الملك لنفسه، فولدت سياوش. فربّاه رستم في زابلستان حتى صار فارساً، ثم ردّه إلى أبيه. وماتت أمّه، فأحبّته سُودابه، زوجة أبيه وابنة ملك هاماوران، ودعته إلى قصر النساء بحجّة أن يتزوّج إحدى بناتها، فراودته فأبى. فشقّت ثوبها وخدشت خدّيها وصاحت حتى سمع القصر، وقالت للملك: إنّ سياوش أخذني بين ذراعيه، ورمى التاج عن شعري، وشقّ ثوبي، وأنا حامل منك وكاد يقتل الجنين. فشمّ الملك يدي سياوش وصدره ورأسه، فوجد على سودابه ريح الخمر وماء الورد والمسك، ولم يجد على سياوش شيئاً منها، فعرف براءته. فأتت سودابه بساحرة حامل، فأسقطت توأمين، وجعلتهما سودابه جنينيها اللذين قتلهما سياوش.
فقال الموابذة: لا تُعرف الحقيقة إلّا أن يمرّ أحدهما في النار، فإنّ السماء لا تؤذي البريء. فجمع الملك من الحطب جبلين، وترك بينهما طريقاً لا يكاد يتّسع لفارس، وصبّ عليهما النفط الأسود، وأشعلهما مئتا رجل. وجاء سياوش في ثياب بيضاء وخوذة من ذهب، على فرس أسود، ونثر على نفسه الكافور كما يُصنع بالميّت، ودعا ربّه أن يجيزه في جبل النار، ثم ساق فرسه الأسود فيها، فأطبقت النار على رأسه حتى لم يُرَ، ثم خرج منها ضاحكاً لم يحترق منه شيء. فأمر الملك بشنق سودابه، فشفع لها سياوش فعفا عنها.
ثم غزا أفراسياب، ملك توران، أرض إيران، فخرج إليه سياوش ليبتعد عن سودابه، فرأى أفراسياب في منامه ما أفزعه، فطلب الصلح وأعطى رهائن. فغضب كيكاوس، وأمر ابنه أن يرسل الرهائن ليُقتلوا ويعود إلى الحرب، فأبى سياوش أن ينقض عهده، ولجأ إلى أفراسياب. فأكرمه وزيره پيران، وزوّجه ابنته جريره، ثم زوّجه أفراسياب ابنته فرنگيس، وأعطاه إقليماً بنى فيه گنگدژ وسياوشگرد. فحسده گرسيوز، أخو أفراسياب، ووشى به حتى خرج إليه أفراسياب بجيش. فأبى سياوش أن يقاتل أبا زوجته، فأُخذ، وجرّه گروي بلحيته في التراب، فدعا سياوش ربّه أن يُخرج من نسله فرعاً يثأر له. ثم وضع گروي طستاً من ذهب على الأرض، وقلب وجه سياوش كما يُقلب وجه الشاة، وقطع رأسه فملأ الطست دماً، وصبّه حيث أُمر، فنبتت من الدم نبتة تسمّى «دم سياوش»، وهبّت ريح سوداء غطّت الشمس والقمر. وأمر أفراسياب بضرب فرنگيس حتى تُسقط جنينها، فأنقذها پيران، فوُلد كيخسرو.
والفكرة التي تدور عليها قصّته أنّ البريء ينجو من النار ولا ينجو من الحسد. امتُحن مرّتين: مرّة في قصر أبيه، فشهدت له يداه الخاليتان من الطيب وشهدت له النار، ومرّة في قصر أبي زوجته، فلم يشهد له شيء. وفي المرّتين يُقتل بسبب وفائه: يأبى أن يخون أباه مع امرأته، ثم يأبى أن ينقض عهده مع عدوّ أبيه، ثم يأبى أن يقاتل أبا زوجته. وما يبقى منه نبتة من دمه، وابن لم يولد بعد يحمل ثأره، فتبدأ من موته حرب إيران وتوران الكبرى.
أمّا الاسم فنقرؤه في اللسان العربي هكذا، وهي قراءة مقترحة على المنهج، فلا تقرأ المقالة الفارسية اسمه. اسمه في الأفستا Siiāuuaršan «سِيَاوَرْشَن»، وهو مركّب من syāva «سْيَاوَ»، الأسود، وaršan «أَرْشَن»، الذكر من الخيل والبقر، ومعناه في الأفستية «صاحب الفحول السود». فالجزء الأوّل في العربية «السَّواد»، والسين والواو فيه سين الأفستية وواوها، والدال العربية لا تظهر. والجزء الثاني «العِرْس» و«العَرُوس»: الألف في أوّله موضع عين سقطت، كما تسقط العين في جدول مشروع جذور، والراء راء، والشين بعد الراء في الأفستية سين في أصلها، كما تحفظها اليونانية في arsēn «أَرْسِين»، الذكر. والعِرْس في معجم لين زوجة الرجل وزوج المرأة، ويقال للبؤة الأسد، والعَرُوس الرجل والمرأة في أيّام عرسهما، وعَرِسَ به لزمه ولصق به. وهذه حكاية سياوش: يدخل النار على فرسه الأسود، ويصير عريساً لجريره ثم لفرنگيس، وتلصق به سودابه.
الجذر اللغوي
صيغ الاسم
| الصيغة | اللغة | المصدر |
|---|---|---|
| سِيَاوَرْشَن | الأفستية | يشت 9.18 و13.132 و19.71 و19.77 |
| سِيَاوَخْش | الفارسية الوسطى | البندهشن |
| سِياوُش، سِياوَخْش | الفارسية الحديثة | الشاهنامه |
يجعل بارتولومه syāva «سْيَاوَ» صفة بمعنى الأسود، ويقابلها بالسنسكريتية śyāva «شْيَاوَ» الأسمر الداكن، وبالفارسية siyāh «سِياه»، ويجعل الاسم مركّباً معناه «الذي له الفحول السود»، ويذكر بجانبه اسماً آخر من الجنس نفسه، Syāvaspi «سْيَاوَسْپِي»، «صاحب الأفراس السود». ويجعل aršan «أَرْشَن» الذكر والرجل، ويقابله باليونانية ἄρσην «أَرْسِين». ويقول سْكْيَرْڤُو في الموسوعة الإيرانية إنّ سياوش ثالث الكَوِيين الذين في أسمائهم aršan «أَرْشَن».
السواد
في معجم لين: السَّواد ضدّ البياض، لون معروف، ويقال لقيه في سواد الليل. فالقراءة تلقى المعنى كلّه، وتلقى السين والواو. والدال العربية خارجة عن الكلمة الأفستية، ولا تقابلها الياء التي في syāva «سْيَاوَ»، فالجزء الأوّل يلتقي بالعربية في حرفين من ثلاثة.
العِرْس والعَرُوس
وفي معجم لين: العِرْس امرأة الرجل وزوج المرأة، ويقال للذكر والأنثى «عِرْسان»، ويقال لزوج الأسد، وتُجمع على أعراس. والعَرُوس الرجل والمرأة ما داما في إعراسهما، وأعرس الرجل اتّخذ وليمة العرس أو بنى بامرأته، وعَرِسَ به لزمه ولصق به. والعين تسقط في أوّل الكلمة في جدول مشروع جذور في نحو ثمانية وثمانين في المئة من الأزواج، فتبقى حركة. فالقراءة تجعل aršan «أَرْشَن» عيناً سقطت ثم راءً ثم سيناً، ونونها لاحقة. وتفترق الكلمتان في أنّ العرس زوج الذكر والأنثى معاً، وaršan «أَرْشَن» الذكر وحده، فحيث تقول الأفستية الفحل تقول العربية الزوج.
السرديات الأسطورية الرئيسة
سياوش في الأفستا والكتب البهلوية
لا تقصّ الأفستا قصّته، وتذكره في «يشت» 13.132 بين الكَوِيين الذين تُعبد أرواحهم «الفروشي»، وتجعل الهوم يطلب أن يقيّد فرانگرسيان ويسوقه إلى الملك هئوسروه ليقتله ثأراً لأبيه سياوش. وتقول الموسوعة الإيرانية إنّ خطوط قصّة سودابه موجودة في «البندهشن»: ذهب سياوش إلى تركستان لقتال أفراسياب، ولم يعد إلى إيران بسبب سلوك سودابه، فتزوّج ابنة أفراسياب فولدت كيخسرو، ثم قُتل في توران. وتجعله الكتب البهلوية باني حصن گنگدژ.
الثأر
ولمّا بلغ الخبرُ إيرانَ دخل رستم قصر كيكاوس فجرّ سودابه من شعرها وقتلها، ثم خرج بالجيش إلى توران وملكها سبع سنين. ثم جاء گيو بكيخسرو من توران، فلمّا ملك قاد الحرب الكبرى حتى أُخذ أفراسياب وقُتل. وعاد الهوم في الشاهنامه ناسكاً يقيّده، فقال له كيخسرو قبل أن يقتله: قتلتَ أبي وأنا لم أولد بعد.
خوارزم
ويذكر وارنر في حاشيته أنّ البيروني ينقل عن أهل خوارزم أنّهم أرّخوا قدوم سياوش إلى بلادهم بعد عمارتها باثنتين وتسعين سنة، وأنّ ملوكهم من نسله، وأنّ گنگدژ في الشاهنامه قد تكون قلعة خوارزم القديمة.
القراءة الرمزية
تقرأ المقالة التي تعيد قراءة الأساطير الفارسية حرب إيران وتوران حرباً أهلية بين شعب واحد انقسم، وتقرأ سهراب، ابن الأمّ التورانية والأب الإيراني، صورة لمن يقف بين ثقافتين فلا يقبله أحد الجانبين. وسياوش صورة أخرى لهذا الموضع: أمّه من توران، وهو أمير إيراني، يتزوّج ابنتي توران، ويُقتل هناك، ويخرج من صلبه الملك الذي يجمع الدمين، كيخسرو، حفيد كيكاوس وحفيد أفراسياب معاً.
ويقول يارشاطر، كما ينقل مقال الموسوعة الإيرانية عن أفراسياب، إنّ في سياوش صفات كثيرة من معبودات النبات، وإنّ قتله على يد أفراسياب، مانع المطر وقاطع الأنهار، صورة لهلاك النبات. والنبتة التي تخرج من دمه تجعله من صنف المعبود الذي يموت ويعود: لا يعود هو، ويعود النبات من دمه، والولد من صلبه.
التوازيات عبر الحضارات
وأقرب القصص إلى تهمة سودابه قصّة يوسف. في سفر التكوين تمسك امرأة فوطيفار بثوب يوسف فيتركه بيدها ويهرب، فتجعل الثوب شاهداً على أنّه أرادها. وفي القرآن يُحكم بالقميص: «إن كان قميصه قُدّ من دبر فكذبت وهو من الصادقين». وفي الشاهنامه يحكم الملك بريح الطيب: على سودابه ريح الخمر والمسك، ولا شيء منها على يدي سياوش. فالبراءة في القصص الثلاث يشهد لها شيء على الجسد أو الثوب.
وفي اليونان تحبّ فايدرا، زوجة ثيسيوس، ابنَ زوجها هيپوليتوس، فيأباها، فتشقّ ثيابها وتتّهمه، فيدعو ثيسيوس على ابنه فتجرّه خيله حتى يموت، وتشنق فايدرا نفسها. وفي الشاهنامه يُحكم على سودابه بالشنق فيشفع لها سياوش، ثم يُجرّ سياوش نفسه بلحيته في توران.
وعند النورديين يُقتل بالدر البريء المحبوب بحيلة لوكي، ويُولد له أخ هو ڤالي ليثأر له ولم يمضِ عليه إلّا ليلة، كما يدعو سياوش أن يخرج من نسله من يثأر له فيولد كيخسرو بعد موته. وتنبت من دم أدونيس زهرة كما تنبت من دم سياوش نبتة.